|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
عقبة بن نافع هو عقبة بن نافع بن عبد القيس من القادة العرب والفاتحين لبلاد الله في صدر الإسلام، واشتهر تاريخيًّا باسم «مرنك إفريقية»، وهو الاسم العربي لشمال قارة إفريقيا. نشأة عقبة بن نافع وُلِدَ عقبة بن نافع –رضي الله عنه- في حياة الرسول –صلى الله عليه وسلم- بعام واحد قبل الهجرة، أُمُّه من قبيلة المعز من بني ربيعة؛ أي أنها من العدنانيين؛ ولذلك وُلِدَ عقبة ونشأ في بيئة إسلامية، وهو صحابي بالمولد؛ لأنه وُلِدَ على عهد النبي –صلى الله عليه وسلم، وهو يمُتُّ بصلة قرابة لعمرو بن العاص من ناحية الأُمِّ، وقيل: إنهما ابني خالة. وقد نشأ عقبة بن نافع تحت شمس الصحراء المحرقة، وفي جوها اللافح الذي يشبُّ فيها الرجال أقوياء. وأبوه نافع بن عبد القيس الفهري، أحد أشراف مكة وأبطالها المعدودين، وكان اسم عقبة يُطلق على عدد قليل من الفرسان الشجعان. نبوغ عقبة بن نافع برز اسم عقبة مبكِّرًا في ساحة أحداث حركة الفتح الإسلامي، التي بدأت تتَّسع بقوَّة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه؛ حيث اشترك هو وأبوه نافع في الجيش الذي توجَّه لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص، الذي توسَّم فيه خيرًا وشأنًا في حركة الفتح، فأرسله إلى بلاد النوبة لفتحها، فلاقى هناك مقاومة شرسة من النوبيين، ولكنَّه مهَّد السبيل أمام مَنْ جاء بعده لفتح البلاد، فأسند إليه مهمَّة قيادةِ دوريةٍ استطلاعيةٍ لدراسة إمكانية فتح الشمال الإفريقي، وتأمين الحدود الغربية والجنوبية لمصر ضد هجمات الروم وحلفائهم البربر، ثم شارك معه في المعارك التي دارت في إفريقية (تونس حاليًا)، فولَّاه عمرو –رضي الله عنه- برقة بعد فتحها، وعاد إلى مصر. تعاقب عدَّة ولاة على مصر بعد عمرو بن العاص؛ منهم: عبد الله بن أبي السرح، ومحمد بن أبي بكر، ومعاوية بن خديج.. وغيرهم، أقرَّ جميعُهم عقبةَ بن نافع في منصبه كقائد لحامية برقة. فتوحات عقبة بن نافع ظلَّ عقبة بن نافع –رضي الله عنه- في منصبه كقائد لحامية برقة خلال عهدي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب –رضي الله عنهما، ونأى عن أحداث الفتنة الكبرى التي وقعت بين المسلمين، وصبَّ اهتمامه على الجهاد في سبيل الله، ونَشْرِ الإسلام بين قبائل البربر، ورَدِّ غزوات الروم، فلمَّا استقرَّت الأمور عام (41 هـ= 661م) وأصبح معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين، وأصبح معاوية بن حديج واليًا على مصر، أرسل عقبة إلى الشمال الإفريقي في حملة جديدة لمواصلة الفتح الإسلامي، الذي توقَّفت حركته أثناء الفتنة. كانت هناك عدَّة بلاد قد خلعت طاعة المسلمين بعد اشتعال الفتنة بين المسلمين؛ منها ودَّان وإفريقية وجرمة وقصور خاوار، فحارب عقبة تلك القرى وأبادهم أشدَّ إبادة، بعد ذلك خلف معاويةٌ عقبةَ على إفريقية، وبعث إليه عشرة آلاف فارس، فأوغل بهم في بلاد المغرب، حيث تغلغل في الصحراء بقوَّات قليلة وخفيفة؛ لشنِّ حرب عصابات خاطفة في أرض الصحراء الواسعة ضدَّ القوات الرومية النظامية الكبيرة، التي لا تستطيع مجاراة المسلمين في الحرب الصحراوية، واستطاع عقبة وجنوده أن يُطَهِّروا منطقة الشمال الإفريقي من الحاميات الرومية المختلفة والقبائل البربرية المتينة. حتَّى أتى واديًا فأُعجب بموقعه، وبنى به مدينته المشهورة وسمَّاها القيروان؛ أي محطّ الجند؛ ذلك أنها تُعتبر قاعدة الجيش الإسلامي المتقدِّمة في المغرب الكبير. كما بنى بها جامعًا لا يزال حتى الآن يُعرف باسم جامع عقبة، وفي سنة (55هـ= 675م) عزله معاوية وولَّى بدلاً منه أبا المهاجر بن دينار، وهو رجل مشهور بالكفاءة وحُسن القيادة، فما