الموضوع: حديث القرآن
عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 08-11-2008, 11:03 PM
الصورة الرمزية أحمد حافظ جلال
أحمد حافظ جلال أحمد حافظ جلال غير متواجد حالياً
مدرس اللغة العربية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
المشاركات: 1,646
معدل تقييم المستوى: 0
أحمد حافظ جلال is an unknown quantity at this point
افتراضي

العاشر
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ ( سورة البقرة : 185 )
حديث عن الزمان الذي أنزل فيه وعن هدايته ومقاصده .
وفي الحديث عن الزمن تشريف لشهر رمضان وتعظيم، إذ اختص من بين الشهور بإنزال القرآن فيه ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ .
والشهر فيه قولان لأهل اللغة أشهرهما أنه اسم لمدة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهراً إلى أن يستتر، وسمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في العبادات والمعاملات وغيرها . الثاني : اسم للهلال نفسه .
ورمضان علم لهذا الشهر المخصوص، وقد قيل في تسميته برمضان لأنه وافق مجيئه في الرمضاء وهى شدة الحر فسمى به، وقيل لأنه يَرْمَضُ الذنوب أي يحرقها ويمحوها، وأما القرآن فهو في الأصل مصدر قرأت ثم صار علما لما بين الدفتين . وقد نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال الله عز وجل ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ ( سورة الدخان :3 ) وقال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ ( سورة القدر : 1 )
ثم نزل بعده مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم . هكذا روى من غير وجه عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وقوله ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾
حديث عن هداية القرآن وما يحققه في حياة الناس . لقد أنزله الله هدي لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه وأحسن اتباعه .
﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ ﴾ أي دلائل واضحات، وحججا جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل والحلال والحرام .
وما من شأن من شؤون الخلق إلا وللقرآن فيه إرشاد وبيان وتبصرة وذكرى . ويخطئ من يظن أن هداية القرآن عرضٌ يأبونها، أو يعرضون عنها، فيُتركون دون حساب وجزاء .
يخطئ من يظن أن القرآن ـ وهو الحق من ربهم ـ يُعرض عنه مَن يعرض، فلا يؤاخذ بذنب أو يحاسب على إعراض وترك . إنه الهدى والحق . وللهدى والحق نور ونار، فمن أبى النور فالنار موعده .
إن الكارهين للحق مأخذون به، والمعرضون عنه ماكثون في ناره ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ {74} لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ {75} وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ {76} وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ {77} لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ {78} ﴾ ( سورة الزخرف 74 ـ 78 )
إن القرآن الكريم ـ وهو يهدي في كل شأن للتي هى أقوم ـ به تتحدد مصائر الناس، وتتميز صفوفهم، فمن اتبع هداه اهتدى ونجا، ومن أعرض عنه ضل وخسر . وسيظل يدعو الناس إلى اتباعه ما بقيت الحياة، ثم هو ـ يوم القيامة ـ شافع شاهد، تسأل كل آية فيه عن فريضتها . ومن تدبر عرف النتائج، ومن استبصر أدرك العواقب ، ومن أبى النور والهداية في يومه ندم على ما فرط في غده ، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه « أخاف أن يقال لي يوم القيامة علمتَ أم جهلت َ ؟ فأقول علمتُ . فلا تبقى آية في كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا وتسألني فريضتها . تسألني الآمرة هل ائتمرت ؟ وتسألني الزاجرة هل ازدجرت ؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع » .
اللهم ارحمنا بالقرآن واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة واجعله لنا حجة يا رب العالمين .
الحادي عشر
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ( سورة البقرة : 252 )
والإشارة في قوله ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾ إلى قصة أولئك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وقصة طالوت وجالوت وما وقع فيها من عبر وعظات، وبيان سنة الله في دفعه النّاس بعضهم ببعض، ونصر من يستحق النصر وإن قل عدده، وخذلان من يستحق الخذلان وإن كثر جنده، وكل ذلك بإذن الله وفضله ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) ﴾ ( سورة البقرة : 250 ـ 252 )

﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ أي باليقين الثابت الذي لا يعتريه شك ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ بحيث تخبر بهذا القصص من غير أن تعرفه بقراءة كتب ولا استماع أخبار، فدّل ذلك على رسالتك ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ أي بشهادة إخبارك عن الأمم من غير مطالعة كتاب أو اجتماع يخبرك بذلك .
ولا أدل على رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن الحكيم : ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ ( العنكبوت : 48 ) والمناسبة بين قوله ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ وقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ بينة واضحة . فإن الآيات دالة على صدقه، وأنه مرسل من ربه.
ومثله ما جاء في قوله تعالى : ﴿ يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(4) ﴾ ( سورة يس : 1ـ4 )
فإن المقسم به ﴿ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾ دليل على صدق المقسم عليه، كافٍ في الدلالة على نبوته، وأنه مرسل من ربه ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ( العنكبوت : 51 ) ووصف القرآن بالحكيم في القسم على رسالة مَنْ أُرسِل ليعلِّم الناس الكتاب والحكمة فيه اتساق بين المقسم به والمقسم عليه .
