|
||||||
| محمد ﷺ نبينا .. للخير ينادينا سيرة سيد البشر بكل لغات العالم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
ثانيًا: محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وإسلام عمير بن وهب (شيطان قريش): قال عروة بن الزبير: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر، بعد مصاب أهل بدر بيسير, وكان عمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء([13]) وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: (والله ما في العيش بعدهم خير). قال له عمير: صدقت، أما والله لولا دَيْنٌ علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة([14]) بعدي، لركبت إلى محمد حتى أ***ه، فإن لي فيهم علة([15]), ابني أسير في أيديهم. قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم([16]) ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك. قال: أفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشحذ وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشرٍّ وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه.قال صلى الله عليه وسلم: «فأدخله عليَّ» قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة([17]) سيفه في عنقه فلبَّبَه([18]) بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: «أرسله يا عمر، ادنُ يا عميرُ». فدنا ثم قال: انعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة» ([19]). فقال: أما والله، يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. فقال: «فما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: «فما بال السيف في عنقك؟» قال: قبَّحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئًا؟!! قال: «اصدقني ما الذي جئْتَ به؟» قال: ما جئت إلا لذلك. قال: «بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دينٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجت حتى أ*** محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن ت***ني له، والله حائل بينك وبين ذلك». قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره ففعلوا». ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله، وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم, وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، قال: فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب، يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عن الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا»([20]). وفي هذه القصة دروس وعبر منها: 1- حرص المشركين على التصفية الجسدية للدعاة، فهذا صفوان بن أمية وعمير بن وهب يتفقان على *** النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يرشدنا إلى أن أعداء الدعوة قد لا يكتفون برفض الدعوة، والتشويش عليها، وصد الناس عنها، بل يريدون اغتيال الدعاة، وتدبير المؤامرات ل***هم، وقد يستأجرون المجرمين لتنفيذ هذا الغرض الخسيس([21]). وقد يستغل الأغنياء المترفون من أعداء الدعوة حاجة الفقراء وفقرهم فيوجهونهم لقاء مبلغ من المال إلى خدمة مآربهم، وإن أدى ذلك إلى هلاكهم، فها هو صفوان قد استغل فقر عمير وقلة ذات يده ودَيْنه ليرسله إلى هلاكه([22]). 2- ظهور الحس الأمني الرفيع الذي تميز به الصحابة رضي الله عنهم، فقد انتبه عمر ابن الخطاب لمجيء عمير بن وهب وحذَّر منه، وأعلن أنه شيطان ما جاء إلا لشرٍّ، فقد كان تاريخه معروفًا لدى عمر، فقد كان يؤذي المسلمين في مكة, وهو الذي حرض على قتال المسلمين في بدر، وعمل على جمع معلومات عن عددهم؛ ولذلك شرع عمر في أخذ الأسباب لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن جهته فقد أمسك بحمالة سيف عمير الذي في عنقه بشدة فعطله عن إمكانية استخدام سيفه للاعتداء على الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر نفرًا من الصحابة بحراسة النبي صلى الله عليه وسلم. 3- الاعتزاز بتعاليم هذا الدين, فقد رفض صلى الله عليه وسلم أن يتعامل بتحية الجاهلية، ولم يرد على تحية عمير حين قال له: أنعموا صباحًا، وأخبره بأنه لا يحيي بتحية أهل الجاهلية؛ لأن الله تعالى أكرم المسلمين بتحية أهل الجنة. 4- سمو أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحسن إلى عمير، وتجاوز عنه وعفا عنه مع أنه جاء لي***ه([23]), بل أطلق ولده الأسير بعد أن أسلم عمير وقال لأصحابه: «فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره»([24]). 5- قوة إيمان عمير، فقد قرر أن يواجه مكة كلها بالإسلام، وقد أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل، وواجه، وتحدى، وعاد أدراجه إلى المدينة، وأسلم على يديه ناس كثير، وكان حين تعد الرجال يطرحه عمر t ممن يزن عنده ألف رجل، وكان أحد الأربعة الذين أمد بهم أمير المؤمنين عمر، عمرو بن العاص -رضي الله عنهم- الذين كان كلُّ واحد منهم بألف([25]). * * * ([1]) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، د. علي معطي، ص274، 275. ([2]) انظر التاريخ السياسي والعسكري، ص375، 376. ([3]) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص257. (3) تُليق: أي تبقي. ([5]) فلعت: شقت ([6]) العدسة: قرحة قاتلة كالطاعون، وقد عدس الرجل: إذا أصابه ذلك. ([7]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/258). ([8]) انظر: المرأة في العهد النبوي، د. عصمة الدين كركر، ص162. ([9]) هو أبو سفيان بن حرب نذر ألا يمس رأسه من ماء جنابة حتى يغزو المسلمين. ([10]) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/171). ([11]) انظر: التاريخ السياسي العسكري، ص274. ([12]) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/171). (1) عناء: التعب. ([14]) الضيعة: الضياع والتشتت. (3) العلة: السبب. ([16]) أواسيهم: أقوم على أمرهم ومؤونتهم. ([17]) حمالة السيف: ما يربط به السيف على الجسم. (6) لببه: قيده. ([19]) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص259.
([20]) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص260. ([21]) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/159). ([22]) انظر: غزوة بدر الكبرى لأبي فارس، ص82. ([23]) انظر غزوة بدر الكبرى، ص83. ([24]) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص260. ([25]) انظر: التربية القيادية، (3/73). |
|
#2
|
||||
|
||||
|
المبحث السابع
بعض الدروس والعبر والفوائد من غزوة بدر أولاً: حقيقة النصر من الله تعالى: إن حقيقة النصر في بدر كانت من الله تعالى قال سبحانهفقد بين سبحانه وتعالى أن النصر لا يكون إلا من عند الله تعالى في قوله: ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ )[آل عمران: 126], وقوله تعالى: ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )[الأنفال: 10]. في هاتين الآيتين تأكيد على أن النصر لا يكون إلا من عند الله عز وجل, والمعنى: ليس النصر إلا من عند الله دون غيره، و(العزيز) أى: ذو العزة التي لا ترام([1]), و(الحكيم) أى: الحكيم فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته سبحانه وتعالى([2]). ويستفاد من هاتين الآيتين: تعليم المؤمنين الاعتماد على الله وحده، وتفويض أمورهم إليه مع التأكيد على أن النصر إنما هو من عند الله وحده, وليس من الملائكة أو غيرهم، فالأسباب يجب أن يأخذ بها المسلمون، لكن يجب أن لا يغتروا بها، وأن يكون اعتمادهم على خالق الأسباب حتى يمدهم الله بنصره وتوفيقه، ثم بين سبحانه مظاهر فضله على المؤمنين، وأن النصر الذي كان في بدر، و***هم المشركين، ورمي النبي صلى الله عليه وسلم المشركين بالتراب يوم بدر إنما كان في الحقيقة بتوفيق الله أولاً وبفضله ومعونته. وبهذه الآية الكريمة يربي القرآن المسلمين ويعلمهم الاعتماد عليه, قال تعالى: ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )[الأنفال: 17]. ولما بيَّن سبحانه وتعالى أن النصر كان من عنده، وضح بعض الحكم من ذلك النصر، قال تعالى: ( لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ ` لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )[آل عمران: 127، 128]. وأمر سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتذكروا دائما تلك النعمة العظيمة؛ نعمة النصر في بدر، ولا ينسوا من أذهانهم كيف كانت حالتهم قبل النصر, قال تعالى: ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )[الأنفال: 26]. ثانيًا: يوم الفرقان: سُمي يوم بدر يوم الفرقان, ولهذه التسمية أهمية عظيمة في حياة المسلمين، وقد تحدث الأستاذ سيد قطب عن وصف الله تعالى ليوم بدر بأنه يوم الفرقان في قوله تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[الأنفال: 41]. فقال: كانت غزوة بدر، التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده, فرقانًا بين الحق والباطل، كما يقول المفسرون إجمالاً، وفرقانًا بمعنى أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرًا. كانت فرقانًا بين الحق والباطل فعلاً.. ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء.. الحق الذي يتمثل في تفرد الله سبحانه بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة، ولهذا السلطان المتوحد, ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك, والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك، ويغشي على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء, وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء، فهذا الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حيث فرق بين ذلك الحق الكبير، وهذا الباطل الطاغي، وزيَّل بينهما فلم يعودا يلتبسان. لقد كانت فرقانًا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد، كانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير؛ فرقانًا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور, وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية، وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص، والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات, وكانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر, كذلك فرقانًا بين العبودية الواقعية للأشخاص، والأهواء، وللقيم والأوضاع والشرائع والقوانين وللتقاليد والعادات, وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا متسلط سواه، ولا حاكم دونه، ولا مشرع إلا إياه، فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس فلا تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة. وكانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، والإسلام بوصفه تصويرًا جديدا للحياة, ومنهجًا جديدًا للوجود الإنساني، ونظامًا جديدًا للمجتمع، وشكلاً جديدًا للدولة، بوصفه إعلانًا عامًّا لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته, ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته([3]). إلى أن قال: وأخيرًا فلقد كانت بدر فرقانًا بين الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى: ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُّحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ` لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ). لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة، فأراد الله لهم غير ما أرادوا، أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان (غير ذات الشوكة)، وأن يلاقوا نفير أبي جهل (ذات الشوكة), وأن تكون معركة وقتالاً و***اً وأسرًا، ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة، وقد قال الله سبحانه: إنه صنع هذا ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ) وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة، إن الحق لا يحق وإن الباطل لا يبطل -في المجتمع الإنساني- بمجرد البيان النظري للحق والباطل، ولا بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حقٌّ وهذا باطلٌ، إن الحق لا يحق, وإن الباطل لا يبطل, ولا يذهب من دنيا الناس، إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا ويهزم جند الباطل ويندحروا، فهذا الدين منهج حركي واقعي، لا مجرد نظرية للمعرفة والجدل، أي لمجرد الاعتقاد السلبي. ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة، وكان هذا النصر العملي فرقانًا واقعيًا بين الحق والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته سبحانه من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق، ومن وراء إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوكة. ولقد كان هذا كله فرقانًا بين منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم.. وإنه لفرقان ندرك به اليوم ضرورته، حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين، حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين، وهكذا كان يوم بدر: ( يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) [الأنفال: 41]. بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة، والله على كل شيء قدير، وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء، مثل لا يجادل فيه مجادل، ولا يماري فيه ممارٍ.. مثل من الواقع المشهود، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة الله. وأن الله على كل شيء قدير([4]). |
|
#3
|
||||
|
||||
|
ثالثًا: الولاء والبراء من فقه الإيمان:
رسمت غزوة بدر لأجيال الأمة صورًا مشرقة في الولاء والبراء, وجعلت خطًا فاصلاً بين الحق والباطل، فكانت الفرقان النفسي والمادي والمفاصلة التامة بين الإسلام والكفر، وفيها تجسدت هذه المعاني, فعاشها الصحابة واقعًا ماديًّا وحقيقة نفسية، وفيها تهاوت القيم الجاهلية، فالتقى الابن بأبيه والأخ بأخيه: 1- كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة في صف المسلمين، وكان أبوه عتبة وأخوه الوليد وعمه شيبة في صف المشركين، وقد ***وا جميعًا في المبارزة الأولى. 2- كان أبو بكر الصديق في صف المسلمين.. وكان ابنه عبد الرحمن في صف المشركين. 3- كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين، وكان أخوه أبو عزيز بن عمير في صف المشركين، ثم وقع أسيرًا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: شد يدك به فإن أمه ذات متاع، فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصيتك بي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك، تلك كانت حقائق وليس مجرد كلمات: إنه أخي دونك([5]), إنها القيم المطروحة لتقوم الإنسانية على أساسها, فإذا العقيدة هي آصرة النسب والقرابة وهي الرباط الاجتماعي([6]). 4- كان شعار المسلمين في بدر (أَحَدٌ، أَحَدٌ) وهذا يعني أن القتال في سبيل عقيدة تتمثل بالعبودية للإله الواحد، فلا العصبية ولا القبلية, ولا الأحقاد والضغائن, ولا الثأر هو الباعث والمحرك، ولكنه الإيمان بالله وحده. ومن هذا المنطلق كانت صور الإيمان مختلفة المظاهر واحدة في مضمونها([7]), وللإيمان فقه عظيم, ومن هذا الفقه حينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليها كل من استطاع ذلك من المسلمين في مكة، وحبس من كان مضطهدًا ولم يستطع ذلك, فلما كان يوم بدر كان بعض هؤلاء في صف المشركين منهم: عبد الله بن سهيل بن عمرو، والحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه. فأما عبد الله بن سهيل بن عمرو فقد انحاز من صف المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد المعركة، وكان أحد الصحابة الذين نالوا هذا الشرف العظيم([8]). وأما الآخرون فلم يفعلوا ذلك، وشهدوا المعركة في صف المشركين وقد أصيبوا جميعًا([9]) ف***وا تحت راية الكفر، فنزل في حقهم قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )[النساء: 97]. قال ابن عباس: كان قوم من المسلمين أقاموا بمكة، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم, فأصيب بعضهم, فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا على الخروج، فنزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ) إنهم لم يعذروا إذ كانت إمكانات الانتقال إلى صف المؤمنين متوافرة، ولم يكن الفاصل كبيرًا بين الصفين، ولن يعدموا لو أرادوا الفرصة في الانتقال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل عبد الله بن سهيل([10]). إن للإيمان مستلزمات تعبر عن صدقه وقوته، ومن مستلزماته استعلاؤه على كل القيم مما سواه, فإذا كان كذلك كان لأصحابه الأثر الفعال، والقوة الفاعلة في بناء الحق والخير الذي أراده الله، إن الإيمان يصبغ السلوك، فإذا به يشع من خلال الحركة والجهد، ومن خلال الكلمة والابتسامة، ومن خلال السمت والانفعال؛ ولذا لم يعذر الذين كانوا في صف المشركين؛ لأن الإيمان الذي ادعوه لم توجد له مستلزمات فلم يؤت ثماره([11]). ولهذا الفهم العميق لفقه الإيمان ضرب الصحابة الكرام في بدر مُثلاً عليا لصدق الإيمان، التي تدل على أنهم آثروا رضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على حب الوالد والولد والأهل والعشيرة، فلا يعجب المسلم من ثناء الله تعالى على هذه المواقف الصادقة في قوله تعالى: ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )[المجادلة: 22]. رابعًا: المعجزات التي ظهرت في بدر وما حولها: من المعجزات التي ظهرت على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر إخباره عن بعض المغيَّبات، ومن المعلوم أن علم الغيب مختص بالله تعالى وحده، وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه الكريمة في غير آية من كتابه العزيز، قال تعالى: ( قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ )[النمل: 65]. وقال تعالى: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )[الأنعام: 59]. ومن المعلوم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون الغيب ولا اطلاع لهم على شيء منه، فقد قال تعالى: ( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ )[الأنعام: 50]، وكما جاءت الأدلة تدل على أن الله تبارك وتعالى قد اختص بمعرفة علم الغيب، وأنه استأثر به دون خلقه، جاءت أدلة تفيد أن الله تعالى استثنى من خلقه من ارتضاه من الرسل فأودعهم، ما شاء الله من غيبه بطريق الوحي إليهم, وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، قال تعالى: ( مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيم )[آل عمران: 179]. وقال تعالى: ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ` إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا )[الجن: 26، 27]. فنخلص من ذلك أن ما وقع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار بالمغيبات فبوحي من الله تعالى, وهو إعلام الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم للدلالة على ثبوت نبوته وصحة رسالته, وقد اشتهر وانتشر أمره صلى الله عليه وسلم باطلاع الله له على المغيبات([12]). وكان لأحداث غزوة بدر نصيب من تلك المعجزات الغيبية منها: 1- م*** أمية بن خلف: فعن عبد الله بن مسعود t قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، قال: فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: ألا تنظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت؟ فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة، فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدًا وأصحابه؟ فقال: نعم, فتلاحيا([13]) بينهما, فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي. ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه فغضب سعد فقال: دعنا عنك. فإني سمعت محمدًا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر جاء الصريخ, قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد ألا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يومًا أو يومين، فسار معهم يومين ف***ه الله([14]). 2- مصارع الطغاة: فعن أنس بن مالك t قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال، وكنت رجلا حديد البصر([15]) فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قال فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل يقول لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول: «هذا مصرع فلان غدًا، إن شاء الله» قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حد رسول الله صلى الله عليه وسلم([16]). 3- إخبار العباس بن عبد المطلب بالمال الذي دفنه, وإعلام عمير بن وهب بالحديث الذي حدث بينه وبين صفوان: ومن ذلك لما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمه دفع الفداء، وأجابه العباس: ما ذاك عندي يا رسول الله، فقال له: «أين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلتَ لها: إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم»، قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا الأمر ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل. وما حدَّث به عمير بن وهب لما جاء متظاهرًا بفداء ابنه، وهو يريد *** النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق مع صفوان بن أمية، فقد أنبأه نبأ المؤامرة، فكانت سببًا في إسلامه وصدق إيمانه([17]). وذكر ابن القيم في زاد المعاد: أن سيف عُكَّاشة بن محصن انقطع يومئذ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذلا من حطب، فقال: «دونك هذا» فلما أخذه عكاشة وهزه، عاد في يده سيفًا طويلاً شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى *** في الردة أيام أبي بكر([18]). وقال رفاعة بن رافع: رميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني، فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي، فما آذاني منها شيء([19]). قال الدكتور أبو شهبة: وما ينبغي لأحد أن يزعم أن المعجزات الحسية لا ضرورة إليها بعد القرآن، فها هي قد بدت آثارها واضحة جلية في إسلام البعض، وتقوية يقين البعض الآخر، وإثبات أنه نبي يوحى إليه، فقد أخبر بمغيبات انتفى في العلم بها كل احتمال إلا أنه خبر السماء، وغير خفي ما يحدثه من انقلاب عود أو عرجون في يد صاحبه سيفا بَتَّارًا في إيمانه وتقوية يقينه، وجهاده به جهادًا لا يعرف التردد أو الخور، وحرصه البالغ على أن يخوض المعارك بسيف خرقت به العادة وصار مثلاً وذكرى في الأولين والآخرين([20]). |
|
#4
|
||||
|
||||
|
خامسًا: حكم الاستعانة بالمشرك: في غزوة بدر -في الأحداث التي سبقتها- أراد مشرك أن يلحق بجيش المسلمين, وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الموافقة على قبوله معهم، والاشتراك فيما هم ذاهبون إليه فقال صلى الله عليه وسلم: «ارجع فلن أستعين بمشرك»([21]) فالحديث يبين أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة، أو رجحانها بهذه الاستعانة، وألا يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن يكون تابعًا للقيادة الإسلامية، لا متبوعًا، ومقودًا فيها لا قائدًا لها، وألا تكون هذه الاستعانة. مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة وبمن يستعان به، فإذا تحققت هذه الشروط جازت الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة. وفي ضوء هذا الأصل رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراك المشرك مع المسلمين في مسيرهم إلى عير قريش إذ لا حاجة به أصلاً, وفي ضوء الاستثناء وتحقق شروطه استعان النبي صلى الله عليه وسلم بالمشرك عبد الله بن أريقط الذي استأجره النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في هجرتهما إلى المدينة؛ ليدلهما على الطريق إليها.. وهكذا على هذا الاستثناء وتحقق شروطه قبل صلى الله عليه وسلم حماية عمه أبي طالب له، كما قبل جوار أو إجارة المطعم بن عدي له عند رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف، وكذلك قبول الصحابة الكرام جوار من أجارهم من المشركين ليدفع هؤلاء الأذى عمن أجاروهم([22]). وضبط هذه القاعدة مع فهم شروط الاستثناء في واقع الحياة يحتاج إلى فقه دقيق وإيمان عميق. سادسًا: حذيفة بن اليمان، وأسيد بن الحضير رضي الله عنهما: 1- حذيفة بن اليمان ووالده: قال حذيفة: ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده إنما نريد المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لتصيرن إلى المدينة ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم، لما جاوزناهم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ما قالوا وما قلنا لهم فيما ترى؟ قال: نستعين الله عليهم ونفي بعهدهم، فانطلقنا إلى المدينة، فذاك الذي منعنا أن نشهد بدرًا([23]). هذه صورة مشرقة في حرص النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ العهود، وتربية أصحابه على تطبيق مكارم الأخلاق الرفيعة، وإن كان في ذلك إجحاف بالمسلمين ومفوت لهم جهد بعض أفراد المجاهدين. 2- أسيد بن الحضير: عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قادمًا من بدر لقي بالروحاء رؤوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال أسيد بن الحضير: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت»([24]). سابعا: الحرب الإعلامية في بدر: قال حسان t: وإن كثُروا وأجمعت الزحوف --- فما نخشى بحول الله قومًا كفانا حدَّهم ربٌّ رؤوف --- إذا ما ألَّبُوا جمعًا علينا سِراعًا ما تضعفنا الحتوف([25]) --- سمونا يوم بدر بالعوالي لمن عادوا إذا لقحت كشوف --- فلم تر عصبة في الناس أنكى مآثرنا ومعقلنا السيوف --- ولكنا توكلنا وقلنا ونحن عصبة وهم ألوف([26]) --- لقيناهم بها لما سمونا وقال كعب بن مالك t: ولا صبروا به عند اللقاء --- لما حامت فوارسكم ببدر دُجى الظلماء عنا والغطاء --- وردناه بنور الله يجلو من أمر الله أُحكم بالقضاء --- رسول الله يقدمنا بأمر وما رجعوا إليكم بالسواء --- فما ظفرت فوارسكم ببدر جياد الخيل تطلع من كداء --- فلا تعجل أبا سفيان وارقب كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث شعراء المسلمين على القيام بواجبهم في الدفاع عن المسلمين وإخافة الأعداء بشعرهم، فقد كان الشعر يمثل الحملات الإعلامية المؤثرة في دنيا العرب, فيرفع أقوامًا ويخفض آخرين, ويشعل الحروب ويطفئها([29]). كانت بوادر الحرب الإعلامية قد اندلعت منذ الهجرة، غير أن ظهورها أكثر بدأ مع حركة السرايا قبيل بدر، لكنها انفجرت انفجارًا ضخمًا بعد بدر؛ لأن الجانب الإعلامي للقبائل المجاورة كان هدفًا مهمًّا من أهداف الفريقين، ويظهر أن القصائد سرعان ما تطير بها الركبان بين يثرب ومكة، فيأتي الرد من الطرف الآخر، فعند النصر تكثر أشعار الفريق المنتصر، بينما تكثر المراثي عند الفريق الثاني، وكان الصف الإسلامي يضم شعراء متخصصين، كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكان أشدهم على الكفار حسان([30]). * * * ([1]) انظر: تفسير ابن كثير (1/411). ([2]) انظر: تفسير ابن كثير (2/302) نقلاً عن حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم (1/97- 105). ([3]) انظر: في ظلال القرآن (3/1521، 1522). ([4]) انظر: في ظلال القرآن (3/1523، 1524). ([5]) انظر: البداية والنهاية (3/307). (2) انظر: معين السيرة، ص213. ([7]) المصدر نفسه، ص217. (4) انظر: معين السيرة، ص217. ([9]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/253). ([10]) انظر: معين السيرة، ص217. (2) انظر: معين السيرة، ص218. ([12]) انظر: موسوعة نضرة النعيم (1/453). (2) تلاحيا: تلاوما وتنازعا، انظر: النهاية (4/243). ([14]) البخاري ز انظر: الفتح (6/3632). ([15]) حديد البصر: أي نافذ. (2) مسلم رقم (2873). ([17]) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/178).
