النحـوُ بين القاعـدةِ والنـصِّ
ملخص
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه الكرام ، وبعد ، فلقد أدى النحو العربي خدمة جليلة للغة والفكر والثقافة العربية منذ انطلقت مسيرته بملاحظات أبي الأسود الدؤلي وما تلاه من اشتداد العود حتى نضجت الثمرة على يد سيبويه فأودعها كتابه الفريد ، وواصل النحو مسيرته من بعدُ يشرح ويحلل ويقعِّد ، فالنحو أثر بارع من آثار العقل العربي والمسلم لا ريب ، لقد حافظ على العربية وصانها وأداها إلينا سليمة صحيحة صالحة لمواصلة المسيرة ...
ولكن النحو مع ذلك أصابه ما أصاب الحياة العربية ذاتها من تقلبات سياسية واجتماعية وثقافية ، وحين أسلمته الحياة إلى عصرنا كانت هذه الحياة نفسها ضعيفة تئن من وطأة القرون وما خلفه الساسة المتناحرون .. ثم الأتراك والاستعمار الغربي من جهالة وظلام وضعف في بنيان الأمة كله ، وإذا بنا نفيق على حقيقة هذا الضعف ونحاول جاهدين أن نتجاوزه ما بين تقدم ونكوص ، وإقبال وإدبار .
واللغة صورة الحياة ، تتفيأ ظلالها أو تصطلي نارها ، فهي المعبرة عنها والحاملة لكل أفكارها وأمورها ، والنحو أحد أعمدة اللغة .
ومن هنا فقد أصاب النحو ما أصاب الحياة واللغة من ضعف ، ونكص كثير من الناس عنه لأسباب صارت معلومة ، بعضها يرجع إلى الناس أنفسهم وبعضها يرجع إلى النحو نفسه .
ونحن ننادي ونحاول أن نخرج بالنحو من هذه الدائرة الضيقة التي دُفع إليها دفعاً ، وذلك بأن نصله بالحياة الحديثة ومناهج الدرس اللغوي المعاصر ، لكي يبني لنفسه منهجاً متكاملاً للتعامل مع النص ، كما تفعل مناهج النقد الأدبي وعلوم اللغة الأخرى .
وهذه الدراسة عن نحونا العربي بين نحو الجملة والقاعدة التراثي وبين نحو النص والسياق تحاول أن تضع لبنة في هذا الإطار ، وقد اخترت ميدان التطبيق من عملين لمؤلف واحد يمثلان الاتجاهين إلى حد كبير ، وهما المفصل والكشاف للزمخشري رحمه الله .
إن المفصل يمثل النحو التقليدي ، نحو الجملة والقاعدة ، وهذا النحو أساس لفهم اللغة لا ريب ، وهو الذي تربت عليه أجيال النحاة حتى عصرنا ، ولكنا نريد أن نتقدم خطوة إلى نحو أكثر شمولاً وعمقاً يساير الدرس اللغوي والنحوي المعاصر ، وفي تراثنا قليل من الدرس النحوي الذي ارتقى إلى ما يشبه نحو النص ، وقد وجدنا بعض ذلك في الكشاف للزمخشري .
ثمة فرق كبير بين صنيع الزمخشري في المفصل وصنيعه في الكشاف إنه في المفصل نحوي متوسط القدر بين النحاة – فيما نُقدِّر – موجِز للكلمات والمعاني ، يردد جلَّ ما قال النحاة قبله ، ولكنه في الكشاف نحوي ماهر متفرد بتحليلاته النادرة ، حتى لكأنّا بإزاء ذلك أمام شخصين مختلفين ، ولكن الحقيقة أن طبيعة التحليل النصي السياقي هي التي أظهرت العبقرية في الكشاف ، وأن طبيعة التأليف النحوي المبوب التي تواترت عند النحاة منذ كتاب سيبويه متشابهةَ العناوين والمباحث حتى الشواهد .. فرضت على الزمخشري طبيعة التأليف في المفصل .
أما في الكشاف فكان النص هادياً إلى مباحث ونكات نحوية دلالية أكثر عمقاً وثراءً ، وهذا ما نحاول استكشافه في هذه الدراسة .
وقد حاولت التعرف على لون جديد من الدرس النحوي هو نحو النص ، محاولاً الربط بينه وبين نحونا العربي ، نحوِ الجملة والقواعد في مجمله ، وفي رأينا أن كل تجديد يتجاوز القديم مباعداً ومنفّراً هو تجديد ناقص مبتور ، ومآله إلى الفشل لا ريب ، ولا يزال لنحونا العربي دوره الأساس في فهم العربية نطقاً وكتابةً ودلالة ، ونحو النص ما هو إلا محاولة ترقية وتأطير لذلك النحو في تنظير يؤهله للتعامل مع اللغة بمنهج أكثر شمولاً وتكاملاً
.
أما مباحث هذه الدراسة فهي على النحو الآتي :
المبحث الأول : بداية التأليف النحوي وأثرها في مسار النحو .
المبحث الثاني : نحو القواعـد والجملة .
المبحث الثالث : نحو النص .
المبحث الرابع : منهج الزمخشري النحويُّ بين المفصل والكشاف .
المبحث الخامس : مستويات التحليل النحوي في الكشاف .
المبحث السادس : نماذج تطبيقية من المفصل والكشاف .