|
||||||
| الأدب العربي قسم يختص بنشر ما يكتبه كبار الشعراء والأدباء قديمًا وحديثًا |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
رواية رائعة جدا
على الرغم من انى قراتها قبل كده من حوالى شهر الا انى بقراها تانى معاكى شكرا جزيلا |
|
#2
|
||||
|
||||
|
اقتباس:
شكرًا يا آية .. وده شيء يسعدني طبعًا
جزاكِ الله خيرًا على المتابعة
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
(14)
احذرى ...... صرخ الذئب وهو يدفع كاترين بقسوه فسقطت على الأرض بعـنـف وهى تصرخ من الألم نهضت ببطء متأوهه وهى تنظر اليه بغضب وتصرخ قائله : لماذا فعلت ذلك؟ أشار الى الأرض وهو يقول : قذائف فقاس نظرت حيث يشير وقالت بدهشه : ماذا؟ ....لم أفهم قال بهدوء : فقاس ألغام بشرية مضادة للأفراد وهى كثيرة الشظايا وصغيرة بحيث لا تلاحظ بسهوله ...يلغمون بها طريق القرى لتنفجر فى طريق المهاجرين الذين سيمرون من على هذا الطريق تأملت القذيفة بدهشة وخوف وابتلعت ريقها ثم نظرت اليه قائله بامتنان : كدت أموت ...لقد أنقذت حياتى قال بلامبالاة: هذا فى أسوأ الظروف ..ولكن فى الغالب كنت ستفقدين ساقا أو يدا ..انهم يتقنون صنعها بحيث لا تقــتل مباشرة فهم يريدون جعل موتنا بطيئا نظرت اليه بذهول .لكنه تركها تكمل عملها وأخذ يدور فى أرجاء القرية انشغلت كاترين بالتقاط الصور وأخذها الحماس الشديد وحبها لعملها, لكنها استفاقت فجأة لتجد نفسها وحيدة فى المكان, أخذت تتلفت حولها باحثة عن الذئب, لكنها لم تجده بدأ الخوف يزحف بقوة الى قلبها, لكنها تماسكت وأخذت تبحث عنه فى المناطق القريبة وهى تنادى : أيها القائد, أين أنت؟ هل انتهيت؟ أجفلت بشدة وهى تلتفت الى مصدر الصوت, رأته وهو يخرج من بيت قريب ويقترب منها أخذت تلهث وعلامات الخوف تتبدل فى ملامحها الى الغضب وهى تهتف : الى أين ذهبت؟ قال بطريقته المباشرة المختصرة, والتى بدأت فى التأقلم معها : كنت أبحث عن سيارة تأملته مليا بدهشة, كان قد بدل ملابسه العسكرية بأخرى مدنية, لكن ما أثار دهشتها حقا هو ذلك الكم من الوسامة التى يحملها وجهه بعد أن نزع لثامه الأسود هتفت بانبهار : وااااااو ..أ كل الشيشانيين بتلك الوسامة؟ تجاهل نظراتها تماما ولم يرد على عبارتها, وتركها وأخذ يبحث فى أرجاء المكان عن سيارة تبعته بصمت وقد بدأ الهدوء يعود اليها, وغمرتها الطمأنينة عوضا عن الحنق الشديد من طريقته الجافة فى التعامل معها استطاع أخيرا العثور على سيارة سليمة فى احدى الجراجات لمنزل تهدم أغلبه سألته كاترين بدهشه: سياره سليمه وسط كل هذا الدمار ؟ !! علق قائلا بسخرية : يبدوا أنهم كانوا متعجلين فلم ينجزوا عملهم بدقه نجح الذئب فى جعل السيارة تدور بمهارة بدون المفاتيح (التى أضناهما البحث عنها) عن طريق سلكى التشغيل فى مقدمة السيارة قالت كاترين وهى تبتسم : أنت ماهر فى ذلك قال بسخريه : فعلتها مرات عديده فيما مضى انطلق بالسيارة مغادرا القرية التى أصبحت خرابا وفى الطريق أفصحت له عن السؤال الذى يدور فى رأسها : لم بدلت ملابسك العسكرية؟ رد مباشرة : علينا أن نكون أكثر حرصا فى تحركاتنا, فلا يمكن أن نتوقع ما الذى يمكن ان نقابله فى طريقنا قالت بخبث وابتسامة ماكرة تنبت على شفتيها : أتخشى الروس؟ قال بجدية : أخشى ألا يصل حملى الثقيل الى منطقة آمنة أشاحت بوجهها بعيدا بغضب وهى تشعر باستياء شديد لتلك الصفة التى أطلقها عليها زفرت بضيق شديد, وقالت بسخرية:أعلم الآن لم يسميكم الروس [ الشعب الذي لا يرهب الموت ]. مرت فترة طويلة من الصمت والسيارة تقطع الأرض فى طريقها, حتى قالت كاترين أخيرا : أتعلم لم كنت أبحث عنكم؟ عاد لصمته من جديد فقالت بخيبة أمل : لا تريد أن تعرف , ولكنى سأخبرك على الرغم من ذلك .... كنت أريد أن أعرف لماذا تقومون بتفجيرات وعمليات ارهابيه داخل المدن الروسيه؟ أدارت وجهها للطريق من جديد وتنهدت بضيق وهى تعلم أنها لن تتلقى اجابه , وقالت بيأس: عدت لصمتك من جديد... فوجئت بصوته يصل الى أذنها وهو يقول : وهل تصدقينى ان تكلمت؟ التفتت اليه بدهشه وقررت الا تضيع الفرصه وتجعله يتكلم فقالت له : لو لم أكن مستعده لأن أصدقك ما كنت سألتك قال : التفجيرات التى حدثت فى المدن الروسيه وخاصة للمدنيين ليس لنا يد فيها...فنحن لا نضرب الا قواعد عسكريه صمتت كاترين ولم ترد فقال : كنت أعلم أنك لن تصدقينى قالت بصدق : على العكس, أنا أصدقك أكثر مما تتوقع.. لقد حصلت على معلومات مؤكده تنفى أن لكم يدا فى تلك التفجيرات ومن مصدر لا يخضع لأى شك ... من ضابط روسى فى فرقة (قرؤوا) عقد حاجبيه بشدة ونظر اليها مندهشا لكنها أكملت بجديه : لقد أخبرنى بلسانه أن هذه التفجيرات تم تنفيذها من قبل مجموعة خاصة من ( f.s.p) (المخابرات الروسية) ومجموعة من فرقة قرؤوا بإيعاذ من رئيس الوزراء لتغيير الرأى العام الروسى ليكون ضد شعب الشيشان ..وحتى يكون لديهم المبرر الكافى لخوض تلك الحرب واحتلال الشيشان وكذلك ليرتفع اسم رئيس الوزراء عاليا فى صفوف شعبه هل هذا هو ماكنت ستخبرنى به؟ نظر اليها بدهشة ثم سألها فجأه : كيف استطعت أن تنتزعى منه كل تلك المعلومات التى تعتبر أسرارا عسكريه شديدة السرية قالت بغرور وهى سعيدة أنها استطاعت جذبه للحديث : كل صحفى وله طرقه الخاصة تغير وجهه ومط شفتيه ثم أدار وجهه للطريق وعاد لصمته لم تعجبها النظرة التى رماها بها فقالت بانفعال وكأنما تحاول الدفاع عن نفسها : لقد اعترف بكل ذلك وهو تحت تأثير الخمر .. وبعد أن أخذت منه كل المعلومات التى اريدها تركته مسجى على الأرض بعد تناوله جرعة كبيرة من الدواء المنوم الذى أحمله دائما فى حقيبتى , وغادرت المعسكر سألته مرة أخرى : أخبرنى ..