([18]) انظر: زاد المعاد (3/186) وذكر المحقق أن ابن إسحاق ذكرها من غير سند. ([19]) انظر: زاد المعاد (3/186) والأثر فيه خلاف بين التصحيح والتضعيف. ([20]) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/178). ([21]) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (2/355). ([22]) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/144، 145). ([23]) انظر: المستدرك للحاكم (3/201، 202) هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي. ([24]) انظر: البداية والنهاية (3/305). ([25]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/26) الحتوف: جمع حتف وهو الموت. ([26]) هذا محمول على المبالغة لأن جيش قريش ما كان يزيد على الألف. ([27]) أي ما أطيب الملأ الذين يقودهم جبريل وميكائيل عليهما السلام. ([28]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/30). ([29]) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (4/199). ([30]) انظر: المنهج الحركي للسيرة النبوية، ص354، 355. |
|
#5
|
||||
|
||||
|
المبحث الثامن
أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر وأحد في أعقاب غزوة بدر أخذت الهيبة العسكرية للمسلمين مداها الكبير في دائرة واسعة في الجزيرة العربية، وأحس ضعفاء المشركين بالخطر وشعر أقوياؤهم بغلبة الإسلام، وبدأت النفوس تتطلع إلى الإيمان؛ فتوسعت دائرة الدخول في الإسلام، ورأى الكثيرون أن يدخلوا في الإسلام نفاقًا أو خديعة، وبهذا كله أصبحت الدولة الجديدة أمام أوضاع جديدة من المكر والتآلب والتحالفات، ولكن تأييد الله تعالى ثم جهاز أمن الدولة المتيقظ أفشل مخططات أعداء الإسلام([1]). أولاً: الغزوات التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلمبعد بدر وقبل أحد: 1- ماء الكدر في بني سليم: غزا النبي صلى الله عليه وسلم بعد سبع ليالٍ من عودته إلى المدينة من غزوة بدر، وبلغ ماء الكدر في ديار بني سليم الذين قصدهم بغزوته هذه، غير أنه لم يلق حربًا فأقام ثلاث ليالٍ على الماء ثم رجع إلى المدينة([2]). كان سبب تلك الغزوة تجمع أفراد بني سليم لمقاتلة المسلمين والاعتداء عليهم بعد معركة بدر مباشرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجأهم بهجوم سريع غير متوقع، فهرب بنو سليم وتفرقوا على رؤوس الجبال، وبقيت إبلهم مع راعٍ لها يدعى يسارًا، فاستاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبل مع راعيها، وعند موضع صرار، على ثلاثة أميال من المدينة، قسم النبي صلى الله عليه وسلم الإبل التي كان عددها خمسمائة بعير على أصحابه، فأصاب الواحد منهم بعيرين، ونال النبي صلى الله عليه وسلم خمسها، وكان يسار من نصيبه، ولكنه أعتقه بعد ذلك([3]). 2- غزوة السويق: قدم أبو سفيان بمائتي فرس من مكة، وسلك طريق النجدية حتى نزلوا حي بني النضير ليلا، واستقبلهم سلام بن مشكم سيد بني النضير، فأطعمهم وأسقاهم وكشف لهم عن أسرار المسلمين، وتدارس معهم إحدى الطرق لإيقاع الأذى بالمسلمين، ثم قام أبو سفيان بمهاجمة ناحية العُريض -وادٍ بالمدينة في طرف حرة واقم- ف*** رجلين وأحرق نخلاً وفر عائدًا إلى مكة، فتعقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار، ولكنه لم يتمكن من إدراكهم؛ لأن أبا سفيان ورجاله قد جدوا في الهرب، وجعلوا يتخففون من أثقالهم ويلقون السويق([4]) التي كان يحملونها لغذائهم، وكان المسلمون يمرون بهذه الجرب فيأخذونها، حتى رجعوا بسويق كثير، لذا سميت هذه الغزوة بغزوة السويق، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة أيام دون أن يلقى حربا([5]). 3- غزوة ذي أمر: جاءت الأخبار من قِبَل رجال الاستخبارات الإسلامية تفيد بأن رجال قبيلتي ثعلبة ومحارب تجمعوا بذي أمر بقيادة دُعثور بن الحارث المحاربي، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإغارة على المدينة، فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عثمان بن عفان وخرج في أربعمائة وخمسين من المسلمين بين راكب وراجل، فأصابوا رجلا بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة، كان يحمل أخبارًا عن قومه أسرَّ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دخل في الإسلام وانضم إلى بلال ليتفقه في الدين([6])، أما المشركون من بني ثعلبة ومحارب ما لبثوا أن فروا إلى رؤوس الجبال عند سماعهم بمسير المسلمين، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في نجد مدة تقارب الشهر دون أن يلقى كيدًا من أحد وعاد بعدها إلى المدينة([7]). وفي هذه الغزوة أسلم دعثور بن الحارث الذي كان سيدًا مطاعًا بعد أن حدثت له معجزة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أصاب المسلمين في هذه الغزوة مطرٌ كثيرٌ فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل تحت شجرة ونشر ثيابه لتجف، واستطاع دُعثور أن ينفرد برسول الله بسيفه، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ قال: «الله»، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من يمنعك مني» قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فلما رجع إلى أصحابه فقالوا: ويلك، ما لك؟ فقال: نظرت إلى رجل طويل فدفع صدري فوقعت لظهري, فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعًا، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام([8])، ونزل في ذلك قول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )[المائدة:11]. 4- غزوة بحران([9]):كانت هذه الغزوة في شهر جمادى الأولى من السنة الثالثة للهجرة، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة من المسلمين حتى بلغ بحران بين مكة والمدينة يريد قتال بني سليم, فوجدهم قد تفرقوا، فانصرف عنهم، وعاد إلى المدينة بعد أن أمضى خارجها عشر ليالٍ([10]). ونلحظ في هذه الغزوات قدرة القيادة الإسلامية على رصد تحركات العدو، ومعرفة قوته، وخططه، ومدده لكي تحطم هذه التجمعات المناوئة للدولة الإسلامية الفتية قبل أن يستفحل أمر هذه القبائل، وتصبح خطرًا على المدينة. وهذه الغزوات في هذه الصحراء المترامية الأطراف كانت دورات تدريبية تربوية للصحابة الكرام، وسعدت سرايا الصحابة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم لها، فقد كانت تلك الدورات العملية التدريبية القتالية التربوية مستمرة، وتمتد من خمسة أيام إلى شهر، تتم فيها الحياة الجماعية، ويتربى جنود الإسلام على السمع والطاعة، والتدريب المتقن, ويكتسبون خبرات جديدة تساعدهم على تحطيم الباطل وتقوية الحق. لقد كان المنهاج النبوي الكريم يهتم بتربية الصحابة في ميادين النزال، ولا يغفل عن المسجد ودوره في صقل النفوس، وتنوير العقول، وتهذيب الأخلاق من خلال وجود المربي العظيم صلى الله عليه وسلم الذي أصبحت تعاليمه تشع في أوساط المجتمع من خلال القدوة والعبادة الخاشعة لله عز وجل، فالمنهاج النبوي الكريم جمع بين الدورات المسجدية، التربوية، والدورات العسكرية التربوية المكثفة لكي يقوي المجتمع الجديد، وترص صفوفه، ويكسب الخبرات لكي تقوم بنشر الإسلام في الآفاق([11]). 5– سرية زيد بن حارثة إلى القُردة: أصبح مشركو مكة بعد هزيمتهم في بدر يبحثون عن طريق أخرى لتجارتهم للشام، فأشار بعضهم إلى طريق نجد العراق، وقد سلكوها بالفعل، وخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية, وحويطب بن عبد العزى، ومعهم فضة وبضائع كثيرة، بما قيمته مائة ألف درهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة أحد أفراد جهاز الأمن الإسلامي يدعى سليط بن النعمان t([12])، فبعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في مائة راكب لاعتراض القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له القردة، وهو ماء من مياه نجد، ففر رجالها مذعورين، وأصاب المسلمون العير وما عليها، وأسروا دليلها فرات بن حيان الذي أسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم, وعادوا إلى المدينة، فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووزع الباقي بين أفراد السرية([13]). ثانيًا: غزوة بني قينقاع: ذكر الزهري أنها وقعت في السنة الثانية للهجرة، وذكر الواقدي وابن سعد أنها وقعت يوم السبت للنصف من شوال من السنة الثانية([14])، واتفق معظم من كتب في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته على أنها وقعت بعد معركة بدر، إذ لم يلتزم يهود بني قينقاع بالمعاهدة التي أبرمها الرسول صلى الله عليه وسلم معهم، ولم يوفوا بالتزاماتهم التي حددتها، ووقفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين مواقف عدائية، فأظهروا الغضب والحسد عندما انتصر المسلمون في بدر، وجاهروا بعداوتهم للمسلمين([15]), وقد جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في سوقهم بالمدينة ونصحهم، ودعاهم إلى الإسلام، وحذرهم أن يصيبهم ما أصاب قريشًا في بدر([16]), غير أنهم واجهوا النبي صلى الله عليه وسلم بالتحدي والتهديد رغم ما يفترض أن يلتزموا به من الطاعة والمتابعة لبنود المعاهدة التي جعلتهم تحت رئاسته، فقد جابهوه بقولهم: «يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك ***ت نفرًا من قريش كانوا أغمارًُا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وإنك لم تلق مثلنا([17]). وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل إذ لم يكن في جوابهم ما يشير إلى الالتزام والاحترام، بل على العكس فإنهم قد أظهروا روحًا عدائيًا، وتحديًا واستعلاء واستعدادًا للقتال، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم قوله تعالى: ( قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ` قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ )[آل عمران: 12، 13]. 