كان ردُّ فعل القائد المظفَّر -الذي فتح معظم الشمال الإفريقي، وحقَّق بطولات فائقة- عندما جاءه خبر العزل إلَّا أن امتثل فورًا للأمر، وانتظم في سلك الجندية. استطاع أبو المهاجر -القائد الجديد- أن يُحَقِّق عدَّة مكاسب استراتيجية في الشمال الإفريقي على حساب التواجد الرومي بهذه المناطق، واستطاع -أيضًا- أن يستميل زعيم قبائل البربر كسيلة بن لمزم، وكان كسيلة شديد التأثير على قومه، قوي الشخصية، محبوبًا في قومه، مطاعًا منهم، وكان نصرانيًّا متمسِّكًا بدينه، وكان نجاح أبي المهاجر في إقناعه بالإسلام مكسبًا كبيرًا للإسلام والمسلمين، ولكنَّ القائد المحنك عقبة صاحبَ النظرة الثاقبة الخبيرة بطبائع البربر، لم يطمئن لإسلام كسيلة؛ خاصة وأنه قد أسلم بعد وقوعه في أسر المسلمين، وبعدما ذاق حرَّ سيوفهم، وقد صدق هذا الحدس فيما بعدُ كما سيأتي. عودة الأسد عقبة بن نافع بعد وفاة معاوية وفي خلافة ابنه يزيد بن معاوية أعاد عقبةَ مرَّة ثانية إلى الولاية سنة (62هـ= 682م)، فولَّاه المغرب، فقصد عقبةُ القيروانَ، فعاد الأسد الضاري عقبة بن نافع إلى قيادة الجهاد ببلاد المغرب، وانتقل أبو المهاجر إلى صفوف الجنود مجاهدًا مخلصًا. قرَّر عقبة بن نافع استئناف مسيرة الفتح الإسلامي من حيث انتهى أبو المهاجر، وكانت مدينة طنجة هي آخر محطات الفتح أيام أبي المهاجر، وهنا أشار أبو المهاجر على عقبة ألَّا يدخل مدينة طَنْجَة؛ لأن كسيلة زعيم البربر قد أسلم، ولكنَّ عقبة كان يشكُّ في نوايا وصحَّة إسلام كسيلة؛ فقرَّر الانطلاق لمواصلة الجهاد مرورًا بطنجة وما حولها؛ خاصة وأن للروم حاميات كثيرة في المغرب الأوسط. الإعصار المدمر انطلق عقبة وجنوده من مدينة القيروان لا يقف لهم أحد، ولا يدفعهم أي جيش؛ فالجميع يفرُّون من أمامهم، وكلَّما اجتمع العدوُّ في مكان، انقضَّ عقبة ورجاله عليهم كالصاعقة المحرقة؛ ففتح مدينة باغاية، ثم نزل على مدينة تلمسان، وهي من أكبر المدن في المغرب الأوسط، وبها جيش ضخم من الروم وكفار البربر، وهناك دارت معركة شديدة؛ استبسل فيها الروم والبربر في القتال، وكان يومًا عصيبًا على المسلمين، حتى أنزل الله –عز وجل- نصره على المؤمنين، واضطر الأعداء للتراجع إلى منطقة الزاب. سأل عقبة عن أعظم مدينة في الزاب فقيل له: أربة. وهي دار ملكهم، وكان حولها ثلاثمائة وستون قرية عامرة، ففتحها عقبة، والروم يفرُّون من أمامه كالفئران المذعورة، ورحل عقبة بعدها إلى مدينة تاهرت؛ فأرسلت الحامية الرومية استغاثة إلى قبائل البربر الوثنية، فانضمُّوا إليهم، فقام عقبة في جيشه خطيبًا بارعًا بعبارات فائقة تُلَخِّص رسالة المجاهد في سبيل الله؛ فقال: «أيها الناس إن أشرفكم وخياركم الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه، بايعوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بيعة الرضوان على قتال مَنْ كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرفكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من ربِّ العالمين بجنَّته بيعة رابحة، وأنتم اليوم في دار غربة، وإنما بايعتم ربَّ العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلَّا طلبًا لرضاه، وإعزازًا لدينه، فأبشروا فكُلَّما كثر العدوُّ كان أخزى لهم وأذلَّ إن شاء الله تعالى، وربُّكم لا يسلمكم فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله –عز وجل- قد جعل بأسه على القوم المجرمين». وبهذه الكلمات الموجزة استثار عقبة حميَّة رجاله، وأعطى درسًا بليغًا للأجيال من بعده عن حقيقة دعوة المجاهد. التقى المسلمون بأعدائهم وقاتلوهم قتالاً شديدًا، وكانت نتيجته معروفة بعدما وصلت معنويات المسلمين إلى قمم الجبال، وانتصر المسلمون كما هي عادتهم، وسار عقبة حتى نزل على طنجة فلقيه أحد قادة الروم واسمه جوليان فخضع لعقبة ودفع له الجزية، فسأله عقبة عن مسألة فتح الأندلس، فقال له جوليان: أتترك كفار البربر خلفك وترمى بنفسك في بحبوحة الهلاك مع الفرنج؟ فقال عقبة: «وأين كفار البربر؟» فقال: «في بلاد السوس, وهم أهل نجدة وبأس». فقال عقبة: «وما دينهم؟». قال: «ليس لهم دين فهم على المجوسية». فتوجَّه إليهم عقبة كالإعصار الكاسح الذي يُدَمِّر كل شيء بإذن الله، واخترق هذه البلاد كلها هازمًا لكل قبائل البربر، حتى وصل بخيله إلى المحيط الأطلنطي فاخترق عقبة بفرسه ماء المحيط، ثم قال بقلب المؤمن الصادق الغيور، الذي بذل واستفرغ كل جهده وحياته لخدمة الإسلام: «يا رب لولا هذا البحر لمضيتُ في البلاد مجاهدًا في سبيلك، اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل مَنْ كفر بك حتى لا يُعبد أحد دونك (1). وبهذه النفوس الصادقة والقلوب المؤمنة والعزائم الفائقة انتشر الإسلام في ربوع الأرض. استشهاد عقبة بن نافع حقَّق عقبة غايته من حركة الفتح الإسلامي بالشمال الإفريقي؛ فلقد أخضع قبائل البربر، وأوقع بها بأسًا شديدًا، حتى وصل إلى أقصى بلاد المغرب، واقتحم المحيط بفرسه، وبعدها قرَّر عقبة العودة إلى القيروان، فلمَّا وصل إلى طنجة أَذِنَ لمَنْ معه من الصحابة أن يتفرَّقُوا ويقدموا القيروان أفواجًا؛ ثقة منه بما نال من عدوِّه، ومال عقبة مع ثلاثمائة من أصحابه إلى مدينة «تهوذة»، فلما رآه الروم في قلَّة من أصحابه طمعوا فيه، وأغلقوا باب الصحن وشتموه وهو يدعوهم إلى الإسلام، وعندها أظهر كسيلة مكنون صدره، الذي كان منطويًا على الكفر والغدر والحسد، واستغلَّ قلَّة جند عقبة واتفق مع الروم على الغدر بعقبة، وأرسل إلى إخوانه البربر الوثنيين وجمع جموعًا كثيرة للهجوم على عقبة ومَنْ معه، وقد أُطلق على تلك الموقعة اسم معركة ممس. كان أبو المهاجر في ركب عقبة، ولكنَّ عقبة قد غضب منه فقيَّده، فلما رأى أبو المهاجر هجوم كسيلة ومَنْ معه، أنشد أبيات أبي محجن الثقفي المشهورة: كَفَى حَزَنًا أَنْ ترتدي الخَيْلُ بِالْقَنَا وَأُتْرَكُ مَشْــــــدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا إِذَا قُمْـتُ عَنَّانِي الحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ مَصَارِعُ مِنْ دُونِي تُصِمُّ المُنَادِيَا ففكَّ عقبة وثاقه، وقال له: «الحق بالقيروان، وقُمْ بأمر المسلمين، وأنا أغتنم الشهادة». فقال أبو المهاجر: «وأنا -أيضًا- أُريد الشهادة». وكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم، واقتتلوا مع البربر حتى استُشهد عقبة وكلُّ مَنْ معه في أرض الزاب بتهوذة، وذلك سنة (63 هـ= 683م). كان عقبة بن نافع –رضي الله عنه- مثالاً في العبادة والأخلاق والورع والشجاعة والحزم، والعقلية العسكرية الاستراتيجية الفذَّة، والقدرة الفائقة على القيادة بورع وإيمان وتقوى وتوكُّل تامٍّ على الله –عز وجل- فأحبَّه رجالُه وأحبَّه أمراء المؤمنين، وكان مستجاب الدعوة، مظفَّر الراية، فلم يُهزم في معركة قط، طبَّق في حروبه أحدث الأساليب العسكرية والجديدة في تكتيكات القتال؛ مثل مبدأ المباغتة، وتحشيد القوَّات، وإقامة الحاميات، وتأمين خطوط المواصلات، واستخدام سلاح الاستطلاع. ونستطيع أن نقول بمنتهى الحيادية: إن البطل عقبة بن نافع قد حقَّق أعمالاً عسكرية باهرة، بلغت حدَّ الروعة والكمال، وأنجز في وقت قليل ما لا يُصَدِّقه عقلٌ عند دراسته من الناحية العسكرية البحتة، وترك باستشهاده أثرًا كبيرًا في نفوس البربر، وأصبح من يومها يُلَقَّب بـ «سيدي عقبة». |
|
#2
|
|||
|
|||
|
رضى الله عن عقبة بن نافع
وشكر لك مجهودك الكبير