كيف تحصلون على الأسلحه رغم أنكم ..تعتبرون دولة فقيرة؟ رد مباشرة : أغلبها أسلحه روسيه نغنمها من معاركنا التى ننتصر فيها سألته بدهشه : وهل تنتصرون؟ أردفت بسرعه : عفوا لكن مصادر الأخبار تقول .. قاطعها قائلا : من مصلحة الروس أن يهونوا من شأن انتصاراتنا ويخفوا خسائرهم حتى لا يثور الشعب ضدهم أردف بلهجة تمتلئ بالسخرية : يظن الرئيس الروسى أنه اللاعب الوحيد الذي بإمكانه أن يصرع المجاهدين الشيشان , وأن يكسر أنف الشعب الشيشانى, فبكل قسوة وعـنـفوان لاعب الجودو عمل على قمع الشعب الشيشاني, ونفذ بحقه حملته البشعة لـ"التطهير العرقي" حتى قـتـل من الشعب الصغير الذي يجاوز المليون بقليل أكثر من مائة وخمسين ألفا وشرد وهجر ما بين 200 و500 ألف مسلم شيشاني بحسب المصادر القوقازية الرسمية وغير الرسمية (أي نحو نصف عدد سكان الجمهورية على حد قول بعض المصادر الإنسانية) أكثر من نصف الشعب لا يجدون مأوى لهم , ويعانون من قلة الطعام وأحوال الطقس الشديدة وندرة الرعاية الصحية. ومع كل هذا الدمار, ظن أن الأمور تسير دوما لصالحه لكن الرياح لم تأت بما يشتهيه البحار الروسي , فالذى حدث خلال الأشهر القليلة الماضية أن كثرة رماح الروس لم تستطع أن تحن جباهنا, لاشك أن بعض أخبارالعمليات الفدائية الضخمة التى قمنا بها خلال الأشهر القليلة الماضية قد وصلتكم, على الرغم من أن الحكومة الروسية تعمد دائما الى اخفاء أرقام خسائرها الحقيقية قالت باسمة : لاأعتقد أن الروس بامكانهم اخفاء كل تلك الأعداد من القـتـلى من جنودهم, خاصة عندما يصل الأمر الى أرقام ذات صفرين وثلاثة حسب إحصاءات جمعية أمهات الجنود الروس والمصادر الرسمية الروسية قال ساخرا : ولكنهم لايزالون يعتبرون أن هذا ثمن بخس لتطويع الجمهورية المسلمة الأبية الغنية بالنفط عقدت حاجبيها قائلة : قد يطول الأمر لسنوات حتى تستطيعوا اقناعهم بعكس ذلك قال بثقة : نحن أيضا لسنا متعجلين, إن طريق الإستقلال لايزال طويلا وهذا ما كان يدركه تماما الرئيس الشيشاني الراحل جوهر دوداييف عندما قال : "إن المعركة الحالية مع روسيا ستستمر50 سنة على الأقل لتحقيق الاستقلال الكامل" ورغم كل مكابرتها فلقد بدأت روسيا طريق الاندحار في الشيشان وهي في النهاية ستذعن, فسخونة معارك الصيف القادم ستذيب جليد الثلج الروسي كان صوته العميق يحمل الكثير وهو يقول بثقة لا حدود لها : على العالم ان يدرك -وروسيا من قبلهم- أن القضية الشيشانية لا يمكن للروس "حلها" عسكريا مهما فعلوا ............................................ يتبع.........................
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
تابع (14)
تنفس عمر الصعداء عندما عبر الجنود من أمام باب البيت ولم يتوقفوا ..بل استمروا فى سيرهم وعندما ابتعدت أصواتهم خارت قواه وانزلق جسده الى الأرض وظهره للجدار .. أسند رأسه الى الجدار وأغلق عينيه وهو يلهث بقوه وجلست زهره الى جواره وهى لاتزال ممسكة بيده وبيدها الأخرى مسحت حبات العرق التى تناثرت فوق جبينه وهى تقول بحنان : عمر ..هل أنت بخير الآن؟ أخذ نفس عميق .وهز رأسه موافقا و قال بعد تردد : نعم ..ولكن عليك أن تغادرى جروزنى الليلة هتفت باعتراض : ولكن... قاطعها بانفعال : ألا تدركين الخطر المحدق بك؟ انهم يبحثون عنى كالكلاب المسعورة..وأنا...أنا... صمت قليلا وأدار وجهه بعيدا عنها حتى لا ترى الضعف فى عينيه قالت بصوت بالغ الحنان : عمر..ما بك؟ قال بعد تردد : ..أخشى ..أخشى..أن يحترق قلبى وأفقد زهرة فؤادى .. قد أتحمل كل عذابات الحياه لكنى لن أستطيع أن أتحمل أبدا أن تذبل زهرة روحى .. نظر فى عينيها من جديد محاولا أن يستمد منهما القوه فقالت بعد تفكير : عمر.. ان احترقت زهرة , فجبال بلادنا تنبت أجمل واندر الزهور قال بحنين : ولكن قلبى لا يسع سوى زهرة واحده ابتسمت بحب : وستظل تحيا فى قلبك ترتوى من حبك لهذه الأرض أكملت فى شجاعه : لا تقلق علىّ ..سيصبح كل شئ بخير ان شاء الله قال برجاء : زهره, يجب أن تغادرى جروزنى من أجلى, لن أتحمل أن أكون هناك وقلبى يتمزق من القلق عليكى فى كل دقيقة عدينى أنك سترحلى مع قوافل المهاجرين أنت وأمك وأخوتك. ولا تنسى أنك على وشك وضع طفلنا الأول تنهدت باستسلام ثم قالت وهى تبتسم بحب : ماذا أقول ...لا أستطيع أن أخالف أمر زوجى, سأغادر غدا مع قوافل المهاجرين ابتسم ابتسامة كبيرة وهو ينظر الى بطنها المتكور الذى يحمل طفلهما الأول ووضع كفه عليها وقال : وانت أيها الولد الشقى ..كن رجل البيت , ولترعى أمك فى غيابى..هل تفهم؟ كن ولدا مطيعا خفتت ابتسامته وتنهد بقوه وهو يقول : لن يطول الأمر , سأعمل على أن نعود الى بيتنا سريعا اشتعلت عينيه ببريق غاضب شديد الشراسه : لن ندعهم يهنئون فيها...سنخرجهم منها صاغرين ............................................... انتفض الذئب مستفيقا من ذكرياته عندما لمع ضوء سريع قوى على وجهه ونظر الى كاترين فوجدها تبتسم والكاميرا على عينها فقال بغضب : صورتى ليست للنشر أنزلت الكاميرا ببطء وهى تبتسم وتقول : أعلم..اطمئن فهذه الصورة ليست للنشر, فقط أحببت أن أحتفظ بصورة لذئب أنقذ حياتى نظر الى الطريق بصمت, وشاركته صمته, حتى بدأ يهدئ من سرعة السيارة تدريجيا التفتت اليه فوجدته قد عقد حاجبيه بقلق وهو ينظر بعيدا قالت حينما انتقل اليها قلقه : ماذا حدث؟ قال مباشرة : هذا ما كان ينقصنا, حاجز تفتيش لم يجد الذئب مناصا من التقدم, فتقدم بالسيارة نحو حاجز التفتيش المقام على الطريق أخذت كاترين تتأمل المشهد والقلق يزداد بداخلها طابور طويل من السيارات يتوقف أمام حاجز التفتيش الذى يقف عنده مجموعة من قوات الأمن الروسية وتقوم بتفتيش السيارات وتفحص أوراق وهويات العابرين على الطريق انضم الذئب قسرا الى طابور السيارات, ولم يلبث أن اقترب منه أحد الجنود وطلب منه مغادرة السيارة هو ورفيقته, كما فعل مع جميع السيارات غادرا السيارة باستسلام والقلق ينهشهما واقتربت كاترين منه وسارت بجواره وكأنما تحتمى به, وشعر هو بخوفها فقال بهمس وهو يسير بخطوات متمهلة : اطمئنى, سأتحدث اليهم, أعلم تماما مايريدونه فكرت كاترين قليلا ثم قالت عندما اعطتها شجاعته الكثير من الطمأنينة : دعنى أحاول معهم, لا تنسى اننى صحفية ولى طرقى الخاصة قال بسخرية ضايقتها : منوم أيضا؟ رفعت احدى حاجبيها بضيق وقالت : لدى اشياء أخرى أكثر فاعلية, قالت وهى تتقدم : انتظر هنا فقد يرتابون بأمرك, سأذهب أنا اليهم اجاب بصرامة وهو يضغط حروف كلماته مؤكدا : خلفك تماما التفتت اليه بدهشة وقالت وهى تبتسم : حقا. مسلم ! لم تنتظر كاترين تعليقا منه على عبارتها, ولم يهتم هو بالتعليق بل تجاهل الأمر تماما, فقد كان ذهنه مشغول بالجنود وهم ينظرون اليهما وهما يتقدمان نحوهم استجمعت كاترين شجاعتها وابتسمت وهى تتحدث الى جنود قوات الأمن الروسية لكنها فجأة شعرت بالخوف, كانت ردود أفعالهم غير متوقعة ابدا بالنسبة لها فقد ظهر فى وجوههم القلق والإرتياب, وبات واضحا لها عدم راحتهم لتواجد اثنين من الصحفيين فى ذلك المكان وعبثا حاولت كاترين اقناعهم بالسماح لهما بالعبور للحاق ببقية الصحفيين وارتعد قلبها رعبا عندما أمرها أحد الجنود ان تتنحى جانبا لحين التأكد من هويتهما وصدق روايتهما واستسلمت كاترين وتبعت الذئب الذى انتحى جانبا وسار يفكر فى موقفهما الدقيق وهى بجواره حتى انضما الى مجموعة العابرين الذين غادروا سياراتهم بأمر من الأمن جلس الذئب يراقب الموقف بهدوء وجلست كاترين بجواره والخوف يكاد ان ينتزع قلبها من مكانه برغم محاولاتها المستميته لترسم على وجهها تعبيرا طبيعيا قالت بصوت هامس : ماذا سنفعل الآن ؟ قال بثقة شديدة : اطمئنى, حفنة من المال ستسوى الأمر على نحو جيد أذهلها هدوءه الشديد فى ذلك الموقف الصعب وأخذت تنظر اليه نظرات تمتلئ بالإعجاب, ولكنه لم يلاحظ نظراتها فقد كانت عيناه مشغولتان بمراقبة المكان وعقله يحسب حسابات الموقف الراهن بسرعة تنهدت باحباط عندما ادركت انه لا يعيرها ادنى اهتمام برغم حرصه الشديد على حياتها أدارت وجهها تتأمل فيمن حولها كان المكان يمتلئ باعداد كبيرة من الشيشانيين ينتظرون الجنود ان يفرجوا عنهم وعن اوراقهم, وبسرعه أخرجت الكاميرا من حقيبتها وبدأت تلتقط الصور لكنها توقفت فجأة عندما هتف أحد الجنود وهو يقترب منها بسرعة : ممنوع التصوير, ممنوع التصوير أراد أخذ الكاميرا منها, لكن الذئب تدخل ووعده بعدم التصوير, ولم يتركها الا عندما أقنعه بأن أخذ الكاميرا قد يفسر على انه اعتداء على حرية الصحافة وقد يسئ لسمعة روسيا بأكملها دست كاترين الكاميرا فى حقيبتها وهى تكاد تنفجر غيظا, وشغلت نفسها بتأمل ما حولها والتحدث الى الناس وتكوين صورة متكاملة عن الوضع فى تلك البلاد وأحوالها جذب عينيها طفل صغير فى حوالى السادسة يجلس بالقرب منها وبجواره رجل كهل يبدو عليه الضجر الشديد, اقتربت كاترين من الصغير وبدأت تداعبه بحنان وتمسح على شعره, ثم أخذت تحادث الرجل الكهل حديث طويل, كانت فرصة لا يمكن ان تضيعها كصحفية للإقتراب من هؤلاء البشر ومعايشة واقعهم على الطبيعة ومعرفة المزيد عن مأساتهم عن قرب نظر الذئب قليلا اليها وهى منهمكة فى الحديث مع الرجل, وتداعب الطفل بحنو, ثم ادار وجهه واخذ يتفحص وجوه البشر من حوله والتى يحكى كل منها دون كلام قصة مأساه يحياها كل يوم من قلة الغذاء وتدنى الخدمات الى انعدام الأمن فجأة علا فى المكان صوت سيدة تتحدث بحدة وغضب, التفت الي الصوت ليجد سيدة شيشانية تقف امام جنديين ومشتبكة معهما فى مشادة حادة تأمل السيدة التى توليه ظهرها, وقفزت الى رأسه صورة زهرة فقد كانت السيدة تشبهها كثيرا من الخلف وهى ترتدى حجابها بدأت الدماء تغلى فى عروقه وتتصاعد الى رأسه عندما رأى الجنديين يتعمدان مضايقة السيدة والتحرش بها انتفض قائما من مكانه وتقدم من السيده وصورة زهرة لاتفارق قلبه, وقف أمام الجنديين مباشرة وحال بجسده بينهما وبين السيدة, وأخذ يتحدث اليهما بهدوء بصوت لم يصل الى كاترين التى وقفت تراقبه من بعيد بخوف وقلق ازداد خوفها وهى ترى الجنديين يدفعانه فى صدره ولكنه لم يمد اليهما يدا, بل عاد يتحدث اليهما من جديد, بهدوء لكن احد الجنديين اقترب من السيدة وبدأ يضايقها من جديد وحاول الذئب ابعاده عنها بالحسنى بلا جدوى وتفجر الموقف فجأة نيرانا ملتهبة مع صرخات مستنجدة أطلقتها السيدة عندما نزع الجندى حجابها من فوق رأسها بعـنـف وبصورة مفاجأة, ووجدت كاترين الذئب يهجم على الجندى بغضب هادر ويكيل له اللكمات العنيفة تراجعت عدة خطوات للوراء برعب وجسدها كله يرتجف عندما أخرج الجندى الثانى سلاحه وصوبه نحو الذئب المشغول بعراكه مع الجندى الأول وفجأة اندفع الكهل الذى يصاحب الطفل الصغير يجرى بسرعة, ودفع الجندى الممسك بالسلاح فى صدره, مما جعل الرصاصة تخطئ طريقها الى ظهر الذئب وتطيش فى الهواء وازداد الموقف اشتعالا عندما انضم عدة رجال آخرين الى الذئب والكهل فى معركتهما مع الجنديين واتى بقية الجنود يطلقون أسلحتهم بغزارة وفجأة تشبثت كاترين بالطفل الصغير الواقف بجوارها, واحتضنته بقوة, وأصابها ذعر شديد لم تكن تدرى لحظتها هل تحاول أن تحمى الطفل أم تحتمى به؟ وجد الذئب نفسه فى قلب النيران هو ورفاقه المدنيين الذين انضموا اليه برغبتهم وتساقط قـتـلى من المدنيين الشيشانيين, وتفجرت الساحة بالدماء مما دفع الذئب ان يرفع كفيه فوق رأسه ويصرخ بأعلى صوته : لا تطلقوا النار, نحن نستسلم أدرك الذئب بخبرته فى التعامل مع الروس أنهم لن يتوقفوا الا عندما يصير المكان حماما من الدماء, كان يخشى على النساء والأطفال المتواجدين فى المكان وبرغم ان الرجال الذين انضموا اليه دون ترتيب لم يكونوا يعرفونه, الا أنهم توقفوا على الفور عن القـتال وكأنهم تلقوا ذلك الأمر من قائد لهم وتوقفت أيضا النيران الروسية بعد أن خلفت عددا من القـتـلى, واقتادوا المجموعة الباقية المتمردة تحت تهديد السلاح الى بيت قريب كانوا قد أخلوا سكانه قسرا ليتخذوه مقرا لهم وسار الذئب بين طابور الأسرى مستسلما ويده فوق رأسه,وعيناه تدوران فى المكان بحثا عن كاترين, وبمجرد أن رآها أشار اليها برأسه اشارة تعنى أن تذهب بالسيارة وتتركه لمصيره ظلت كاترين ترتجف وهى تحتضن الصغير بقوة وبدأ الجنود فى صرف الناس حتى لا يحدث تمرد آخر وانصرف البشر وقلوبهم تتميز من الحقد والغضب, وجوارحهم المكبلة تتمنى الإنتقام بدأت كاترين بالتحرك وهى تبحث عن الكهل الذى يصحب الصغير, ولكنها كادت تخر على وجهها رعبا عندما وجدته بين الجثث المفترشة الطريق, وفى أثناء ارتدادها للخلف, كادت تتعثر بجثة اخرى, جثة المرأة التى بسببها, قامت تلك المذبـحــة احتضنت الطفل باشفاق كبير وادارت وجهه الى كتفها حتى لا يرى ذلك المشهد الرهيب, ودموعها تتفجر بغزارة واستسلم الصغير لها وأسند رأسه الى كتفها, لكن لدهشتها لم يبكى, لم يبكى أبدا بدأت الشرطة الشيشانية تتوافد الى المكان, وكاترين تتراجع وهى تحمل الصغير المتعلق بعنقها انتفضت فزعا عندما اصطدمت بأحد الأشخاص, والتفتت بحدة لتجده أحد رجال الشرطة الشيشانية حاول ان يهدئ من روعها, وسألها عما حدث, فقصت عليه كل شئ وأخبرته ان صديقها معتقل هناك فى ذلك المنزل,طمئنها الشرطى ووعدها بانه سيحاول اخراجه من هناك, ثم طلب منها طلبا غريبا, طلب منها ان تقود السيارة وتنتظره على الطريق بعد مائتى متر لا تدرى كاترين كيف عادت الى السيارة ومعها الصغير ولا كيف قادتها وجسدها يرتجف من الرعب, والأعجب انها لم تدرى كيف وثقت بذلك الشرطى وأطاعته وانتظرت فى السيارة فى المكان الذى حدده لها, ربما لأنها لم تكن تمتلك اى حل بديل, أو ربما لأن الرعب قد شل تفكيرها, جلست فى السيارة تنظر للصغير الذى استكان تماما فى المقعد المجاور لها وأدار وجهه الى النافذة ينظر الى السماء تنهدت كاترين باشفاق كبير لهذا الصغير الوحيد, وتساءلت فى نفسها : لماذا لا تبكى؟ هل تكرر ذلك المشهد كثيرا أمام عينيك حتى لم يعد يثير فيك مشاعر الفزع؟ هل جفت دموعك من كثرة المعاناة والألم؟ اسندت رأسها الى المقعد باستسلام وتنهدت بقوة وهى تسترجع صورة الذئب والجنود يقتادونه مع الأسرى, وبدأت تشعر بألم كبير فى قلبها وهى تتذكر كيف كان حريصا عليها, وكيف أنقذ حياتها, وهى الآن عاجزة تماما عن تقديم أى معونة له تمتمت بأسى : ترى ماذا يفعلون بك الآن؟ .. أغمضت عينيها وأردفت بحزن وهى تتذكر ملامح وجهه : هل سنلتقى ثانية؟ طال الوقت عليها وهى جالسة فى السيارة تنتظر... تنتظر ماذا؟ لاتدرى.. >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>> يتبع.....................................
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
(15)
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
تابع (15)
ترددت كاترين طويلا قبل أن تقول: أرجو ألا تسيئوا فهمى.. ولكنى أتساءل, ما جدوى المقاومة، والعمليات المسلحة وهل تستطيع بلد صغير كبلدكم الصمود أمام الدب الروسى العملاق بكل عتاده وما يتلقاه من دعم خارجى وداخلى, هل النضال ضد المحتل حقا مُجدٍ أم أنه مجرد انتحار كما يرى البعض؟ تخلل صوت الذئب العميق أذنيها وشعرت وكأنه يتسلل الى خلاياها : لولا هذا النضال لكانت قضية الشيشان عنوانًا كبيرًا في الصفحة الأخيرة –صفحة الوفيات- بدلاً من بقائها عنوانًا –ولو صغيرًا- على الصفحات الأولى. الحرب ليست عسكرية فقط، بل إعلامية بالدرجة الأولى، ورغم محدودية إمكاناتنا فقد بقيت القضية حية حتى الآن. ان صمود الشعب الشيشاني وتماسكه، وصمود مقاومته -والأهم من ذلك كله عدم استجابته لما تريد روسيا فرضه علينا- كل ذلك ساهم في إحياء القضية إعلاميًّا مرة أخرى، التفت الجميع عندما سمعوا صوتا عجوزا واهن يتنحنح لقد انضم الجد الكبير أخيرا للحوار, مال قليلا للأمام وبدا وكأنه يحكى عمرا طويلا, وسنينا غابرة : الحرب بين الروس والشيشان ليست وليدة ، بل هي قديمة, قد مضى عليها أكثر من أربع مائة سنة ، حدثت فيها مذابح كثيرة للشيشان على أيدي الروس ، وتهجير الشعب الشيشاني إلى سيبيريا وكازاخستان بأمر من الطاغية ستالين ، حيث قـتـل من البرد الأعداد الكبيرة ، وكذلك حروبهم الماضية ضد الشعب الشيشاني . أعوام كثيرة مضت, لاهى بالقريبة ولا بالبعيدة سنوات عايشت تفصيلاتها وأحداثها وتجرعت آلامها ومرارتها قطرة قطرة أهوال وعذابات يعجز أعظم المؤلفين عن مجرد وصفها حكايات وأحداث كان بطلها الأوحد هو الموت, فقط الموت تنهد بعمق, وابتلع ريقه بصعوبة وكأنما يتجرع مرارات أعوام طوال بعدد سنوات عمره الكثيرة وبدأ يحكى بصوت حزين : من أزمان بعيدة وهم لا يحملون لنا سوى الكراهية والغدر والقــتـل واذا ما حاولوا التقرب الينا فهذا لا يكون الا بهدف مصالحهم الخاصة ليجعلوا منا سلما يصعدون عليه ليصلوا لأهدافهم حدث في عهد روسيا الشيوعيّة بعدما أطيح بالقيصريّة الروسيّة على أيدي الحركة الإشتراكيّة الشيوعيّة بزعامة لينين عام 1917م، اتبع لينين إستراتيجية قذرة ليكسب التأييد العام، فقام بإلقاء خطب تنادي بحريّة الأقليّات التي اضطهدها القياصرة، وأصدر وعودًا لهذه الأقليات بالانفصال والاستقلال وبالحريّة