|
#17
|
||||
|
||||
|
الملائكة والمؤمنون تحدثنا في المبحث السابق عن الدور الذي كلف الله الملائكة القيام به تجاه بني آدم كلهم ؛ مؤمنهم وكافرهم ، فما ذكرناه من تشكيلهم للنطفة ، وحراستهم للعباد ، وتبليغهم للوحي ، ومراقتبهم للعباد ، وكتابة الأعمال ، ونزع الأرواح ، لا تختص بقسم من بني آدم دون قسم ، ولا بمؤمن دون كافر .وللملائكة بعد ذلك دور مختلف مع المؤمنين والكفار ، وسنتناول دورهم وموقفهم من كلا الفريقين بالبيان والتوضيح . المطلب الأول دور الملائكة تجاه المؤمنين ( الجزء الأول ) 1- محبتهم للمؤمنين :روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أحب الله عبداً نادى جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحببه ، فيحبه جبريل . فينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يحبّ فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثمّ يوضع له القبول في الأرض ) (1) . 2- تسديد المؤمن : روى البخاري في صحيحه عن حسّان بن ثابت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له ، فقال : ( اللهمّ أيده بروح القدس ) (2) . وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة قال : ( قال سليمان عليه السلام : لأطوفنّ الليلة بمائة امرأة ، تلد كل امرأة يقاتل في سبيل الله . فقال له الملك : قل : إن شاء الله ، فلم يقل ، ونسي ، فأطاف بهنّ ، ولم تلد إلا امرأة منهنّ نصف إنسان ) . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو قال : إن شاء الله لم يحنث ، وكان أرجى لحاجته ) (3) . فالملك سدد نبي الله سليمان وأرشده إلى الأصوب والأكمل . 3- صلاتهم على المؤمنين : أخبرنا الله أن الملائكة تصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النَّبي ) [ الأحزاب : 56 ] . وهم يصلون على المؤمنين أيضاً : ( هو الَّذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظُّلُمَاتِإلى النُّور وكان بالمؤمنين رحيماً ) [الأحزاب : 43] . والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند ملائكته ، حكاه البخاري عن أبي العالية ، وقال غيره : الصلاة من الله – عز وجل – الرحمة ، وقد يقال : لا منافاة بين القولين . وأمّا الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس ، والاستغفار لهم ، وهذا ما سنوضحه فيما يأتي : نماذج من الأعمال التي تصلي الملائكة على صاحبها : أ- معلّم الناس الخير : روى الترمذي في سننه عن أبي أمامة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت ، ليصلون على معلم الناس الخير ) (4) . ب- الذين ينتظرون صلاة الجماعة : في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه ، تقول : اللهمّ اغفر له ، اللهم ارحمه . ما لم يحدث ) (5) . ج- الذين يصلون في الصف الأول : في سنن أبي داود عن البراء بن عازب رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول ) (6) . وفي سنن النسائي : ( على الصفوف المتقدمة ) (7) . وفي سنن ابن ماجة من حديث البراء ، وحديث عبد الرحمن بن عوف : ( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ) (8) . د- الذين يسدّون الفرج بين الصفوف : في سنن ابن ماجة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف ، ومن سدّ فرجة رفعه الله بها درجة ) (9) . هـ- الذين يتسحرون : في صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين ) (10) . و- الذين يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم : روى أحمد في مسنده ، والضياء في المختارة عن عامر بن ربيعة بإسناد حسن : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من عبد يصلي عليّ إلا صلتْ عليه الملائكة ، ما دام يصلي عليّ ، فليقلّ العبد من ذلك أو ليكثر ) (11) . ز- الذين يعودون المرضى : روى أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ما من رجل يعود مريضاً ممسياً ، إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح ، وكان له خريف في الجنّة ، ومن أتاه مصبحاً خرج معه سبعون ألف ملك ، يستغفرون له حتى يمسي ، وكان له خريف في الجنة ) (12) . هل لصلاة الملائكة علينا أثر : يقول تعالى : ( هو الَّذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظُّلمات إلى النُّور) [ الأحزاب : 43 ] . تفيد الآية أن ذكر الله لنا في الملأ الأعلى ، ودعاء الملائكة للمؤمنين واستغفارهم لهم ، له تأثير في هدايتنا وتخليصنا من ظلمات الكفر والشرك والذنوب والمعاصي إلى النور الذي يعني وضوح المنهج والسبيل ، بالتعرف على طريق الحق الذي هو الإسلام ، وتعريفنا بمراد الله منا ، وإعطائنا النور الذي يدلنا على الحق : في الأفعال والأقوال والأشخاص . 