1- الأسباب المباشرة للغزو: لما انتصر المسلمون في بدر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود ما قال، أضمرت بنو قينقاع نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وأخذوا يتحينون الفرصة السانحة لمناوشة المسلمين، حتى جاءتهم فرصتهم الحقيرة الدنيئة عندما جاءت امرأة من العرب قدمت بجَلَب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ ف***ه، وكان يهوديًا، وشدت اليهود على المسلم ف***وه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع([18]). فحين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك سار إليهم على رأس جيش من المهاجرين والأنصار، وذلك يوم السبت للنصف من شوال من السنة الثانية للهجرة([19]), وكان الذي حمل لواء المسلمين يومئذ حمزة بن عبد المطلب t، واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري([20]), واسمه بشير([21]), وحين سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبذ إليهم العهد كما أمره الله تعالى في قوله: ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ )[الأنفال: 58]. 2- ضرب الحصار عليهم: وحين علم اليهود بمقدمه صلى الله عليه وسلم تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، كما ذكر ابن هشام([22]), واستمر الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب واضطروا للنزول على حكمه صلى الله عليه وسلم, فقد فاجأهم صلى الله عليه وسلم بأسلوب الحصار، فأربكهم وأوقعهم في حيرة من أمرهم بعد أن قطع عنهم كل مدد وجمد حركتهم، فعاشوا في سجن مما جعلهم في النهاية ييأسون من المقاومة والصبر، فبعد أن كانوا يهددون رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأنهم قوم يختلفون بأسًا وشدة عن مشركي قريش، إذا بهم يضطرون للنزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم([23])، فأمر بهم فربطوا فكانوا يكتفون أكتافًا، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي الأوسي([24]). 3- مصير يهود بني قينقاع: حاول ابن سلول زعيم المنافقين أن يحل حلفاءه من وثاقهم، فعندما مر عليهم قال: حلوهم, فقال المنذر: أتحلون قومًا ربطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لا يحلهم رجل إلا ضربت عنقه([25]), فاضطر عبد الله بن أبي ابن سلول أن يتراجع عن أمره ويلجأ إلى استصدار الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بفك أسرهم([26]). فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أحسن في موالي -وكانوا حلفاء الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد: أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه، فأدخل ابن أبي يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسلني»، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاً([27]), ثم قال: «ويحك أرسلني» قال: لا والله، لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاثة مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم لك»([28]). فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهم ثم أمر بإجلائهم، وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما كان لديهم من مال، وقد تولى جمع أموالهم وإحصاءها محمد بن مسلمة t([29])، وحاول ابن أبي ابن سلول أن يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم في يهود بني قينقاع لكي يقرهم في ديارهم، فوجد على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم عويم بن ساعدة الأنصاري الأوسي، فرده عويم، وقال: لا تدخل حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فدفعه ابن أبي، فغلظ عليه عويم حتى جحش وجه ابن أبي الجدار فسال الدم([30]). ويظهر في هذا الخبر فقه النبي صلى الله عليه وسلم السياسي في تعامله مع ابن سلول حيث لبى طلبه، فلعل هذا الموقف يغسل قلبه، ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته، فقال له: هم لك، ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه فيتماسك الصف، ويلتحم فلا يتأثر من كيد أعداء الإسلام([31]). وهناك بُعد آخر حيث حرص صلى الله عليه وسلم أن يتفادى حدوث فتنة في مجتمع المؤمنين، حيث إن بعض الأنصار حديثو عهد بالإسلام، ويخشى أن يؤثر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي لسمعته الكبيرة فيهم([32]), ولذلك سلك صلى الله عليه وسلم معه أسلوب المداراة والصبر عليه وعلى إساءته تجنبا للفتنة وإظهارًا لحقيقة الرجل من خلال تصرفاته ومواقفه عند من يجهلها، ومن ثم يفر الناس من حوله ولا يتعاطفون معه، وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فقد ظهرت حقيقة ابن سلول لجميع الناس حتى أقرب الناس إليه ومنهم ولده عبد الله، فكانوا بعدها إذا تكلم أسكتوه، وتضايقوا من كلامه([33]), بل أرادوا ***ه كما سيأتي بإذن الله تعالى. 4- تبرؤ عبادة بن الصامت منهم: لما نقضت العهد بنو قينقاع وكان عبادة بن الصامت أحد بني عوف -لهم من حلف بني قينقاع مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي- مشى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلعهم إليه، وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم([34]). ولما تقرر جلاء بني قينقاع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت أن يجليهم، فجعلت بنو قينقاع تقول: يا أبا الوليد من بين الأوس والخزرج -ونحن مواليك- فعلت هذا بنا؟ قال لهم عبادة: لما حاربتم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أبرأ إليك منهم ومن حلفهم، وكان ابن أبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف, فقال عبد الله بن أبي: تبرأت من حلف مواليك؟ ما هذا بيدهم عندك، فذكره مواطن قد أبلوا فيها، فقال عبادة: يا أبا الحباب، تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود، أما والله إنك لمعصم بأمر سنرى غيَّه غدًا، فقالت بنو قينقاع: يا محمد، إن لنا دينًا في الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا وضعوا» وأخذهم عبادة بالرحيل والإجلاء، وطلبوا التنفس، فقال لهم: ولا ساعة من نهار, لكم ثلاث لا أزيد عليها, هذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كنت أنا ما نفستكم، فلما مضت ثلاث، خرج في آثارهم حتى سلكوا إلى الشام وهو يقول: الشرف الأبعد الأقصى فالأقصى، وبلغ خلف الذباب ثم رجع ولحقوا بأذرعات([35]). وهكذا خرج بنو قينقاع من المدينة صاغرين قد ألقوا سلاحهم وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة، وأشدهم بأسًا، وأكثرهم عددًا وعدة؛ ولذلك لاذت القبائل اليهودية بالصمت والهدوء فترة من الزمن بعد هذا العقاب الرادع، وسيطر الرعب على قلوبهم وخضدت شوكتها([36]). 5- الآيات التي نزلت في موالاة ابن سلول لليهود وبراءة عبادة بن الصامت منهم: قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ` فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ` وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ` يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ` إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ` وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )[المائدة: 51-56]. قال ابن عطية في هذه الآيات: لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ***هم، فقام دونهم عبد الله بن أبي ابن سلول وكان حليفًا لهم، وكان عبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله، فلما رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سلكته اليهود من المشاقة لله ورسوله، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم، ولا أوالي إلا الله ورسوله، وقال عبد الله بن أبي: أما أنا فلا أبرأ من ولاء يهود، فإني لا بد لي منهم، إني رجل أخاف الدوائر([37]). إن الفرق واضح بين ابن سلول الذي انغمس في النفاق، ومرد عليه، وبين عبادة بن الصامت t الذي تربى على المنهاج النبوي فصفت نفسه، وتطهر قلبه، وقوي إيمانه، وتنور عقله، فتخلص من آثار العصبية الجاهلية، والأهواء، والمصالح الذاتية، وقدم مصلحة الإسلام على كل مصلحة، فكان مثلاً حيًا للمسلم الصادق، المخلص لعقيدته([38]). |
|
#6
|
||||
|
||||
|
