تابع
بالمقارنة، كان تدخّل الجيش بطيئاً في عهد مبارك. وقد نجحت الاحتجاجات والتظاهرات العمّالية في عرقلة الأعمال في العين السخنة (على البحر الأحمر)، وأغلقت المنشآت الشرقية لمرفأ بور سعيد لثلاثة أيام في ربيع العام 2013؛ وحوّلت العديد من شركات الشحن البحرية طرقها وأفرغت حمولتها في إسرائيل لتجنُّب التأخير. لكن العمل استُؤنِف في نهاية المطاف في كلا الموقعين بعد انتهاء المفاوضات مع القادة النقابيين. لكن، وحين لم تُطبَّق الاتفاقات بعد نحو السنة في ظل حكومة السيسي الجديدة، تم إرسال قوات الشرطة والجنود من الجيش الثالث لتفريق المضربين في بور سعيد وفي العين السخنة، وعمد أفراد الشرطة العسكرية إلى تفريغ السفن المُنتظرة وخدمتها بأنفسهم. هذه المقارنة الفاقعة في ميل الجيش إلى التدخّل، تشي بوجود استراتيجية هادفة مُصمَّمة لمفاقمة التعثّرات الاقتصادية لحكومة حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين.
طيلة فترة مابعد الثورة، استخدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة استثماراته الاستراتيجية للتأثير على أسلوب تغطية الأخبار. وفي البيانات العامة التي تُبرِز ماوصفه اللواء الركن نصر بالمساهمات الخيرية للقوات المسلحة المصرية في الاقتصاد المصري، تحدّث نصر عن منح 58 مليون دولار إلى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري. لكن مالَم يفصح عنه هو أن الهيئة العربية للتصنيع التابعة للجيش مُستثمِرة إلى جانب الاتحاد في شركة الفضائية المصرية. وهذه الشركة، المعرفة بـ"نايلسات"، أثبتت أنها شريك يُعتَدّ به للجيش في الثورة في خريف العام 2013،
تحالف مع الإخوان المسلمين
ساعدت أيضاً الخطوات التي اتّخذتها قيادة القوات المسلحة لتشكيل النظام السياسي، في فترة مابعد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الجيشَ في الحفاظ على سيطرته المؤسّسية على موارد اقتصادية رئيسة، بل وتوسيعها كذلك. فقد نجح الجيش في الحصول على ضمانات دعم (أو على الأقل عدم التدخّل) في قضايا أساسية من جانب القيادة المُنتخَبة لحزب الحرية والعدالة. كما حاول القادة العسكريون توجيه السياسة الاقتصادية العليا في اتجاه يُفيد على نحو انتقائي عملياتهم، وانخرطوا في حمأة مناورات سياسية حذقة وبارعة، هدفت إلى تهميش أو استلحاق العديد من مراكز القوى التابعة للنظام السابق.والواقع أن العديد من السياسات التي مورِسَت في حقبة مابعد الثورة من جانب كلٍّ من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومرسي (على غرار وقف دعم الوقود لمؤسسات الصناعية)، لم تشكِّل تهديداً يُذكَر للأنشطة الاقتصادية للجيش، لأن بنود الدعم للجيش غير منصوص عليها في التنظيمات، وبالتالي لاتتأثر بقطع الدعم. ولأن الميزانية العمومية للجيش (وبالتالي أيضاً أكلافها من الطاقة) أُبقيَت سرّية، فقد بدا المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنه صانع قرار مسؤول مالياً، لكن في الحقيقة وقع العبء بشكل غير متناظر على منافسي الجيش.
لكن الأكثر أهمية أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضَمَنَ أن الأحزاب السياسية الرئيسة المشتركة في النظام الانتخابي الجديد، ستدعم استمرار حصانة الجيش من الرقابة على الموازنة. وعلى الرغم من بعض المطالب الأوّلية لفرض المحاسبة، لم يستطِع جهاز الكسب غير المشروع تطبيق السلطان القضائي على الضباط العسكريين، وهذا يعود جزئياً إلى أن العديد من الخبراء القضائيين وضعوا الأولوية لملاحقة عصبة رجال الأعمال وثيقة الصلة بمبارك، بدلاً من وضع الجيش تحت السلطة القضائية المدنية.
بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن المبادئ الدستورية نفسها التي تضمّنت الحصانة القانونية للجيش، والتي أثارت سابقاً إدانة عنيفة وقاسية من قِبَل حزب الحرية والعدالة، أُدخِلَت في خاتمة المطاف إلى الدستور الذي عُرِضَ على مرسي في كانون الأول/ديسمبر 2012. 29 كما تم في الدساتير اللاحقة ضمان إعفاء الجيش من الحظر على العمل الإجباري (ماسمح باستمرار نظام أعمال الخدمة في الجيش)، وأيضاً ضمان سريّة المؤسسات المالية الخاصة بالقوات المسلحة. وقبل ذلك، كانت جماعة الإخوان المسلمين قد ضبطت بحزم أنصارها الشباب وحفّزتهم على عدم المشاركة في الاحتجاجات المناوئة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في الأشهر التي سبقت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام 2012، كما أفرغت المطالب الخاصة بمحاسبة الجيش من معظم زخمها.