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
|
|
#3
|
|||
|
|||
|
الشكر لله و لحضرتك لمرورك الكريم
جزاك الله خيرا وبارك الله فيك |
|
#4
|
|||
|
|||
|
سعد بن أبي وقاص ![]() سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من أوائل من دخلوا في الإسلام، وكان عمره عندئذ سبعة عشر عاما، ولم يسبقه في الإسلام إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. نشأة سعد بن أبي وقاص وُلِدَ سعد بن أبي وقاص في مكة سنة 23 قبل الهجرة، نشأ سعدٌ في قريش من سادة العرب وأعزِّهم، واشتغل في بري السهام وصناعة القسيِّ، وهذا عمل يُؤَهِّل صاحبه للائتلاف مع الرمي، وحياة الصيد والغزو، وكان يمضي وقته وهو يُخالط شباب قريش وسادتهم، ويتعرَّف على الدنيا من خلال معرفته على الحجيج الوافد إلى مكة المكرمة في أيام الحجِّ ومواسمها المتباينة الأهداف والمتنوعة الغايات. نسب سعد بن أبي وقاص الشريف أبوه ابن سيد بني زهرة: مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ومالك هذا هو ابن عم آمنة بنت وهب أم رسول الله –صلى الله عليه وسلم، وخال حمزة وصفية ابني عبد المطلب. أُمُّه: حمنة بنت سفيان بن أمية الأكبر بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. فهو من بني زهرة أهل آمنة بنت وهب أُمِّ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان الرسول يعتزُّ بهذه الخُئُولة، فقد ورد أنه كان جالسًا مع نفر من أصحابه فرأى سعد بن أبي وقاص مقبلاً، فقال لمن معه: «هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ» . إسلام سعد بن أبي وقاص دخل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الإسلام وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان إسلامه مبكِّرًا، ويتحدث عن نفسه فيقول: «.. وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلاَمِ . يعني أنه كان ثالث أوَّل ثلاثة سارعوا إلى الإسلام، وقد أعلن إسلامَه مع الذين أعلنوه بإقناع أبي بكر الصديق إيَّاهم؛ وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله. محاولات ردّه عن الإسلام أخفقت جميع محاولات ردِّه وصدِّه عن الإسلام؛ فلجأت أُمُّه إلى وسيلة لم يكن أحدٌ يشُكُّ في أنها ستَهزم رُوح سعدٍ وتردُّ عزمه إلى وثنية أهله وذويه، لقد أعلنت أُمُّه صومها عن الطعام والشراب؛ حتى يعود سعدٌ إلى دين آبائه وقومه, ومضت في تصميم مستميت تواصل إضرابها عن الطعام والشراب حتى قاربت على الهلاك. وحين كانت تُشرف على المو، أخذه بعض أهله إليها ليُلقي عليها نظرة وداعٍ؛ آملين أن يرقَّ قلبه حين يراها في سكرة الموت. وذهب سعد ورأى مشهد أُمِّه وهي تتعذَّب، ولكن إيمانه بالله ورسوله كان قد تفوَّق على كل شيء، وقال لها: «تعلمين والله يا أُمَّة لو كانت لكِ مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركتُ ديني هذا لشيء، فكُلِي إن شئت أو لا تأكلي». وعدلت أُمُّه عن صومها، ونزل الوحي يُحَيِّي موقف سعد، ويُؤَيِّده فيقول: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15]. مكانة سعد بن أبي وقاص عند رسول الله عن سعيد بن المسيب، عن سَعدٍ رضي الله عنه، قال: قُلْتُ: يا رسول الله! مَنْ أنا؟ قال: «سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أَرِقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ». قالت: فسمعنا صَوْت السِّلاح، فقال رسول الله: «مَنْ هَذَا؟». قال سعد بن أبي وقاص: أنا يا رسول الله! جئتُ أحرسك. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعتُ غَطِيطَهُ . وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: اشتكيتُ بمكة، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فمسح وجهي وصدري وبطني، وقال: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا». فما زِلْتُ يُخَيَّلُ إليَّ أَنِّي أَجدُ برد يده صلى الله عليه وسلم على كبدي حتى الساعة . الدعوة المجابة كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إذا رمى عدوًّا أصابه، وإذا دعا اللهَ دعاءً أجابه، وكان الصحابة يردُّون ذلك إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له: «اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمَيْتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» . ويُرْوَى أنه رأى رجلاً يسبُّ طلحة وعليًّا والزبير فنهاه فلم ينتهِ، فقال له: «إذن أدعو عليك». فقال الرجل: «أراك تهدِّدني كأنك نبي!». فانصرف سعدٌ وتوضَّأ وصلَّى ركعتين، ثم رفع يديه قائلاً: «اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الرجل قد سبَّ أقوامًا سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك سبُّه إيَّاهم، فاجعله آية وعبرة». فلم يمضِ غير وقت قصير حتى خرجت من إحدى الدُّور ناقة نادَّة (شاردة) لا يردُّها شيء، حتى دخلت في زحام الناس، ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها، وما زالت تتخبَّطه حتى مات. جهاد سعد بن أبي وقاص يُعتبر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول مَنْ رمى بسهم في سبيل الله، وأنه الوحيد الذي افتداه الرسول صلى الله عليه وسلم بأبويه؛ فقال له يومَ أحد: «ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي». ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدًا بأبويه إلا سعدًا، فإني سمعته يوم أحد يقول: «ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . وقد كان سعد يُعَدُّ من أشجع فرسان العرب والمسلمين، وكان له سلاحان: رمحه ودعاؤه، وكان مجاهدًا في غزوة بدر، وشارك في غزوة أحد، وتفرَّق الناس أول الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف سعد يُجاهد ويقاتل، فلمَّا رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يرمي جعل يُحَرِّضه ويقول له: «يا سَعْدُ؛ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي». وظلَّ سعدٌ يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته. فتوحات سعد بن أبي وقاص قاد سعد بن أبي وقاص المسلمين في معركة القادسية حيث خرج في ثلاثين ألف مقاتل، وكان عدد الفرس أكثر من مائة ألف من المقاتلين المدرَّبين المدجَّجين بأنواعٍ متطوِّرة من عتاد وسلاح، وكان يتولَّى قيادة الفرس رستم، وقبل المعركة كانت هناك رسائل بين سعدٍ وأمير المؤمنين الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ منها: «يا سعد بن وهيب.. لا يغرَّنَّك من الله أن قيل: خال رسول الله وصاحبه. فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلَّا بطاعته.. والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء.. الله ربهم, وهم عباده.. يتفاضلون بالعافية, ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بُعِثَ إلى أن فارَقَنَا عليه فالزمه؛ فإنه الأمر». ثم يقول له: «اكتب إليَّ بجميع أحوالكم, وكيف تنزلون، وأين يكون عدوُّكم منكم.. واجعلني بكتبك إليَّ كأني أنظر إليكم!». ويكتب سعد إلى أمير المؤمنين فيصف له كل شيء؛ حتى إنه ليكاد يُحَدِّد له موقف كل جندي ومكانه، وقد أوصى عمر سعدًا بدعوتهم إلى الإسلام، ويُنَفِّذ سعد وصية عمر، فيُرسل إلى رستم قائد الفرس نفرًا من أصحابه يدعونه إلى الله وإلى الإسلام. وكان المرض قد اشتدَّ على سعد، وملأت الدمامل جسده؛ حتى ما كان يستطيع أن يجلس، مفضلاً أن يعلو صهوة جواده ويخوض عليه معركة، عندئذٍ وقف في