|
||||||
| محمد ﷺ نبينا .. للخير ينادينا سيرة سيد البشر بكل لغات العالم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
لذلك ما انتقَم الرسول لنفسه قطُّ، بل سلَك سبيل العفو عند المقدرة، ويتجلَّى ذلك بجلاء في موقفه يوم فتح مكة من ألدِّ الأعداء، فلقد دخلَها ظافرًا منتصرًا، ومَكَّنه الله من رِقَاب أعدائه، وكان يُمكنه حصادُها، ولو فعَل كان له العُذر؛ فإن القوم آذوه وقاتَلوه وأخرجوه، ولكن غلَب لِينُه شِدَّتهم، ورِفْقُه غِلْظتهم، وحِلْمه جَهلهم، وإنسانيته وحْشِيَّتهم، فما عامَلهم بالمثْل، بل وقَف المتجبِّرون بالأمس جلوسًا، تعلوهم الذِّلَّة والصَّغار، ينتظروه ما يقرِّره مصيرهم على يد محمد الظافر، وإذا بالرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول لهم: ((يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟))، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، فأصْدَر عفوَه الشامل بكلمته الخالدة: ((اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)).
ولا يعلم إلا الله وحْدَه كم حَقَنتْ هذه الكلمة من دماء، وكم أبْقَتْ على نفوس! وكم وصَلَتْ من أرحام! وكم أفادتِ الإسلام والمسلمين؛ فدخَل الناس في دين الله أفواجًا لِمَا رأوا من سماحة الإسلام، وكريم عفو الرسول، وصدق الله العظيم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]. • وأمَّا رحمتُه - صلى الله عليه وسلم - فهي رحمة عمَّت العالمين، وقد شَهِد له ربُّه بذلك؛ إذ قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. وسَمَّاه الرؤوف الرحيم، فقال -تعالى-: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]. فكان - صلى الله عليه وسلم - يعامل برحمة الكبير والصغير، والمؤمن والمشرك، بل لقد رحمَ أعداءَه، فما دعا عليهم، بل كان يحتمل أذاهم، ويرجو صلاحَهم، ويدعو لهم قائلاً: ((اللهم اغفرْ لقومي؛ فإنهم لا يعلمون)). ويعقب القاضي عِياض على هذا القول، فيقول: انظرْ إلى هذا القول من جماع الفضْل ودرجات الإحسان، وحُسن الخُلق، وكَرَمِ النفْس، وغاية الصبر والْحِلم؛ إذ لَم يسكتْ عن قومه وقد فعلوا به ما فعلوا، بل عفَا عنهم وزادهم، فأشْفَقَ عليهم؛ حيث رحمَهم ودعا لهم، فقال: ((اللهم اغفرْ))، ثم بيَّن سببَ الشفقة والرحمة، فقال: ((لقومي))، ثم اعتذَر عن جْهلهم معه، فقال: ((فإنهم لا يعلمون)). وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا بالناس جميعًا، فهو بأهله أرْحمُ وبأزواجه أرفق، فقد كان مع أزواجه المثَل الأعلى في الرِّفْق والحنان، وحُسن المعاشرة، بل لقد جعَل الرسول الكريم حُسن معاشرة الزوجة ميزانًا لأفضليَّة المسلم، يقول: ((أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم خُلقًا، وخياركم خيارُكم لنسائهم))، ويقول في حديث آخرَ: ((خيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي)). ولقد كان كثيرًا ما يحتمل أزواجه، ويَصبِر على ما قد يبدر منهنَّ؛ تطبيقًا لقوله -تعالى-: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، يقول العقَّاد - رحمه الله -: لَم يجعلْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هيبة النبوَّة سَدًّا منيعًا بينه وبين نسائه، بل أنساهنَّ - بكرم معاملته وإيناسه ورِفْقه - أنهنَّ يخاطبْنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - هاشًّا باشًّا، يُدْخِل السرور على أهله؛ تقول عائشة - رضي الله عنها -: كنتُ ألعب بالبنات - أي بالصور على هيئة البنات - فيَجِيء صويحباتي، فيلعبْنَ معي، فإذا رأيْنَ رسول الله، انقمَعْنَ - تعني دخلْنَ خلف الستر حياءً وأدبًا - فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبحث عنهنَّ ويُدْخِلهُنَّ عليّ؛ ليلْعَبْنَ معي، وقد كان حاله في غضبه لا يقلُّ لُطفًا وصَفحًا عن حاله في السرور؛ تقول عائشة - رضي الله عنها - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غضبتُ يضع يدَه على منكبي، ويقول: ((اللهم اغفرْ لها ذنبَها، وأذهبْ عنها غيظَ قلبها، وأعذْها من الفتنة)). • ومما ورَد في جميل رِقَّته ولُطفه، ما جاء في البخاري من قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: ((إني لأعلم إذا كنتِ عليّ غَضْبى أو كنتِ عني راضية))، قالت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((إذا كنتِ عني راضية تقولين: لا ورَبِّ محمد، وإذا كنتِ علي غضبى، تقولين: لا ورَبِّ إبراهيم))، قالتْ عائشة: أجَل يا رسول الله، والله ما أهْجُر إلاَّ اسْمَك. لقد كان - صلى الله عليه وسلم - كريمَ الرِّفْق بزوجاته، يطيِّب خاطِرَ إحداهنَّ إذا أُسِيء إليها. ومن ذلك ما رواه الحاكم في المستدْرَك عن صفيَّة بنت حُيَي - وقد كانتْ يهوديْة فأسلمتْ وتزوَّجتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقول صفيَّة: دخَل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: ((يا بنت حُيَي، ما يُبكيك؟))، قالتْ: بلغني أنَّ عائشة وحفصة تنالان مني، تقولان: نحن خيرٌ منها، نحن بنات عمِّ النبي وزوجاته، تُرى كيف يُطيِّب الرسول خاطرَها؟ لقد قال لها في جميل كياسة، وحُسْن سياسة ليرضيَها: ((أفلا قلتِ لهنَّ كيف تكونان خيرًا مني، وأبي هارون، وعمِّي موسى، وزوجي محمد - صلى الله عليه وسلم)). إنه الخلُق الكريم في أروع صُوَره، وأجمل مَراميه: خُلُقٌ أَرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ وَرَحْمَةٌ **عَمَّتْ يشِيدُ بِذِكْرِهَا الرُّحَمَاءُ ![]() وَحُلِيتَ مِنْ شَرَفِ الأَمَانَةِ حُلَّةً **وَمِنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ رِدَاءُ ![]() صلوات الله وسلامه عليك يا صاحب الخُلق العظيم. [1] يخصف: يصلح. [2] القديد: اللحم المجفف بالشمس. [3] العريكة: الطبيعة: والمعنى: أنه كان - صلى الله عيله وسلم - مطاوعًا قليلَ الخلاف |
| العلامات المرجعية |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| المختار, المصطفى, النبى, ابا القاسم |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|