الدينيّة، بل قام شخصيّا بتسليم مصحف عثمان - رضي الله عنه- الذي كان بحوزة القياصرة ومجموعة من الوثائق الإسلاميّة والتاريخيّة الهامّة. ومن هنا بدأت جمهوريّات إسلاميّة بالاستقلال بمباركة لينين نفسه، ولكن كل ذلك كان يدار بخسة وغدر شديدين، فبعدما بدأت آثار قوّة النظام الجديد بالظهور أمر لينين بالزحف نحو البلاد الإسلاميّة دون سابق إنذار، ليبدأ المسلسل الجديد لإبادة المسلمين بشكل أبشع وأقذر ممّا كان عليه في العهد القيصريّ الروسيّ بمرات عديدة. إنّه عصر دمويّ بكل معنى الكلمة، ونقطة حمراء في تاريخ البشريّة من صنع أكبر سفّاحين: ستالين ولينين، لقد تسببوا بقتـــل الملايين من المسلمين من دون ذنب، قتــل لينين حوالي 8 مليون نسمة من مسلمي القوقاز، وبعد ذلك خلفه ستالين بقـتـله ما لا يقلّ عن 20مليون نسمة بأبشع الطرق منها: مليون، رميًا بالرصاص ومليونان من المعارضين، ومليون على أعواد المشانق و7 مليون من الريفيين نتيجة التأميم، و11 مليون في معسكرات العمل، ومليون نتيجة النفي الجماعي ، وكان من أحد الشعوب التي تعرضت لهذا القهر والقـتـل هم شعب الشيشان. لقد واجه الشيشان الاحتلال الشيوعيّ بقوّة، فظهرت ثورات عديدة ضدّ هذا الظلم، منها ثورة (إبراهيم قلدقت) عام 1934م وغيرها الكثير، وكان الشيوعيون يخمدونها بالقوّة وبالمجازر. وفي أثناء الحرب العالميّة الثانية زادت أهمية القوقاز حينما قرّر هتلر ضمّها مع أوكرانيا للدولة النازية لتمدّها بالطعام والوقود، ولكنّ الشيشان لم تتدخّل بين الفريقين ، وعندما انتهت الحرب أعلنت حكومة ستالين اعتبارها لشعوب الشيشان والأنجوش والقرم (شعوبا خائنة) نتيجة لعدم تدخلهم لصالح الشيوعيين وقت الحرب وزعموا كذبا بأن الشيشان اشتركوا فيصفوف الألمان ، وعليه بدأت في 23 فبراير عام 1944 م عمليات الترحيل الجماعي إلى كازاخستان وسيبيريا المتجمدة التي تصل درجة الحرارة فيها إلى- 58 س تحت الصفر. تمت عمليات الترحيل بواسطة القاطرات الطويلة البطيئة، و كانت الرحلة تستغرق ثلاثة أسابيع تقريبا في قطارات لم يكن فيها مرافق صحية ولا تدفئة ولا حتى مقاعد، الكثير من المعمرين يذكرون هذه الرحلة الشاقة الرهيبة : كنا نتوضأ بالثلج ونصلى ... وربما شاهدت كثيرا منا ملقى على الأرض ميتا قد انكسر ظهره من شدة الصقيع الكلاب القطبية كانت تجد فريستها منا فكانت تأكل أحشاء الإنسان وهو يصرخ : أبعدوا الكلب عني، وقد خارت قواه من شدة الجوع والبرد ولايستطيع الهرب ... وأين يهرب هذا المسكين والكلاب كثيرة تهاجم المخيم بشراسة ولعدم وجود المرافق الصحية كان البالغون يضغطون على أنفسهم في القطارات ، فمات كثيرون منهم من تمزق المثانة ، إلا أن الأطفال لم يكونوا قادرين على ذلك ، مما كان يؤدي إلى تبلل القش الذي فرشت به أرضيات العربات فتنبعث الروائح الكريهة غير المطاقة، فيلجأ المهجرون إلى إخراج القش عند توقف القطار، فتتسرب الرياح القارصة داخل القطار. أما الحياة في المهجر فكانت صعبة جداً ومليئة بالعقبات والصعوبات، كانت درجة الحرارة تتدنى من الصفر بكثير، ومع عدم وجود بيوت وملاجئ للمهجرين عام 1957م، أي بعد 13 سنة في المنفى، أعلن الرئيس ( خورتشوف) براءة الشيشان والشعوب الأخرى من التهم التي وجهت ضدهم، فسمح لهم بالرجوع إلى بلادهم ، فرجع المعظم إلى ما يقارب من 150 ألف بقوا في كازاخستان وهاجر بعضهم إلى دول أخرى كبلاد الشام والعراق وتركيا اتسعت عينا كاترين بشدة وتجمعت دموع غزيرة فى مقلتيها قاومتها بقوة حتى استطاعت التغلب عليها وابت ان تنحدر على خديها قالت بصوت متهدج : لا أصدق..أكاد حقا لا أصدق كيف لكم بتحمل كل تلك الأهوال والمصائب؟ كيف لم تخضعوا فى ظل كل تلك المآسى؟ كيف تسرى فيكم روح المقاومة حتى الآن؟ قال آدم بحماس : الشعب الشيشاني لا يعرف الهزيمة ، فكما يسمينا الروس [ الشعب الذي لا يرهب الموت ]. وكما قيل عنا :" لك أن تكسر ظهورهم ولكن لا تستطيع أن تنال من روحهم المعنوية" لقد استشهد أخواى وزوج أختى فى الحرب الأخيرة تساءلت كاترين بدهشة عارمة : فقدت ثلاثة من اخوتك ؟ لم؟ وكيف؟ وأين هى أختك؟ قالت الأم بأسى : تزوجت من جديد وهاجرت مع زوجها الطبيب مصطحبة طفليها لكي لا ترى وجوه قـتلة شعبها. وهى الآن تعمل في مخيمات اللاجئين في أنجوشيا شردت عينا عمر بعيدا, وقال بصوت حزين : هنا, على هذه الأرض يتكرر هذا المشهد بالعشرات, بل بالمئات أعرف أُسرا عديدة فقدت كل أبنائها الاثنين أو الثلاثة أو الخمسة لازالت الشيشان صامدة, تقدم أبناءها ثمنا لدينها وحريتها منذ مئات السنين, وحتى الآن. نظرت كاترين الى الأم وقالت بتعاطف كبير : وأنت..لم لم تغادرى؟ رفعت الأم رأسها وقالت بعزة واباء : لأن أرضنا هاهنا, وسنظل هنا حتى ندفن فيها, لن نتركها لهم كاترين بدهشة : مع كل مايحدث لكم؟ وكل هؤلاء القــتلى؟ ألا تشعرون بالخوف؟ قال الجد بصوت يفيض ايمانا وصدقا : هذا لأن ما نحمله فى قوبنا وما يريدون هم نزعه منا راسخ فينا كرسوخ الجبال فى أرضنا قالت الأم بصوت يمتلئ فخرا : انه الإيمان يا ابنتى.. الإيمان اشتعل المكان بصوت الذئب يمتلئ برائحة الثأر والإنتقام وعيناه تنضحان بغضب مرعب : "الشيشانيون لن يسامحوا أبدا روسيا المجرمة التي تبيد الشعب الشيشاني سوف يحاسبون على موت مئات الألوف من الأطفال و النساء الشيشانيات المسنات، على التـعـذيـب الوحشي و المعاملة المهينة التي يعاملونا بها على المعتقلين في مخيمات الاعتقال الجماعي، على المقابر الجماعية الممتلئة بجثث أشخاص قضوا نحبهم من جراءالتـعـذيب دون ذنب أو جريرة على دموع أطفالنا الذين تيتموا، على آلام الأمهات اللاتي فقدن أطفالهن, أغلى ما لديهن في الدنيا." ارتجف قلب كاترين رعبا وهى تتأمل وجهه الذى احمر غضبا وهو يردف : في الجرائم المرتكبة ضد الله و الإنسانية, لا وجود للزمان ولاالنسيان ولا يُعفى عنها أبدا. التفتت كاترين الى الصغير الذى تحول الى تمثال صامت يحدق باتجاه واحد فقط, وكأن الحياة قد خلت حوله الا من الذئب, فلم يعد ينظر الى سواه أحست الأم بقلقها على الصغير فوضعت حدا للموقف بقولها : أعتقد أنكم بحاجة الى النوم بعد يومكم الشاق اتجهت كاترين مع الصغير الى الغرفة التى أعدتها الأم لهما وأخذت تتأمل الغرفة ومحتوياتها, كانت غرفة واسعة مريحة, ومرتبة جيدا وتحوى كل الأثاث الضرورى وسبل الراحة أخذت الأم تدور فى الغرفة وتتأكد من ان جهاز التكييف يعمل بشكل جيد, وكذلك الإضاءة سألتها كاترين بدهشة : يبدو أن جهاز التكييف لم يعمل من مدة طويلة قالت الأم : نعم, فمن وقت طويل لم يأتينا ضيف قالت بدهشة : الا تستخدمون تلك الغرفة الا عندما يأتيكم ضيف؟ الأم : في كل منزل في القرية غرفة مخصوصة للضيف، تسمى "غرفة الضيف"، جاهزة دوما للإستقبال في أي وقت, ولا أحد من أهل البيت يمكنه استخدامها ، إكرام الضيف واحترامه له مكانة عظيمة لدى الشيشانيين, وخاصة فى القرى" فالبيت الذي لا يدخله ضيف- لا تدخله البهجة والسرور "، كما يقول المثل الشيشاني كاترين بامتنان كبير : لا أدرى ماذا أقول, ولكنى حقا سعيدة للتعرف باناس مثلكم أتمنى الا يتسبب وجودنا هنا فى أية مشكلات أو يعرضكم لأية مضايقات اقتربت منها الأم وأمسكت بيديها وهى تبتسم مطمئنة وقالت بلهجة حانية : نامى قريرة البال, واطمئنى فمن قواعد إكرام الضيف عندنا، الحفاظ على حياته، والدفاع عن كرامته، وحماية ممتلكاته مهما حدث ونحن قوم نحب أن نتمسك بتقاليدنا. التفتت الأم للصغير, فوجدته قد توسد الفراش واستغرق فى نوم عميق اقتربت منه وخلعت حذائه بهدوء ووضعت رأسه على الوسادة برفق, وغطته بالأغطية الثقيله قالت كاترين براحه : أحمد الله أنه نام أخيرا أردفت بأسف كبير : كنت أظنه لن ينام أبدا بعد ما رآه اليوم, لكم أشعر بالألم والشفقة لحاله تنهدت الأم بعمق وقالت بحزن : هناك آلاف من الأطفال مثله, بل وأسوأ حالا منه, لهم الله, فهو نعم المولى ونعم النصير قالت كاترين : هل يمكن أن أتحدث الى زميلى؟ الأم : بالتأكيد, خرج عمر من حجرة الفتى آدم بعد أن نادته الأم بناء على طلب من كاترين تركتهما الأم فى بهو البيت واتجهت الى غرفة الجد لتطمئن عليه قال الذئب بهدوء : هل تشعرين بالراحة هناك؟ هزت رأسها وقالت باسمة : بالتأكيد, فالسيدة لا تدخر وسعا لطمأنتى واشعارى بالراحة قالت بعجب : هل كل العائلات الشيشانية بتلك الحفاوة؟ قال بتأكيد : كما تقول الأساطير، وُلِد الشيشاني و قطعة حديد في إحدى يديه- رمز المحارب، وقطعة جبن في اليد الأخرى- رمز إكرام الضيف. قالت متعجبة : لم يسألونا أى سؤال, لم أتينا, أو من نحن! قال بهدوء : خلال الأيام الثلاثة الأولى من غير اللائق أن يٌسأل الضيف أي سؤال,فالضيف لدينا يعيش في البيت كعضو شرف بين العائله. تنهدت وقالت : أظن أنك تشعر بالراحة هنا فآدم فتى لطيف, أليس كذلك؟ شرد قليلا وقال : نعم, يذكرنى بشخص ما قالت بعد تردد : أود أن أقول لك شئ, عليك أن تكون أكثر حرصا فى اظهار مشاعرك السلبية تجاه الروس أمام الصغير فكما أخبرتك, هو ينظر اليك كمثل أعلى, ويراقب كل حركاتك وتصرفاتك, ويتوحد مع مشاعرك أيا كانت التفت اليها وقال بهدوء يشع بالغضب العارم المعربد فى أعماقه : أتظنى أنه ينتظرنى لأعلمه كيف يكره قـتـلة أهله وشعبه؟ لم لا تسألينه عن أمه المعتقلة فى جروزنى؟ لم لاتسألينه أين أباه الآن هل فى إحدى المعتقلات يتجرع العذاب ألوانا بأحط الطرق وأشنعها على الإطلاق أم رحمه الله بالإستشهاد فى مقبرة جماعية لم تكتشف حتى الآن لم لاتسألينه عن أهله, وماذا يفعلون فى المستشفى الجنوبى؟ كم منهم لايزال على قيد الحياة وكم منهم استشهد متأثرا بجراحه من جراء القصف الروسى؟ وكم منهم فقدوا أعضاءهم أو أصيبوا بعاهات لن يبرأوا منها مدى الحياة؟ لم لاتسألينه أين بيته؟ وهل لازال هناك منه بقايا؟ أم محى من الوجود؟ الروس لاينتظرون منا أن نعلم أولادنا كراهيتهم, فهم يقومون بهذا الدور ببراعة منقطعة النظير وفى كل الأحوال, نحن الخاسرون, يخسر أبناءنا سلامهم النفسى, ويعيشون ما أراد لهم الله البقاء معاقين نفسيا, يحملون أمراضا لا شفاء منها ظلت تتأمله وهو يتحدث, وعينيها تتسع بتأثر كبير, وعجز جفناها عن حمل كل هذا القدر من الدموع, فتركتها تنسكب على خديها ظلت صامتة لفترة, حتى وجدت أخيرا ما تقوله : اذا فقضية السلام, قضية خاسرة؟ عقد حاجبيه بشدة وقال بنفس صوته الهادئ الذى يحمل الغضب الكثير : هناك حكمة شيشانية تقول (من لا ينشد السلام, يقع فى الحرب) وجهت السؤال الى الجانب الخاطئ, عليك أن تسأليهم هم, هل يريدون السلام؟ قالت بتعاطف كبير : لقد عانيت كثيرا, أليس كذلك؟ قال مؤكدا : كأى انسان يحيا على هذه الأرض, ويسكن تلك الجبال, يسعى الى الحرية ويرفض أن يترك وطنه للغزاة قال منهيا الحوار : والآن عليك الذهاب الى النوم, فغدا أمامنا رحلة شاقة اتجه الى باب البيت, فاستوقفته قائلة بدهشة كبيرة : الى أين فى هذه الساعة المتأخرة؟ والجو شديد البرودة قال وهو يفتح الباب ليخرج : سأتفقد الطريق, لتأمين المكان قالت قبل أن يخرج : فقط سؤال أخير نظر اليها فقالت بتردد : هل.....هل زوجتك جميله ؟ شعرت كاترين بالندم وتمنت لو لم تسأله وذلك عندما شاهدت النظرة الحزينة التى هربت من عينيه قبل أن يخرج بسرعة ويغلق الباب خلفه دون أن ينطق بكلمة أخرى تنهدت بعاطفة كبيرة وهى تقول بحنان : أيها الوحيد الغريب لكم تفتقد أحضان أهلك وأحبتك, لكم تشتاق الى دفء بيتك و تراب وطنك!!