جيشه خطيبًا، مستهلاً خطابه بالآية الكريمة: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون} [الأنبياء: 105]، وبعد فراغه من خطبته، صلَّى بالجيش صلاة الظهر، ثم استقبل جنوده مكبِّرًا أربعًا: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. واستطاع جيش سعد هزيمة الفرس وقائدها رستم، ووصل الجيش إلى المدائن. وكانت موقعة المدائن بعد موقعة القادسية بقرابة عامين؛ حيث جرت خلالهما مناوشات مستمرَّة بين الفرس والمسلمين, وقد استطاع سعد هزيمة الفرس؛ وذلك بقيادة الجيش وعبور نهر دجلة، وقد جهَّز كتيبتين؛ الأولى: واسمها كتيبة الأهوال، وأمَّر سعدٌ عليها عاصم بن عمرو التميمي، والثانية: اسمها الكتيبة الخرساء، وأمَّر عليها القعقاع بن عمرو التميمي، وقد نجحا في العبور وهزيمة الفرس. إمارة العراق ولَّاه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمارة العراق، فراح سعد رضي الله عنه يبني ويُعمِّر في الكوفة، وذات يوم اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين؛ فقالوا: «إن سعدًا لا يُحسن الصلاة». واستدعاه عمر رضي الله عنه إلى المدينة فلَّبى مسرعًا، ويضحك سعدًا حين علم بشكوى أهل الكوفة قائلاً: «والله إني لأُصَلِّي بهم صلاة رسول الله، أُطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين». وحين أراد عمر بن الخطاب أن يُعيده إلى الكوفة ضحك سعدٌ قائلاً: «أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أَنِّي لا أُحسن الصلاة؟!» وفضَّل البقاء في المدينة. وعندما حضرت عمرَ رضي الله عنه الوفاةُ بعد أن طعنه المجوسي جعل الأمر من بعده إلى الستة الذين مات النبي وهو عنهم راضٍ؛ وأحدهم سعد بن أبي وقاص، وقال عمر: إن وليها سعد فذاك، وإن وليها غيره فليستعن بسعد. اعتزاله الفتنة اعتزل سعد رضي الله عنه الفتنة الكبرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وأمر أهله وأولاده ألَّا ينقلوا إليه شيئًا من أخبارها، وقد ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يقول له: «يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يروك أحقَّ الناس بهذا الأمر». فيُجيبه سعدٌ رضي الله عنه: «أُريد من مائة ألف سيف سيفًا واحدًا؛ إذا ضربتُ به المؤمن لم يصنع شيئًا، وإذا ضربتُ به الكافر قطع». فيتركه هاشم وعزلته، وحين انتهى الأمر لمعاوية بعد الاتفاق الشائك الذي تمَّ بعد معركة صفين، واستقرَّت بيده مقاليد الحكم سأل سعدًا: «ما لكَ لَمْ تُقاتِل معنا؟» فأجابه: «إني مررت بريح مظلمة، فقلتُ: أخ.. أخ.. واتَّخذت من راحلتي حتى انجلت عني». فقال معاوية: «ليس في كتاب الله أخ.. أخ.. ولكن قال الله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} [الحجرات:9]. وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية». فأجابه سعد رضي الله عنه قائلاً: ما كنتُ لأقاتل رجلاً قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . وفاة سعد بن أبي وقاص كان عمر سعد بن أبي وقاص طويلًا، وأفاء الله عليه من المال الكثير؛ لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية، وقال: «كفنوني بها؛ فإني لقيت بها المشركين يوم بدر، وإني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضًا». وكان رأسه بحِجْر ابنه الباكي، فقال له: «ما يُبكيك يا بني؟! إن الله لا يُعَذِّبني أبدًا، وإني من أهل الجنة». لقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرًا، كانت وفاته سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية، وكان آخر المهاجرين وفاة، ودُفِن في البقيع. |
![]() |
| العلامات المرجعية |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|