لكن هذه التسوية المؤقّتة بين حزب الحرية والعدالة والجيش أثبتت أنها من عمر الورود، مع أنها كانت واضحة في مروحة من المجالات: من إنهاء الحظر كأمرٍ واقعٍ على ترقية الجنود واضحي التديّن (بما في ذلك إدخال ابن أخ مرسي إلى أكاديمية تدريب عسكري في آذار/مارس 2013)، إلى الدعم الصريح للسلطة العسكرية غداة التقرير الحكومي في العام 2013، والذي أظهر بجلاء أن جنوداً ورجال شرطة ارتكبوا جرائم خطيرة خلال الثورة وماتلاها من اعتقالات. كما أورد الإعلام المصري بنود الصفقات المزعومة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين حزب الحرية والعدالة، والتي شملت "خروجاً آمناً" يوفّر حصانة لأعضاء المجلس الأعلى؛ واتفاقاً بألا يطرح حزب الحرية والعدالة مرشحاً للرئاسة لايعتبره الجيش مقبولاً؛ وترتيباً يمنح الجيش السيطرة على السياسة الاقتصادية العليا، فيما هو يترك السلطان القضائي على وزارات الخدمات (وزارات التعليم والشباب والثقافة، إلخ) في يد جماعة الإخوان.
علاوة على ذلك، ناسب إعلان مرسي الانفرادي الخاص بإنهاء خصخصة شركات القطاع العام، السردية عن وفاقٍ بين القوات المسلحة وحزب الحرية والعدالة، لأن المصانع العسكرية كان يُحتمَل أن تكون على خط الخصخصة في الجولة التالية من عملية البيع. والأمر نفسه انسحب على خطوات مرسي في تنفيذ التنقّلات في بعض مواقع السلطة العسكرية (بما في ذلك أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة)، وفي إبعاد ضباط رفيعي الرتب عبر تعيينهم في مواقع مُربِحة ونافذة في هيئة قناة السويس، والهيئة العربية للتصنيع، ومناصب في وزارة الدفاع، وأيضاً في اختيار بدائلهم من بين صفوف كبار القادة.إضافة إلى ذلك، وعد مرسي بمعالجة بعض تظلّمات الجيش، متعهّداً بإعادة نشر القوات المسلحة في سيناء وتنويع مصادر مصر الأجنبية من الأسلحة والتدريب.
عدا هذه اللائحة من الوفاقات، ثمة مثل فاقع الوضوح لكيفية نجاح الجيش في تحسين موقعه الاقتصادي عبر التحالف مع حزب الحرية والعدالة، تجسّد في المشاريع التي حظيت باهتمام عام، والتي أعلنتها القوات المسلحة إبان ولاية مرسي.فقد كشف إعلان في العام 2013 نُشر على الموقع الالكتروني الرسمي لحزب الحرية والعدالة، النقاب عن أن وزارة الإنتاج الحربي "استحوذت" على شركة نصر لصناعة السيارات "ناسكو"،وهي الشركة المتهالكة والغارقة للغاية في لجج الديون. لقد كانت صناعة وتجميع سيارات الركاب والعربات الأخرى غير العسكرية مركزية دوماً للنجاح الاقتصادي للجيش المصري، لأن التكنولوجيات والتسهيلات والمعدات المتوافرة من خلال التصنيع التعاوني للعربات العسكرية، يمكن أيضاً استخدامها في إنتاج السيارات المدنية التي يبيعها الجيش في السوق المحلية.
والواقع أن صناعة سيارات محلية الصنع حقاً كانت أساساً تُعتبَر عاملاً حاسماً في عملية تحديث مصر، ولذلك كانت إعادة إحياء شركة "ناسكو" رمزية للغاية. ثم برزت علامة حسن نية أخرى بين القوات المسلحة وحزب الحرية والعدالة خلال زيارة مرسي لروسيا في نيسان/أبريل 2013، حين حصل على وعد من موسكو باستثمار أموال الدولة الروسية في شركة السيارات المصرية العليلة، والتي حصلت القوات المسلحة على أصولها مجاناً.ويمكن كذلك معاينة الشراكة الاقتصادية قصيرة العمر التي أبرمها حزب الحرية والعدالة مع الجيش في "الآي باد المصري" الذي حظي بدعاية مبالغ فيها، وهو جهاز كمبيوتر لوحي يُدعى "إينار" Inar. فمع أن هذا المشروع كان قيد العمل منذ سنوات، إلا أن التقدّم لم يُحرَز فيه إلا في صيف العام 2013، حين أعلنت الحكومة التي يقودها حزب الحرية والعدالة عن مناقصة عامة كبيرة. ووفقاً لصحيفة "دايلي نيوز مصر" Daily News Egypt، تقدّمت ثلاثة تكتّل شركات بعروض المناقصة ، بينها اثنتان تتكوّنان من شركات أجنبية متعدّدة الجنسيات. لكن مالَم يوضحه تقرير الصحيفة هو أن التكتلات الثلاث كلها تضمنّت شركات يملكها الجيش، منها الهيئة العربية للتصنيع، شركة "بنها" للإلكترونيات (وهي جزء من وزارة الإنتاج الحربي) والشركة العربية لتصنيع أجهزة الكومبيوتر التي تشمل لائحة مالكي الأسهم فيها الهيئة العربية للتصنيع، وشركة "بنها"، ووزارة الإنتاج الحربي.
ومثله مثل مشروع إحياء شركة "ناسكو"، نُشِر مشروع الكومبيوتر اللوحي المصري على الموقع الالكتروني لحزب الحرية والعدالة، الذي فاخر أيضاً بطلبات الاستيراد المُقدمة للكومبيوتر اللوحي من الكويت وقطر والسعودية، إضافة إلى طلبات عديدة تقدّمت بها مختلف وزارات الحكومة المصرية. وقد رسَت المناقصة في نهاية الأمر على شركة "بنها"، مع أن الكثيرين في قطاع التكنولوجيا المصري أطلّوا على مشروع "إينار" بوصفه مخاطرة تضمّنت مبالغات في الترويج له، وشكّكوا في قدرة تكتل الشركات الفائز على برمجة نظام عملاني أساسي للكومبيوتر اللوحي الجديد.
مشروع قناة السويس وتوترات في العلاقة
يتبع