4- التأمين على دعاء المؤمنين : الملائكة يؤمنِّون على دعاء المؤمن : وبذلك يكون الدعاء أقرب إلى الإجابة ، ففي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه ملك ، كلما دعا له بخير قال الملك الموكل به : آمين ، ولك بمثل ) (13) . ولما كان الدعاء المؤمّن عليه حريّاً بالإجابة ، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على نفسه بشر ، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ) (14) . 5- استغفارهم للمؤمنين : أخبرنا الله أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض : ( تكاد السَّماوات يتفطَّرن من فوقهنَّ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إنَّ الله هو الغفور الرَّحيم ) [ الشورى : 5 ] . وأخبر في آية سورة غافر أن حملة العرش والملائكة الذين حول العرش ينزهون ربهم ، ويخضعون له ، ويخصون المؤمنين التائبين بالاستغفار ، ويدعونه بأن ينجيهم من النار ، ويدخلهم الجنة ، ويحفظهم من فعل الذنوب والمعاصي : ( الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للَّذين آمنوا ربَّنا وسعت كل كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً فاغفر للَّذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم – ربَّنا وأدخلهم جنَّات عدنٍ الَّتي وعدتَّهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريَّاتهم إنَّك أنت العزيز الحكيم – وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذٍ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ) [ غافر : 7-9] . 6- شهودهم مجالس العلم وحلق الذكر وحفهم أهلها بأجنحتهم : في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق ، يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى حاجتكم ) . قال : ( فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ) (15) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ،وحفّتهم الملائكة ،وذكرهم الله فيمن عنده ) (16) . وفي سنن الترمذي عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع ) (17) ؛ أي تتواضع له . فالأعمال الصالحة – كما ترى – تقرب الملائكة منا ، وتقربنا منهم ، ولو استمر العباد في حالة عالية من السمو الروحي ، لوصلوا إلى درجة مشاهدة الملائكة ومصافحتهم كما في الحديث الذي يرويه مسلم ، عن حنظلة الأسيدي ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر ، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ) (18) . وفي رواية الترمذي عن حنظلة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها ) (19) . -------------------------------- (1) صحيح البخاري : 6/303 . ورقمه : 3209 . ورواه مسلم : 4/2030 . ورقمه : 2637 . (2) صحيح البخاري : 6/304 . (3) رواه البخاري : 9/339 . ورقمه : 5242 . وقال ابن حجر في ( فتح الباري : 6/460 ) ما ملخصه : " في رواية المغيرة ( سبعين ) امرأة ، وفي رواية شعيب في الأيمان والنذور : ( تسعين ) ، ورجحها المؤلف هناك " . ورواه مسلم في صحيحه : 3/1267 . ورقمه : 1654 ، وفي إحدى رواياته : ستون ، وفي الأخرى : سبعون ، وفي ثالثة : تسعون . (4) صحيح سنن الترمذي : 2/343 . ورقمه : 2161 . (5) رواه البخاري : 2/131 . ورقمه : 647 ، ورواه مسلم : 1/459 . ورقمه : 649 ، واللفظ لمسلم . (6) صحيح سنن أبي داود : 1/130 . ورقمه : 618 . (7) صحيح سنن النسائي : 1/175 .ورقمه : 781 . (8) صحيح سنن ابن ماجة : 1/164 . ورقمه : 816 . (9) صحيح سنن ابن ماجة : 1/164 . ورقمه : 814 . (10) صحيح الجامع : 2/135 . (11) صحيح الجامع : 5/174 . (12) صحيح سنن أبي داود : 2/598 . ورقمه : 2655 ، وصرّح أبو داود بتصحيحه مرفوعاً ، وأورد رواية صحيحة عن علي موقوفاً عليه . (13) صحيح مسلم : 4/2094 . ورقمه : 2733 . وصحيح سنن ابن ماجة : 2/149 . ورقمه : 2340 ، واللفظ لمسلم . (14) صحيح مسلم : 6/634 . ورقمه : 920 . (15) رواه البخاري : 11/208 . ورقمه : 6408 . ورواه مسلم : 4/2069 . ورقمه : 2689 . واللفظ للبخاري . (16) صحيح مسلم : 4/2073 . ورقمه : 2699 . (17) صحيح سنن الترمذي : 2/342 . ورقمه : 2159 . (18) صحيح مسلم : 4/2106 ، ورقمه : 2750 . (19) صحيح سنن الترمذي : 2/298 . ورقمه : 1994 . |
| العلامات المرجعية |
|
|