ثالثًا: تصفية المحرضين على الدولة الإسلامية، م*** كعب بن الأشرف: إن خطر المحرضين على الفتنة لا يقل عن خطر الذين يشهرون السيوف لقتال المسلمين، إذ لولا هؤلاء المحرضون لما قامت الفتنة، لذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع هؤلاء المحرضين وي***هم إطفاء لنار الفتنة، وتمكينًا للحق، وقد *** منهم خلقًا بعد موقعة بدر([39]) منهم: أ- عصماء بنت مروان التي كانت تحرض على النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام, فقد أقدم عمير بن عدي الخطمي t على ***ها، وحين سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عما إذا كان عليه شيء؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم:«نصرت الله ورسوله يا عمير»([40])، ثم قال: «لا ينتطح فيها عنزان»([41]) وقد أسلم نتيجة ذلك عدد من بني خطمة وجهر بالإسلام منهم من كان يستخفي([42]). ب- م*** أبي عفك اليهودي: كان أبو عفك شيخًا كبيرًا من بني عمرو بن عوف وكان يهوديًا، يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لي بهذا الخبيث؟» فخرج له الصحابي سالم بن عمير ف***ه([43]). وأهم حدث في تصفية المحرضين على الدولة ما بين بدر وأحد هو م*** كعب بن الأشرف. ج- م*** كعب بن الأشرف: ينتسب كعب بن الأشرف إلى بني نبهان من قبيلة طئ، كان أبوه قد أصاب دمًا في الجاهلية, فقدم المدينة وحالف يهود بني النضير، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعب([44]), وكان شاعرًا، ناصب الإسلام، وقد غاظه انتصار المسلمين على قريش في معركة بدر، فسافر إلى مكة يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض قريش على الثأر ل***اهم الذين كان ينوح عليهم ويبكيهم في شعره، ويدعو إلى القضاء على الرسول والمسلمين([45]), ومما قاله من الشعر في ***ى بدر من المشركين: ولمثل بدر تستهل وتدمع --- طحنت رحى بدر لمهلك أهله لا تبعدوا إن الملوك تصرع --- قُتلت سراة الناس حول حياضهم ذي بهجة تأوي إليه الضيع --- كم قد أصيب بها من أبيض ماجد إن ابن الأشرف ظل كعبًا يجزع --- ويقول أقوم أقوام أذل([46]) بسخطهم ظلت تسوخ بأهلها وتصدّع --- صدقوا، فليت الأرض ساعة ***وا خشعوا لقول أبي الوليد وجدّعوا([47]) --- نبئت أن بني كنانة كلهم واستمر كعب بن الأشرف في أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وتشجيع قريش لمحاربة المسلمين، واستغوائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحبُّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ قال: أنتم أهدى منهم سبيلاً([48]), ثم خرج مقبلاً قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنًا بعداوته وهجائه([49]). ولما قدم المدينة أعلن معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وشرع في هجائه، وبلغت به الوقاحة والصلف أن يمتد لسانه إلى نساء المسلمين، وشبب بأم الفضل بنت الحارث -رضي الله عنها- زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيها: وتارك أنت أم الفضل بالحرم --- أذاهب أنت لم تحلل بمنقبة من ذي القوارير والحناء والكتم([50]) --- صفراء رادعة لو تعصر انعصرت ولو تشاء شفتْ كعبًا من السقم --- إحدى بني عامر هام الفؤاد بها حتى تبدت لنا في ليلة الظلم([51]) --- لم أر شمسًا بليل قبلها طلعت 1- حسان بن ثابت لابن الأشرف بالمرصاد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث حسانًا للتصدي لكعب بن الأشرف، فكان صلى الله عليه وسلم يعلم حسانًا أين نزل ابن الأشرف في مكة؟ فعندما نزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضميرة السهمي وزوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص, فأبلغ صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت بذلك فهجاهم لإيوائهم ابن الأشرف، فلما بلغ عاتكة بنت أسيد هجاء حسان نبذت رحل اليهودي كعب بن الأشرف وقالت لزوجها: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان؟([52]) وتحول كعب إلى أناس آخرين، وكان كلما تحول إلى قوم آخرين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانًا وأخبره أين نزل ابن الأشرف فيهجو من نزل عندهم فيطردونه، وظل يلاحقه حتى لفظه كل بيت هناك, فعاد إلى المدينة راغمًا بعد أن ضاقت في وجهه السبل ينتظر مصيره المحتوم وجزاءه الذي يستحقه([53]). كانت الحرب الإعلامية التي شنها حسان ضد كعب بن الأشرف قد حققت أهدافها، وهذه بعض الأبيات التي قالها حسان بن ثابت t في الرد على كعب بن الأشرف: منه وعاش مجدعًا لا يسمع؟ --- أبكي لكعب ثم عُلَّ([54]) بعبرة ***ى تسح لها العيون وتدمع --- ولقد رأيت ببطن بدر منهم شبه الكُليب إلى الكُلْيبة يتبع --- فابك فقد أبكيت عبدًا راضعًا وأهان قومًا قاتلوه وصُرِّعوا --- ولقد شفى الرحمان منا سيدًا شَغَف يظل لخوفه يتصدع([55]) --- ونجا وأفلت منهم من قَلْبُه 2- جزاء ابن الأشرف: لقد قام اليهودي ابن الأشرف بجرائم كثيرة، وخيانات عديدة وإساءات متعددة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين والمسلمات القانتات العابدات، وكل جريمة من هذه الجرائم تعد نقضًا للعهد تستوجب عقوبة ال***، فكيف إذا اجتمعت هذه الجرائم كلها في هذا اليهودي الشرير؟([56])
إن ابن الأشرف بهجائه للنبي صلى الله عليه وسلم وإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء ***اهم وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربًا مهدور الدم، ولذلك([57]) أمر النبي صلى الله عليه وسلم ب***ه وقد فصل البخاري خبر م***ه، فقد روى في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله» فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أ***ه؟ قال: «نعم». قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: «قل». فأتاه محمد بن مسلمة([58]) فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك قال: وأيضا والله لتملنه, قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين. فقال: أرهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟ فيُسب أحدهم فيقال: رُهن بوسق أو وسقين, هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمة، قال سفيان: يعني السلاح. فواعده أن يأتيه، فجاء ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة. قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة. وجاء محمد بن مسلمة برجلين([59])، وقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه, فنزل منهم متوشحًا وهو يَنْفَح منه ريح الطيب. فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمه، ثم أشمَّ أصحابه. ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم, فلما استمكن منه قال: دونكم ف***وه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه([60]). وجاء في السيرة النبوية لابن هشام أن محمد بن مسلمة مكث ثلاثة أيام بعد أن استعد ل*** كعب بن الأشرف لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فقال له: «لم تركت الطعام والشراب»؟ فقال: يا رسول الله، قلت لك قولا لا أدري هل أفينَّ لك به أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما عليك الجهد». فقال: لا بد لنا من أن نقول. قال: «قولوا ما بدا لكم»([61]). وجاء في السيرة النبوية عن ابن إسحاق، بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال: «انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم»([62]). |
|
#7
|
||||
|
||||
|
دروس وعبر: إن في م*** كعب بن الأشرف دروسًا وعبرًا وفوائد في فقه النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع خصوم الإسلام والدولة الإسلامية، فقد اتضح أن عقوبة الناقض للعهد ال***, وهذا ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم, وعقوبة المعاهد الذي يشتم الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤذيه بهجاء أو غيره هي ال***, وهذا ما كان لابن الأشرف، ويؤخذ من هذا أن شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان معاهدًا أو غيره تضرب عنقه عقوبة له، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية في تفصيل هذه الأحكام في كتابه القيم الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم. * يؤخذ من طريقة تنفيذ حكم الرسول صلى الله عليه وسلم باليهودي ابن الأشرف, أن الحكم قد تقتضي المصلحة العامة للمسلمين أن ينفذ سرًّا، ويتأكد هذا إن كان يترتب على تنفيذه بغير هذه الصورة السرية فتنة أو خطر قد يكلف المسلمين ثمنًا باهظًا([63]). وقد بينت هذه الصورة على أن مواجهة الكفار أعداء الإسلام ومحاربي الدولة الإسلامية لا تقتصر على مواجهتهم في ميدان المعارك، وإنما تتعدى ذلك إلى كل عمل تحصل به النكاية بالأعداء، ما لم يكن إثمًا، وقد يوفر القضاء على رجل له دوره البارز في حرب المسلمين جهودا كبيرة وخسائر فادحة يتكبدها المسلمون. وهذا مشروط بالأمن من الفتنة، وذلك بأن يكون للمسلمين شوكة، وقوة ودولة، بحيث لا يترتب على نوعية هذا العمل فتك بالمسلمين، واجتثاث الدعاة من بلدانهم، وإفساد في مجتمعاتهم([64]). وقد أخطأ بعض المسلمين في العالم