
10-09-2016, 12:07 PM
|
|
|
(2)
أصدر عبد الفتاح السيسي القرار بقانون والذي يتيح له إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، بتاريخ 11 يوليو 2015، وقتها تنبأ الجميع بأن القرار صادر خصيصا لإقالة المستشار جنينة من منصبه، لم يكن جنينة قد أدلى بعد بتصريح الـ600 مليار جنيه فساد، حيث أنه أدلى به في النصف التاني من شهر ديسمبر من العام نفسه.
النية إذَا كانت مبيتة وواضحة لكل ذي عينين بأن الرئاسة عزمت على الإطاحة برئيس جهاز المحاسبات من قبل تصريح الـ600 مليار الذي جاء لاحقا على قرار العزل بأكثر من 5 شهور، والذي لم يكن أكثر من "ساعة الصفر" التي أعلنتها الدولة وأجهزتها وإعلامها لتنفيذ السيناريو المعد مسبقًا.
لكن ماذا فعل جنينة قبل صدور قانون العزل؟
قضى السيسي عاما كاملا في الرئاسة قبل إصدار القانون، وخلال هذا العام كان المستشار هشام جنينة شديد الإزعاج لمؤسسات الدولة وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، فتح ملفات ما كان لها أن تفتح، تحدث كثيرا في أمور يريدون لها أن تبدو سرية، ودخل أعشاش مراكز القوى التي تدير مصر فعلا.
البداية كانت سريعة جدا، تحديدا بعد أداء السيسي اليمين الدستورية بثلاثة أيام، في 11 يونيو نشرت "المصري اليوم" حوارا صادما مع المستشار جنينة، كشف فيه أنه في السابق كان القانون يمنع نشر بيانات من الجهاز، لكن دستور 2014 فرض على الجهات الحكومية نشر بياناتها طبقا لحق المواطن فى الحصول على المعلومات، وقال إنه يؤمن بالنشر كوسيلة من وسائل مواجهة الفساد، لأن أفضل رقابة على المال العام هى الرقابة الشعبية.
هذا خيط يمكن من خلاله فهم ما حدث لاحقا، فالدستور "الذي كتب بنوايا حسنة" فرض على الجهاز نشر بياناته وتقاريره للرأي العام، هذا يعني أن وجود شخصية غير موالية في هذا المكان خطر حقيقي على الفساد ومن يحميه، لا سيما أن كلام جنينة في الحوار نفسه أكد هذه المخاوف.
كشف رئيس الجهاز عن التجاوزات المالية الخطيرة التي كشفها وأحالها إلى الجهات المعنية كالفساد فى منظومة أراضي طرح النهر والجزر النيلية، وتجاوزات منظومة النقل البحرى التي أدت إلى غرق العبارة "السلام 98"، وتجاوزات خطيرة في قطاع البترول، بالإضافة لموضوع الصناديق الخاصة الذي تحدث فيه الرجل بإسهاب فأكد أن الجهات الحكومية مازالت تفتح حسابات خاصة بشكل غير قانوني خارج البنك المركزى حتى تكون بعيدة عن الأنظار ولا يكون لأحد رقابة عليها، وكشف أن بعض هذه الجهات تفرض رسوما على المواطنين دون قرار لا تذهب إلى خزانة الدولة بل إلى حسابات الصناديق.
لم يتوقف جنينة عند ذلك الحوار الذي أدخله في صدام مع بؤر فساد عديدة ونافذة في الوقت نفسه، بل خرج مرة أخرى في 12 نوفمبر 2014 ليفتح جبهة جديدة مع وزارة الداخلية، ويكشف أن الوزارة ما زالت ترفض إطلاع الجهاز على مستنداتها المالية، رغم توسط رئيس الوزراء "وقتها" المهندس إبراهيم محلب لإقناع الوزارة بالموافقة على ذلك.
وأكد جنينة أن هناك مخالفات كثيرة جدا في الداخلية تصل إلى مليارات الجنيهات، تم إهدارها سواء فى الصناديق الخاصة أوغيرها، وكشف أن الأمن الوطني له مخالفات كثيرة في الحزام الأخضر وقام ببناء وحدات سكنية بالمخالفة للقانون، وأن مصلحة الأمن العام وديوان الوزارة خاصة المقربين من الوزير هي أكثر قطاعات الوزارة فسادًا.
لم تسلم الجهات الرقابية نفسها من سهام نقد الرجل، ففي حواره مع جريدة الشروق قال في سطر عابر لكنه يحمل دلالات كثيرة تفسر ما حدث فيما بعد: "إذا كانت الجهة الرقابية المنوط بها مناهضة الفساد شريكة فى هذا الفساد، فالطبيعى أن يثير الكشف عن فساد تلك الجهة ردود فعل قوية"
وفي يناير 2015 فتح جنينة جبهة جديدة بإرساله خطاباً للمجلس الأعلي للقضاء يطالب فيه بتمكين الجهاز من مراقبة ميزانية نادي القضاة، وتضمن الخطاب الموجه لرئيس مجلس القضاء الأعلي المستشار حسام عبد الرحيم، الذي تم تعيينه قبل أيام وزيرا للعدل، مذكرة الشئون القانونية للجهاز والتي تفيد برفض النادي قيام الجهاز المركزي بالرقابة علي أعماله المالية والمخزنية.
بالطبع خاض نادي القضاة حربا شرسا لمنع ذلك، وبعد إرسال الخطاب لرئيس مجلس القضاء الأعلى بـ5 شهور لم يكن الجهاز تمكن بعد من إدخال أعضائه النادي، لذلك خرج جنينة مرة أخرى في مايو 2015 ليؤكد أن المجلس الأعلى لم يرد على خطابه، ولم يتم التوصل إلى حل لتمكين الجهاز من الرقابة على النادي، وأكد أنه أخطر أيضا مجلس الوزراء بالمشكلة ولم يتم الرد أيضا.
كل هذه المعارك التي خاضها المستشار جنينة في عام واحد، وكل هذه الجبهات التي فتحها وأعشاش الدبابير التي دخلها حفاظا على المال العام الذي يتم نهبه، تلاها قانون السيسي لعزل رؤساء الهيئات المستقلة والذي بدا بوضوح أنه محاولة للتخلص من شخص يملك رغبة حقيقية لكشف الفساد، ويملك حصانة تمنع إقالته أو ملاحقته قضائيا، ويملك كذلك نصا دستوريا يتيح له إطلاع الرأي العام على تقاريره وأعماله.
يُـتـبــــــــــــــع
|