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
(16) ذاب الثلج تحت قدميه من وطأة الحرارة المنبعثة من لهيب الحزن والغضب الذى يعربد فى أعماقه, والذكريات تطارده من كل مكان عمر ..... ارتجف قلبه بقوه عندما رأى تلك النظرة الأليمة فى عينى القائد كان وجهه يقطر حزنا وأسفا . وعيناه تهربان بعيدا حتى لا تلتقيان بعينى عمر ابتلع القائد ريقه وقال بتردد : لقد . لقد قصفوا مخيمات اللآجئين وقوافل المهاجرين .. قاموا بمجزة بشعة لأهلنا المدنيين دمروا ثلاث حافلات مدنية محملة بالمهاجرين وقـتـلوا جميع من فيها من أطفال ونساء وشيوخ عمر....أوصيك بالصبر كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم احمد الله واسترجع ...فزوجتك.... من الشهداء زلزل جسده ولم يستطع الوقوف على قدميه وكاد جسده يهوى أرضا, لولا أنه استند بكفيه الى سطح مكتب القائد ، سقط رأسه بين كتفيه وأغمض عينيه بقوة وأخذ جسده ينتفض بعـنـف وضع القائد يده فوق كتفه وهو يقول بحزن عميق : أوصيك بالصبر يا عمر خرج صوته مشروخا ممزقا من الحزن والغضب : احترقت أشجار الصبر, واستحالت رمادا تذروه الرياح. ولن تعود أبدا الا اذا ارتوت من دمائهم طال صمته, ثم رفع رأسه, كان وجهه كقطعة من لهب, وتساقطت حبات العرق على جبينه ووجهه برغم برودة الجو.. أطلت من عينيه نظرة ترجف أعتى القلوب صلابة وبحروف انطلقت من بين أسنانه كسهام نارية قال : سنشعل الأرض جحيما من تحت أقدامهم, لم يتركوا لنا خيارا سوى القتال حتى الشهادة, يجب أن نحرر أرضنا مهما كان الثمن أغمض عينيه بحزن بالغ وظهرت عاطفة جياشة فى وجهه وهو يكمل : وليرحم الله شهداءنا منذ هذه اللحظه ...........والمقاومة لا ينطفئ اوارها, سنوات عديدة لم تخمد فيها جذوة المقاومة لحظة واحدة, قاموا خلالها بضربات موجعة للقوات الروسيه وكبدوا الروس خسائر فادحة، كانت عملياتهم الحربية مضرب المثل فى الدقة والمهارة واعمال الخسائر الكبيرة فى قوات العدو، كانوا حقا شوكة فى حلوقهم وكلما ظن الروس انهم قضوا على المجاهدين, واخمدوا ثورتهم وسيطروا على الشيشان،خرجوا اليهم من عمق الجبال بعملية جديدة أشد وأنكى, تحطم الروح المعنوية للجنود فى صفوف الجيش الروسى استطاعوا أن يوقعوا بالروس شر هزيمة فى مواقع عديدة حتى أن الجنود الروس كانوا يفرون ويخلفون وراءهم أسلحتهم وعتادهم ليثبتوا من جديد أن المقاومة لازالت تسرى فى روح ذلك الشعب الأبى, وأن الغازى لا يمكنه أن يتمتع بالنصر لمدة طويلة، حتى ولو بقي قرونًا، وهذا ما عبَّر عنه الكاتب الأمريكي "سكوت روبنسون" الذي يكتب لصحيفة الكريستيان ساينس مونيتور- عندما قال: "من السهل على روسيا أن تعلن انتصارها في الشيشان، لكن الواقع غير ذلك. وفي الوقت الذي يعلن فيه كبار القادة الروس أنه لم يَعُد هناك متمردون، توافينا الأخبار بعكس ذلك، فهناك اشتباكات وعمليات قتالية وضحايا روس" هذه الدولة الصغيرة "المشاكسة" أثبتت دوما بما يتوافر لشعبها من قوة الإرادة ورصيد الإيمان أنها دولة عصية على التطويع , وأن شعبها تتأبى عليه نفسه أن يرضى بتذويب هويته وطمس حضارته الإسلامية العريقة وكان الذئب واحدا من أشد القادة بأسا على الأعداء, وأشرسهم على الإطلاق, حتى أكسبته عملياته العسكرية البارعة شهرة واسعة بين شباب المقاومة, وجعلت اسمه أمل لكل شاب يتمنى الإلتحاق بكتيبة الذئب وكذلك اكتسب شهرة كبيرة بين صفوف الجنود الروس, الا أنها كانت شهرة عكسية تنبع من الكراهية الشديدة والخوف بلا حدود فذكره فقط يعنى بأسا شديدا ودماء جنود وضباط مهدرة, وخسائر فادحة فى العدة والعتاد الروسى مما جعلهم يطلبون رأسه وبشدة, ورصدت المكافآت الكبيرة لمن يدل على أية معلومات تقودهم الى الذئب, أو حتى تكشف عن شخصيتة الحقيقية الغامضة, التى لا يعرفون عنها شئ، وباءت كل محاولاتهم للوصول اليه بالفشل وكلما حاولوا الوصول اليه, فاجأهم بعملية جديدة تهز صفوفهم وتقوض أحلامهم بالقضاء على الذئب, أو حتى التوصل الى أية معلومات تقود اليه صار أسطورة وأمل وقدوة لكل شباب المجاهدين، صار رعب وخزى وهزيمة فى نفوس أعدائه, صار علامة استفهام كبيرة بعد سؤال بسيط, لا يحتمل سوى اجابة بسيطة : من هو الذئب؟ هو ذلك الإنسان الوحيد الغريب المتألم, المحترق الفؤاد لفقد أغلى الأحباب ذلك الإنسان الذى يحيا فقط ليصنع لنفسه موتة كريمة, ويبنى لنفسه قبرا فى أرض حرة ذلك الإنسان الذى كل أمله فى الحياة أن ينال شهادة تحمله ليحيا مع من يحب فى عالم لايعرف الظلم أو الغدر أو الخيانة ذلك الإنسان الذى لايرضى سوى بالإسلام دينا مهما بذل من تضحيات, ومهما فقد كل غال ---------------------------------------------------------------------- ألقى عمر برأسه على الوسادة, خائر القوى بعد المجهود الذى بذله طوال اليوم, والسير الذى أضناه طوال الليل, حتى أنه لم يدخل الى غرفة آدم الا بعد أن صلى الفجر, وظن أنه لن يستطيع النوم كعادته كل ليلة, ولكنه نام بالفعل وكان نومه امتداد آخر لذكرياته وآلآمه ظل يسبح فيها حتى الصباح، وعندما بدأ يشعر بالحياة من حوله, أحس بشئ ما يستقر بين ذراعيه، شئ يمتلئ حياة, وتنبعث منه أنفاس تدفئ وجهه انتفض مستيقظا, ورفع الغطاء عن رأسه ووجهه ليرى ذلك الشئ الملتصق به، تأمل ذلك الوجه الملائكى عبر شعاع الضوء القادم من النافذة, وتعجب كثيرا كيف استطاع هذا الصغير أن يهرب من كاترين ويدخل الى غرفته دون أن يشعر به أحد, ويختبئ بين أحضانه حتى الصباح؟ انتبه على صوت طرقات متعجلة على باب الحجرة، خلص ذراعه برفق من تحت رأس الصغير النائم بعمق, وفتح الباب بسرعة ليجد أمامه كاترين بوجهها القلق قالت بسرعة : عفوا اذ أيقظتك ولكن الصغير.... وضع سبابته على فمه مشيرا اليها لتخفض صوتها , ثم افسح الطريق وأشار بيده الى الصغير النائم فى الفراش ولم يكن يتوقع أن تندفع كاترين الى الداخل بسرعة وتقف أمام الفراش تنظر الى الصغير, ثم انحنت تمسح على شعره بحنان وقالت بقلق : يا الهى, لقد أفزعنى حقا, تخيلت أنه رحل وحده التفتت الى عمر الذى لايزال متجمدا عند الباب المفتوح اتسعت ابتسامتها وهي تقول : انه يحبك, ولا يشعر بالأمان الا فى جوارك. لك تأثير عجيب على كل من يقترب منك كانت نظرات الإعجاب تشتد من عينيها ثم انقلب الإعجاب فجأة الى ضيق شديد واحباط عندما خفض بصره وأشاح بوجهه الى الحائط متجنبا النظر اليها قال بصرامة وهو يهم بمغادرة الحجرة : استعدي ,علينا الرحيل فى أسرع وقت تناولوا افطارهم, ثم قاموا بتوديع الأسرة الطيبة الكريمة التى استقبلتهم وشكرتهم كاترين بامتنان كبير لحسن ضيافتهم ولم تنس الأم الطيبة أن تجهز لهم كمية من الطعام ليتزودوا بها فى رحلتهم طوال الطريق وكاترين تحاول باستماته جذبه للحديث من جديد, الا أن صمته هذه المرة كان أشد وأقوى وكلما اضطر للكلام كان يرد عليها باجابات مقتضبه للغاية, مما أورثها شعورا بأن سؤالها الأخير الذى سألته اياه هو السبب فى ذلك الجدار السميك الذى بناه حول نفسه، ترى هل تجاوزت منطقة محرمة لديه؟ كان السؤال يلح عليها بشدة. لكنها انتبهت فجأة عندما أوقف السيارة وتكلم أخيرا : سأتركك هنا, ادخلي هذه القريه التى أمامك, ستجدي هناك ممثلى اللجان الدولية والصليب الأحمر ومخيمات اللآجئين نزلت من السيارة ببطء وقالت بصوت رقيق وهي يبتسم له : أشكرك لكل ما فعلته لأجلى لم يرد عليه , بل لم يلتفت اليه فانتقلت عيناها تلقائيا الى الصغير ومسحا على شعره وقالت بحنان وهي تنظر فى عينيه الوديعتين : كنت أتمنى أن أظل معك حتى تعود الى أهلك وأطمئن عليك أنا متأكدى أنك ستكون فى أمان معه قبلت رأس الصغير بحب وتنهدت بعمق : وداعا يا من لا أعرف اسمه أتمنى حقا أن تعود لأهلك, فليرعاك الله التفتت الى الذئب قائلة : أتعلم أن هناك تشابه كبير بينكما, أنت أيضا لا أعرف اسمه أدركت تماما ان سؤالها الضمنى لن يحظى باجابة سوى صمته المعتاد, لكنها لم تغضب من صمته هذه المرة, بل قالت بصدق : سأنشر كل ما سمعته ورأيته ..أعدك أن يصل صوتكم الى العالم قال ساخرا دون أن يلتفت اليهت : ان كان للعالم آذان . فليس لهم قلوب ..ورغم كل مايفعلوه بنا فسوف نعود وننتزع حريتنا بأنيابنا ارتجف قلبهت من كلماته وهب يراقبه وهو ينطلق بالسيارة بسرعة, ورحلت عيناها خلفه باعجاب كبير, ثم رفعت احدى حاجبيها لأعلى وهمست بابتسامة كبيرة : أنا واثقة من أننا سنلتقى ثانية دخلت القرية وظلت تبحث عن زملائها حتى وجدتهم واستقبلوها بفرحة وترحاب كبير بعد أن ظنوا أنها اختطفت وهب المصور المرافق لها من مكانه وهو يهتف بدهشة عارمة : كاترين, أين كنت ؟ وكيف وصلت الى هنا؟ قالت وهي تنظر الى مدخل القرية هناك حيث رحل الذئب : لو قلت لك اننى جئت الى هنا فى رعاية ذئب ..ما صدقتنى فجأة دب فى أطرافها نشاط غريب وقالت بحماس وهي تتجه بسرعة الى الحمام : أحتاج الى أخذ حمام وتبديل ملابسى بسرعة, فعلى المغادرة الآن سألها المصور بدهشة عارمة : الى أين؟ هل نسيت أن علينا العودة الى الديار غدا؟ قالت بسرعة : لن أعود, فلم أكمل موضوعى بعد, عليك بتدبير سيارة لنا, سترافقنى الى المستشفى الجنوبى قال بذهول : ماذا؟ التفتت اليه والتمعت عيناها ببريق عجيب : حدسى يخبرنى أن قصة كبيرة بانتظارى هناك ------------------------------------------ وصل الذئب الى المستشفى الجنوبى, وهناك قابل مدير المستشفى وحكى له قصة الصغير الذى لم يتكلم كلمة واحدة منذ التقاه وكان الطبيب رحيما ومتفهما الى أقصى مدى, فتطوع برعاية الطفل والبحث عن أهله, وأوصى احدى الممرضات باحتضانه ورعايته حتى يعثر على أهله، شكره عمر كثيرا ورحل رحل دون أن يودع الصغير, أو حتى ينظر فى عينيه، فلم يعد فى قلبه مكان لألم فراق جديد، لم يعد هناك مكان لحزن, فقد طفح الكيل وزاد رحل وحيدا........... فعليه العودة الى المجاهدين, الى حياة الجهاد والسلاح, تلك الحياة التى لايعرف غيرها من أعوام بعيدة، منذ أن فقد كل أحبته, ولم يعد له فى هذه الحياة رفيقا سوى سلاحه، منذ أن فقد بيته, وأصبحت كهوف الجبال بيتا له ،رحل وحيدا, لايحمل معه شئ سوى ذكرياته, وأمل............ أمل أن يعود يوما الى وطنه ليدفن هناك بين أهله وأحبته الذين رحلوا، هل يمكن أن يراها مرة أخرى قبل موته؟ وقف بجوار السيارة, ورفع هامته, وامتد بصره بعيدا عابرا الأميال والمسافات هناك, وكأنه يراها, وكأنه يشم عطرها الذى يدفئ قلبه رغم البعد قد تمحى جروزني عن الخريطة كما يتمنون ويقولون ولكن هل يمحى المعنى! الرعب أو الرهب .. تلك هى جروزن, سميت باسم قيصر روسيا "إيفان الرهيب" لم يكن يخطر بباله أن الاسم الذي اختاره لها كان ضده لا له ، فقد كانت دائماً شديدة عليهم سنة 1818 أراد الجنرال يرملوف أن يجعل من تلك المدينة أو الحصن آنذاك رمزاً للإرهاب أو الرعب الروسي, حتى لا تستيقظ جذوة الجهاد وروح النضال وحب الحرية في نفوس الشيشانيين على مر الأزمان .. يرملوف, عمل الإستراتيجية ذلك الزمان .. لكن إستراتيجيتهم الآن,هى محو جروزني عن الخريطة .. ولكن...محو جروزني يعني تهجير آلاف المواطنين الشيشان المسلمين من ديارهم.. قسما من المهجرين سيذوبون في الشعب الروسي, وعندها, علينا كمسلمين محاربتهم انذاك لأنهم معتدون واعداء.. وقسماً منهم سيذوبون في بقية الشعوب يسهل السيطرة عليها . إما البقية العظمى سيلجأون إلى الجبال ويعيشون مع البورز صديقهم الوفي (( البورز أي الذئب )) وعلى مر الأيام والأزمنة ستعاود تلك القبائل الجبلية الشرسة محاربتهم لبني جلدتهم الذين ذابوا في الشعب الروسي. وهذا هو الجنون بعينه, ولكنه حدث! حدث عبر مئات السنين من الحروب المتواصلة يتمنى الروس محو جروزني في التاريخ واذا اختفى الرمز هل سيختفي المعنى ! لقد انقلب المعنى إلى الضد فكل لغات العالم تنطق بـ(جروزني) أصبحت تلك الكلمة رمزا,ً بمعادلة رياضية قلبت معادلات الأرقام في الحسابات العسكرية في العالم لصالح المناضلين ضد إرهاب واستعمار الدول جروزني, أو كوكاسيا (بوابة آسيا) قلب القوقاز فطالما اللغات تحمل المعاني, معيدة إلى الذاكرة جروزني .. المخيف , المرعب , الرهيب .. فلا تزال بوابة آسيا عصية على الروس والمقاومة الشيشانيّة ستستمرّ على الجبال وفي أيّ مكان طالما هناك شيشانيّ واحد ينبض قلبه إيمانًا ويدافع عن بلده وعن حريته، وإنّ الله ناصر لعباده، وسيأتي يوم يندم فيه الروس على غطرستهم. لم يدرى كم من الوقت ظل واقفا بجوار سيارته أمام المستشفى فقد جرفته ذكرياته وأفكاره بعيدا من جديد لكن يدا امتدت اليه لتعيده قسرا الى محيطه الذى لم يغادره سوى بعقله وأفكاره فقط أدرك أخيرا أنه لم يرحل بعد وعندما استدار ليرى صاحب اليد التى أعادته الى الواقع, فوجئ بعينى الصغير تتطلعان اليه بتوسل ,ورغما عنه قرأ فيهما تلك الكلمة التى حاول كثيرا تجنبها (ابق معى) لم يعد الهروب يجدى وعليه المواجهة,نزل على احدى ركبتيه واقترب من الصغير, وتطلع برهة الى عينيه لكنه هز رأسه وقال بحسم : لا أستطيع, يجب أن أعود الآن انت هنا فى أمان اطمئن, سيجدوا أهلك, وستعود الى أحضانهم من جديد هب من مكانه بسرعة واتجه الى السيارة وفتح بابها, وهم بالركوب حتى لا يرى دموع الصغير التى تجمعت بغزارة فى عينيه أبى.. تجمد تماما فى مكانه, وعصفت الدهشة بعقله وقلبه, التفتت ببطء الى الصغير الذى بدأت دموعه فى الهطول, ليسمعه من جديد يردد باصرار : أنت أبى لم يدرى مايمكن أن يقوله, ولا كيف يتصرف, فظل على صمته للحظات, حتى نطق أخيرا : أنا...لست..... انعقد لسانه وعجز عن النطق, واتسعت عيناه بشدة, وارتج قلبه بعـنـف, حينما أخرج الصغير من جيبه شئ يعرفه جيدا ,حافظة سوداء صغيرة, حافظة زهرة, ومن داخل الحافظة أخرج صورة ضوئية أعادت اليه ذكرياته دفعة واحدة صورته مع زهرة !! ................................................. يتبع..........................
__________________
|
![]() |
| العلامات المرجعية |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| رواية الشيشان, روسيا, شامل, عودة الذئب, إيفان الرهيب |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|