الكَرَم والجُود في واحة الشِّعر
قال كلثوم بن عمرو التَّغلبي -مِن شعراء الدَّولة العبَّاسية-:
إنَّ الكريمَ ليُخفي عنك عسرتَه***حتى تراه غنيًّا وهو مجهودُ
وللبخيلِ على أموالِه عللٌ***زرقُ العيونِ عليها أوجهٌ سودُ
إذا تكرَّمتَ عن بذلِ القليلِ ولم***تقدرْ على سعةٍ لم يظهرِ الجُودُ
بُثَّ النَّوَال ولا تمنعْك قلَّتُه***فكلُّ ما سدَّ فقرًا فهو محمودُ
وقال المنتصر بن بلال الأنصاري:
الجُودُ مكرمةٌ والبخلُ مبغضةٌ***لا يستوي البخلُ عندَ اللهِ والجُودُ
والفقرُ فيه شخوصٌ والغِنى دعةٌ***والنَّاسُ في المالِ مرزوقٌ ومحدودُ
وقال أحمد بن محمَّد بن عبد الله اليماني:
سأبذلُ مالي كلَّما جاء طالبٌ***وأجعلُه وقفًا على القرضِ والفرضِ
فإمَّا كريمًا صنتُ بالجُودِ عرضَه***وإما لئيمًا صنتُ عن لؤمِه عرضي
وقال حجبة بن المضَرَّب:
أناسٌ إذا ما الدَّهرُ أظلم وجهُه***فأيديهم بيضٌ وأوجهُهم زهرُ
يصونون أحسابًا ومجدًا مؤثَّلًا***ببذلِ أكفٍّ دونها المزْن والبحرُ
سَمَوا فِي المعالي رتبةً فوق رتبةٍ***أحلَّتهم حيث النَّعائم والنَّسرُ
أضاءتْ لهم أحسابهم فتضاءلتْل***نورِهم الشَّمس المنيرة والبدرُ
فلو لامس الصَّخرُ الأصمُّ أكفَّهم***أفاض ينابيعَ النَّدى ذلك الصَّخرُ
ولو كان في الأرضِ البسيطةِ منهمُ***لمخْتَبِط عاف لما عرف الفقرُ
شكرتُ لكم آلاءَكم وبلاءَكم***وما ضاع معروفٌ يكافئُه شكرُ
وقال آخر:
ويُظهرُ عيبَ المرءِ في النَّاسِ بخلُه***ويسترُه عنهم جميعًا سخاؤُه
تغطَّ بأثوابِ السَّخاءِ فإنَّني***أرى كلَّ عيبٍ والسَّخاءُ غطاؤه
وقال آخر:
حرٌّ إذا جئتَه يومًا لتسألَه***أعطاك ما ملكتْ كفَّاه واعتذرا
يُخفي صنائعَه واللهُ يظهرُها***إنَّ الجميلَ إذا أخفيته ظهرا
وقال الراضي العبَّاسي:
لا تعذلوا كرمي على الإسرافِ***ربحُ المحامدِ متجرُ الأشرافِ
إنِّي مِن القومِ الذين أكفُّهم***معتادةُ الإتلافِ والإخلافِ
وقال حاتم الطَّائي:
أماوِيَّ إنَّ المال غادٍ ورائحٌ***ويبقى مِن المال الأحاديثُ والذِّكرُ
أماوِيَّ إنِّي لا أقولُ لسائلٍ***إذا جاء يومًا: حلَّ في ما لنا نذرُ
أماويَّ إمَّا مانعٌ فمبينٌ***وإمَّا عطاءٌ لا يُنهْنِهُه الزَّجرُ
أماوِيَّ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى***إذا حشرجتْ يومًا وضاق بها الصَّدرُ
أماوِيَّ إن يصبحْ صداي بقفرةٍ***مِن الأرضِ لا ماءٌ لديَّ ولا خمرُ
ترى أنَّ ما أنفقتُ لم يكُ ضرَّني***وأنَّ يديَّ ممَّا بخلت به صفرُ
وقد علم الأقوامُ لو أنَّ حاتمًا***أراد ثراءَ المالِ كان له وفرُ
وقال آخر:
لا تبخلنَّ بدُنْيَا وهي مقبلةٌ***فليس ينقصها التَّبذير والسَّرفُ
فإن تولَّت فأحرى أن تجودَ بها***فالشُّكرُ منها إذا ما أدبرت خلفُ
وقال أحمد بن إبراهيم العبرتاني:
لا تكثري في الجُودِ لائمتي***وإذا بخلتُ فأكثري لومي
كُفِّي فلست بحاملٍ أبدًا***ما عشتُ همَّ غدٍ على يومي