إن هذا الكتاب الذي نزل بالحق يشهد بنفسه على نفسه بأنه خطاب رب العالمين للناس أجمعين، ويتحدى الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بسورة منه، ويقطع بأنهم لن يأتوا بمثله وإن اجتمعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؛ لأنه من عند الله الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت . وما كان من عند الله فهو الحق بلا شك أو امتراء . ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾
وهذه الحقيقة تحدد لطالب الحق مصدر المعرفة والتمسك بما هو حق، وبالحق يعرف الباطل لأنه ضده، وبه لا بغيره يكون الإصلاح ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ ( المؤمنون : 71 )
والناس مأمورون بأن يصلحوا في الأرض ولا يفسدوا، منهيون عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها . فلا بد من منهج وشرعة تُتّبع، يكون مصدرها الحق لا الهوى، والله هو الحق وقوله الحق، وقد أنزل الكتاب بالحق .
فإذا أراد الناس صلاحا لدنياهم وفلاحا في أخراهم فلا سبيل لذلك إلا باتباع ما نزل من الحق
﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ .
وهذا ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعمل به، وأن يبلغه الناس ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة الجاثية : 18 )
﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) ﴾ ( سورة الشورى : 15 )
وسيظل القرآن الكريم في ثباته وعزته ـ وهو الحق ـ يدعو إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يطفأ نوره ولا يتوقف مده . وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم وعن الكتاب المنزل عليه في آية واحدة بلا تفرقة تبصرة وذكرى للمؤمنين ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) ﴾
الثاني عشر
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿ ; الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (5) )هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 6) ﴾ ( سورة آل عمران : 1ـ 6 )
آيات فيها بيان عمن نزل الكتاب، ومن نزل عليه، وعن وصف هذا الكتاب، وما يهدي إليه . فالمنزِّل هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم، ولكل صفة من هذه الصفات دلالتها في الأخذ بما جاء في هذا الكتاب، والاعتصام به، وحسن اتباعه، ولها دلالتها كذلك في الجزاء، جزاء من صدق وآمن، ومن كذب وأعرض
﴿ ; لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) ﴾ النجم 31 والله لا يخفى عليه شئ من أمر هؤلاء وأولئك ﴿ ; إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴾ وفي قوله ﴿ ; نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ بيان للمنزَّل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول ما فيه من إشادة بالكتاب، وأنه الجدير بهذا الوصف دون سواه، ومن تكريم لمَنْ نزّل عليه بتوجيه الخطاب إليه
﴿ ; نَزَّلَ عَلَيْكَ ﴾ ، ومن بيان لمكانة المنزل، وحقيقته، وأنه منزل بالحق، فهو حق في ذاته وفيما يدعو إليه ، فليس للباطل إليه سبيل، فهو مصون بحفظ الله في الأرض وفي السماء ﴿ ; قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾( سورة النحل : 102) ﴿ ; وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ( الإسراء : 105)
﴿ ; نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ بيان لحقيقة هذا الكتاب، ومن نزله، ومن نزل عليه.
وقد سُبق بقوله ﴿ ; اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ ولا شئ أدعى للتمسك بالكتاب المنزل من معرفة هذه الحقيقة ﴿ ; اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ . إنها تحقق في نفس المتدبر المهابة والخشية، وحسن الإقبال عليه والاعتصام به . ومن عرف أن كتابا يأتيه من عظيم له شأن، أحسن استقباله وعمل بمقتضاه ـ ولله المثل الأعلى ـ والكتاب ـ الذي يُدعى الناس جميعا إلى الاستمساك به، وحسن اتباعه، وعدم الإعراض عنه ـ من الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، والرسول رسوله . وفي الكتاب دلالة على هذه الحقيقة لا تخفى . وفي الرسول كذلك وهو الأسوة والقدوة في بيان هذه الحقيقة . والله شاهد له وكفى بالله شهيدا . وأقوى الدلالات ما يجده الإنسان في نفسه وهو يتلو كتاب ربه، يجد هذه الخاصية الفريدة التي لا توجد إلا في هذا الكتاب ﴿ ; اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) ﴾ ( الزمر 23 ) . خصوصية دالة على أنه من الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم . وجدير به وتلك نسبته أن يكون كذلك في تأثيره، وفيما يخبر به أو يدعو إليه .
﴿ ; اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ إن حديث القرآن عن القرآن في هذا المقام بما اشتمل عليه يدعو إلى عبادة الله، وعدم الإشراك به، وحسن التوكل عليه .
فإن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، فهو المتفرد بصفة الألوهية، وهو الحي الذي يتوكل عليه، ولا يتوكل على غيره . فإن الإنس والجن يموتون والله حي لا يموت ﴿ ; وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ وهو القيوم الذي تقوم به كلّ حياة، وبه يقوم كلّ وجود، فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود له إلا به سبحانه . إن هذه الصفات وهى تذكر في الحديث عن القرآن تهيئ النفس لاستقبال ما يتلى، وتثير الخشية، وتدعو إلى صدق الإخلاص وحسن التقبل . لأن الذي نزل القرآن يستحق أن يُعْبَدَ، وأن يطاع ويتقى ، وهو أحق أن يُخشى . ومنهج عبادته وتقواه ما نُزِّل في هذا الكتاب على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد كان خلقه القرآن، فمن رام صلاحاً وفلاحاً في عاجله وآجله فعليه أن يتبع هذا المنهج في صدق وإخلاص واقتداء وحسن اتباع ﴿ ; وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ ( سورة الأنعام : 153 )
الكاتب: د / محمد الراوي
__________________
تهانينا لقد تم تحميل السرطان بنجاح
رد مع اقتباس