الإسلامي، وتعجل الصدام المسلح واستدلوا على ما ذهبوا إليه بمثل هذه الحادثة ولا حجة لهم فيها؛ لأن ذلك كان بالمدينة وللمسلمين شوكة ودولة، أما هم فليس لهم دولة ولا شوكة، ثم كان ذلك إعزازًا للدين وإرهابًا للكافرين، وكانت كلها مصالح لا مفسدة معها، أما ما يحدث في فترات الاستضعاف من هذه الحوادث فإنها يعقبها من الشر والفساد واستباحة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ما لا يخفى على بصير([65]). إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم بمحاولة تصفية لأي أحد من المشركين في مكة مع القدرة على *** زعماء الشرك كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة، ولو أشار إلى حمزة أو عمر بذلك أو غيرهما من الصحابة، لقاموا بتنفيذ ذلك، ولكن الهدي النبوي الكريم يعلمنا أن فقه *** زعماء الكفر يحتاج إلى شوكة وقوة، كما أن هذا الفقه يحتاج إلى فتوى صحيحة من أهلها، واستيعاب فقه المصالح والمفاسد, وهذا يحتاج إلى علماء راسخين، حيث تتشابك المصالح في عصرنا، وحيث للرأي العام دوره الكبير في قرارات الدول، وحيث احتمالات توسع الأضرار([66]). * نلحظ قيمة الكلمة عند الصحابة رضي الله عنهم في موقف محمد بن مسلمة t بعد أن أعطى كلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعهد فيها ب*** اليهودي ابن الأشرف, ثم إبطاؤه في ذلك, أعيته الحيلة بقيام صعوبات في سبيل تحقيق ما وعد, حيث امتنع عن الطعام والشراب وأصابه الغم والحزن؛ لأنه قال قولاً يخشى أن لا يستطيع الوفاء به، ونلاحظ في مجتمعاتنا المعاصرة أن كثيرًا من الناس يعطون عهودًا ومواثيق ولا يقدرون قيمتها ويخفرون ذمتهم ويتراجعون عن عهودهم ومواثيقهم وتبقى حبرًا على ورق، فهؤلاء ليسوا أصحاب مبادئ ومواقف يبتغي بها وجه الله، بل هم أصحاب مصالح ومنافع يخشى عليهم أن يعبدوها من دون الله. إن أصحاب الدعوات يؤثرون أن تندق أعناقهم وأن تضوى أجسامهم وتزهق أرواحهم على أن يتراجعوا عن كلماتهم وعهودهم ومواثيقهم، يستعذبون الموت والعذاب في سبيل عقائدهم وإسلامهم([67]). * في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما عليك الجهد» ([68]) فيه توجيه نبوي كريم أن النصر لا يأتي إلا بعد بذل الجهد والصبر عند الابتلاء, قال تعالى: ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )[هود: 49]. وعلى المسلم أن يفرغ كل ما في وسعه من جهد فكري وطاقة جسمية في سبيل تحقيق ما وعد، ثم يتوكل على الله بعد ذلك في النتائج([69]). * وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «قولوا ما بدا لكم» ([70]) فقه نبوي كريم، فقد قالوا كلامًا هو في الأحوال العادية كفر، ومن هنا تعرف أنه من أجل تحقيق المهام العسكرية فلا حدود، للكلام الذي يقال، ولكن تأتي هنا مسألة أخرى وهي ما إذا كان النجاح في المهام العسكرية يقتضي أفعالا لا تجوز أو يقتضي ترك فرائض, فما العمل؟ المعروف أنه ليس هناك من الذنوب أعظم من الكفر والشرك، فإذا جاز التظاهر بالكفر لذلك فمن باب أولى جواز غيره، على أن يتأكد طريقًا للوصول إلى الهدف أو يغلب الظن على ذلك، وعلى أن يقتصر فيه على الحد الذي لا بد منه، سواء كانت الوسيلة تأخير فريضة أو ارتكاب محظور، على أن هذا وهذا مقيدان بالفتوى, فهناك محظورات لا يصح فعلها بحال كالزنا واللواط([71]). * هناك بعض القضايا تحتاج لأهل الفتوى المؤهلين لأن يفتوا فيها، خصوصًا في الظروف الاستثنائية والحالات الاضطرارية, وفي المحاكمات السياسية والعسكرية لأنها تحتاج إلى الموازنات والفتاوى الاستثنائية التي لا يستطيعها كل إنسان، فالأحكام الأصلية ليست مجهولة، وإنما الأحكام الاستثنائية التي تقتضيها الظروف الاستثنائية تحتاج إلى علماء ربانيين، وفقهاء راسخين لهم القدرة على فهم مقاصد الشريعة، وواقعهم الذي يعيشون فيه([72]). * وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «قولوا ما بدا لكم» فقه عظيم يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة»([73]). * قوله صلى الله عليه وسلم: «انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم»([74]) كان لهذا التذكير بالإخلاص في الجهاد، انطلقوا على اسم الله والدعاء لهم بالتوفيق والعون, كل ذلك كان حافزًا على الثبات ورافعًا للمعنويات, فلم يعبأوا بقوة ابن الأشرف ومن حوله من الناس؛ لأنهم استشعروا معية الله لهم ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه بإعانتهم وتحقيق مسعاهم، ونلحظ في الهدي النبوي الأخذ بكل الأسباب المادية، والتخطيط السديد، ولا ينسى جانب الدعاء النبوي الكريم، فإنهم لم يغفلوا الأسباب الموصلة بهم إلى نجاح مقصودهم؛ لأن المسلم مأمور بالجمع بين التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب التي شرعها الله سبحانه([75]). ولذلك كانت خطة محمد بن مسلمة مع إخوانه محكمة وأتقنوا فقه سنة الأخذ بالأسباب، فقد كانت الأسباب التي ساعدت على نجاح الخطة كالتالي: - أن أبا نائلة كان أخاه من الرضاعة وهو يطمئن إليه ولا يتوجس منه خيفة. - وفي بعض الروايات طمأن أبو نائلة كعب بن الأشرف، وأدخل الأنس إلى قلبه بمناشدته في الشعر قبل أن يحدثه عن حاجته. - ولم يحدثه عن حاجته إلى كعب حتى أخرج كعب الذي عنده كان من سبل التوفيق، ولو بقي أولئك النفر لربما قد كشفوا حقيقة الأمر، وحذروا كعبًا من عاقبته، فحديثهم معه على انفراد كان في غاية التوفيق. - تظاهرهم بالنيل والتبرم والتظلم من الرسول صلى الله عليه وسلم طمأن كعب بن الأشرف. - فكرة رهن السلاح كانت في غاية التوفيق حتى يكون اصطحابهم للسلاح غير مريب، ولا يبعث على الريبة ذلك, لأنهم أحضروا ما سيرهنونه إلى كعب، وفي نفس الوقت يستطيعون أن يستخدموا هذا السلاح في أي وقت التقوا به. - أخذ الموعد من كعب بن الأشرف كان إحكامًا في الخطة بحيث يتسنى لهم في أي وقت من الليل أن يأتوه ويطرقوا عليه الباب دون أن يشك فيهم وفي نيتهم. - اطمئنان ابن الأشرف إلى أبي نائلة ومحمد بن مسلمة جعله يخرج في وقت لا يخرج فيه الإنسان من بيته عادة تحسبًا لقتال عدو على حين غرة وغفلة([76]). - إن خطة إبعاد ابن الأشرف عن بيته إلى مكان يخلو به دون رقيب أو نصير كانت موفقة. - استدراج أبي نائلة لابن الأشرف وشمه طيب رأسه وإمساكه بشعره ليشمه كان موفقـًا وتقدمة ليمسك بهذا الرأس الخبيث ويتمكن منه لتكون الفرصة سانحة لتنفيذ حكم الله في هذا اليهودي اللعين([77]). - وتظهر قدرة الصحابة الفائقة على الحفاظ على السرية، وذلك من كتمان هذه الخطة مع كثرة من في المدينة من اليهود والمنافقين, ومع تأخر تنفيذها, وكون النبي صلى الله عليه وسلم عرض هذا الأمر في مشهد من الصحابة وجرت فيه مشورة، وهذا دليل على قوة إيمان هؤلاء الصحابة وإخلاصهم لدينهم([78]). وقام هؤلاء المغاوير بتنفيذ أدوار الخطة المحكمة التي اتفقوا عليها وأدركوا مقصودهم الأسمى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بإحساسه الكبير ومشاعره الفياضة، فقد كانوا يقومون بتنفيذ العملية بعقولهم وأجسامهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتولى قيادتهم العليا بالاتصال بالله تعالى ودعائه لهم بالنصر والإعانة([79]). 3- أثر م*** اليهودي ابن الأشرف على اليهود: انتشر خبر م*** ابن الأشرف في المدينة، فأسرع أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون ويحتجون على ما فعله أصحابه، فلم يحفل النبي صلى الله عليه وسلم بهم، بل أكد م***ه الذي كان نتيجة حتمية لموقفه المعادي، وقد أوقعت هذه الحادثة الرعب في نفوس اليهود جميعهم، فلم يعد أحد من عظمائهم يجرؤ على الخروج من حصنه، كما لم يعد أحد يهود المدينة إلا ويخاف على نفسه من المسلمين([80]). واضطر اليهود لتجديد المعاهدة، وكان لم*** كعب بن الأشرف أثر عميق في نفوسهم، فمضوا يكيدون للإسلام، كما سيتبين من الأحداث، ومن الجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ بني النضير بجريرة كعب بن الأشرف، واكتفى ب***ه جزاء غدره وجدد المعاهدة معهم([81]). ومن الفقه النبوي في معاملة اليهود، نستفيد أن العلاج الأمثل لليهود هو زجرهم و*** أهل الفتن فيهم ومطاردتهم؛ لأنهم أهل شرور لا يتخلصون منها ولا يتوقفون عنها([82]). رابعًا: بعض المناسبات الاجتماعية: أ- زواج النبي صلى الله عليه وسلمبحفصة بنت عمر: قال عمر t: حين تأيمت([83]) حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي في المدينة، فقال عمر: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة بنت عمر، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر الصديق t فلم يرجع إلي شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان. فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ، إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله قبلتها([84]). ب- زواج علي tبفاطمة رضي الله عنها: قال علي بن أبي طالب t: خُطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك، فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكت، فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة؟». فقلت: نعم. فقال: «وهل عندك من شيء تستحلها به؟». فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: «ما فعلت درع سلحتكها؟ فوالذي نفس علي بيده إنها لخطمية ما قيمتها أربعة دراهم». فقلت: عندي. فقال: «قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها» فإنها كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم([85]), وقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل([86]) وقربة ووسادة أدم([87]) حشوها إذخر([88])([89]). وهكذا كانت حياتهم في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد وهي إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده([90]). وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منها عندما طلبت منه أن يعطيها خادمًا من السبي، فقد جاء في مسند الإمام أحمد: (قال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت([91]) حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وجاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه([92]), فقالت: أنا والله قد طحنت حتى مجلت يدي([93]). فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما جاء بك أي بنية؟» قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلتِ؟ قال: استحييت أن أسأله، فأتينا جميعًا، فقال علي: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى([94]) بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم» فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: «مكانكما» ثم قال: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟» قالا: بلى، فقال: «كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام» فقال: «تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرًا أربعا وثلاثين»([95]). وهكذا كان الهدي النبوي في تربية أهل بيته وأقربائه, لقد أخفقت مساعي السيدة فاطمة وعلي رضي الله عنهما للحصول على خادم؛ لأن السبي يريد عليه الصلاة والسلام أن يبيعه، وينفق ثمنه على أهل الصفة الذي يتلوون من الجوع، فهم أيضًا من خاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل علي وفاطمة، والطعام مقدم على الخدمة([96]). ولقد تأثر علي t بهذه التربية النبوية، ويمر الزمن بالفتى علي فيصبح خليفة المسلمين، فإذا به من آثار هذه التربية يترفع عن الدنيا وزخارفها, وبيده كنوز الأرض وخيراتها؛ لأن ذكر الله يملأ قلبه ويغمر وجوده، ولقد حافظ على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له وقد حدثنا عن ذلك فقال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن, فسأله أحد الصحابة ولا ليلة صفين فقال: ولا ليلة صفين([97])، وكان كما وصفه ضرار بن ضمرة في مجلس معاوية: (.... يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب...)([98]). * * *
([1]) انظر: الأساس في السنة وفقهها السيرة النبوية (1/512). ([2]) انظر: موسوعة نضرة النعيم (1/296). (3) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، ص277. ([4]) السويق: هو أن تحمص الحنطة والشعير ثم يطحن باللبن والعسل والسمن. ([5]) انظر: السيرة لابن هشام (3/51) التاريخ السياسي والعسكري، ص278، 279. ([6]) انظر: البداية والنهاية (4/3) التاريخ الإسلامي والعسكري، ص279. ([7]) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، ص279. (4) انظر: البداية والنهاية (4/3). ([9]) بحران: كتبها بعضهم بفتح الباء (بحران) وبعضهم بضمها. ([10]) انظر: المجتمع المدني للعمري، ص61، التاريخ السياسي والعسكري، ص280. ([11]) انظر: التربية القيادية (3/118، 119). (2) المصدر نفسه (3/132). ([13]) انظر: سيرة ابن هشام (3/56). (4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/299). ([15]) انظر: موسوعة نضرة النعيم (1/269). (2) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/276) ([17]) نفس المصدر (1/276). (4) انظر: سيرة ابن هشام (3/54). ([19]) انظر: المغازي للواقدي (1/176)، الطبقات لابن سعد (2/28، 29). ([20]) انظر: تاريخ الطبري (2/481).(7) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/279). ([22]) انظر: سيرة ابن هشام (3/55). ([23]) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس (1/144).(2) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/280) ([25]) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (5/32). (4) المصدر نفسه (5/33). ([27]) ظللا: جمع ظلة وهي السحابة، استعارة لتغير الوجه عند الغضب. ([28]،7) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/281). (8) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (5/30). ([31]) انظر: المنهج الحركي للسيرة النبوية للغضبان، 247. ([32]) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (5/32). (2) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس (1/148). ([34]) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/282، 283). (4) نفس المصدر (1/284، 285). ([36]) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس (1/149). ([37]) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (1/477، 478). ([38]) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/302). ([39]) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، ص138. ([40]) سنن أبي داود (4/528، 529). ([41]) سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن سب النبي (4/528، 529). ([42]) انظر: نضرة النعيم (1/295). (3) المصدر نفسه (1/296). ([44]) انظر: السيرة لابن هشام (3/58). (5) انظر: نضرة النعيم (1/298). ([46]) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، ص158. (7، 8، 9) المصدر نفسه، ص158. ([50]) رادعة: أي يفوح منها أثر الطيب والزعفران, والكتم نبت يخلط بالحناء فيخضب به الشعر فيبقى لونه. ([51]) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، ص160. ([52]) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس، (1/111). ([53]) نفس المصدر، (1/111). ([54]) عُل، من العلل، وهو الشرب بعد الشرب، يريد البكاء بعد البكاء. ([55]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/59). ([56]) انظر: الصرع مع اليهود (1/111) ([57]) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/304) ([58]) الذي كتب في السيرة النبوية لابن هشام أن الذي جاء كعب بن الأشرف أبو نائلة واسمه سلكان بن سلامة. ([59]) وفي كتب السيرة أن الذين قاموا ب***ه خمسة نفر هم: محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، أحد بني عبد الأشهل وأبو عبس بن جبر أحد بني حارثة, هؤلاء قدموا أبا نائلة ليحدث كعب بن الأشرف. ([60]) البخاري في المغازي، باب *** كعب بن الأشرف رقم 4037. ([61]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/61).(2) المصدر نفسه (3/62). ([63]) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس، (1/115). ([64]) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (5/54). ([65]) انظر: وقفات تربوية مع السيرة النبوية، ص205. ([66]) انظر: الأساس في السنة وفقهها السيرة النبوية (2/537). ([67]) انظر: الصراع مع اليهود (1/119). (4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/61). ([69]) انظر: الصراع مع اليهود (1/120). (6) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/61). ([71]) انظر: الأساس في السنة وفقهها السيرة النبوية (2/537، 538). ([72]) نفس المصدر (2/537، 538).(3) صحيح مسلم رقم 1740، ص1362. ([74]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/61). (5) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (5/56). ([76]، 2) انظر: الصراع مع اليهود (1/122). ([78]) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (5/56). (4) نفس المصدر (5/57). ([80]) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، ص188. (2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/304). ([82]) انظر: الصراع مع اليهود (1/126). (4) تأيمت: مات عنها زوجها. ([84]) البخاري، كتاب النكاح، رقم 5122. ([85]) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (3/160) إسناده حسن. ([86]) خميل: القطيفة. (3) الأدم: الجلد. ([88]) إذخر: نبات له رائحة عطرة. (5) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص267. ([90]) انظر: معين السيرة، ص255. (7) سنوت: استقيت. ([92]) أي اسأليه خادمًا.(9) مجلت يدي: ثخن جلدها وتعجر. ([94]) تطوى: طوى من الجوع فهو طاوٍ خالي البطن جائع لم يأكل. ([95]) انظر: الفتح الرباني (17/260) رقم 90. ([96]) انظر: التربية القيادية (3/100). ([97]) انظر: الإصابة في تميز الصحابة (8/159). ([98]) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي (1/84). [/HTML] |
![]() |
| العلامات المرجعية |
|
|