رابعًا: مشاورته صلى الله عليه وسلملأصحابه:
بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم المعلومات الكاملة عن جيش كفار قريش جمع أصحابه رضي الله عنهم وشاورهم في البقاء في المدينة والتحصن فيها أو الخروج لملاقاة المشركين، وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة، وقال: «إنا في جنة حصينة»([28]) فإن رأيتم أن تقيموا وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول([29]) مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن رجالاً من المسلمين ممن كان فاته بدر قالوا: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا.
قال ابن كثير: (وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرًا، قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة)([30]).
وقال ابن إسحاق: فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، فلبس لأمته([31]), فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره، فاذهب يا حمزة فقل لنبي الله صلى الله عليه وسلم: (أمرنا لأمرك تبع) فأتى حمزة فقال له: (يا نبي الله إن القوم تلاوموا، فقالوا: أمرنا لأمرك تبع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل»([32]).
كان رأي من يرى الخروج إلى خارج المدينة مبنيًا على أمور منها:
1- أن الأنصار قد تعاهدوا في بيعة العقبة الثانية على نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أغلبهم يرى أن المكوث داخل المدينة تقاعس عن الوفاء بهذا العهد.
2- أن الأقلية من المهاجرين كانت ترى أنها أحق من الأنصار في الدفاع عن المدينة ومهاجمة قريش وصدها عن زروع الأنصار.
3- أن الذين فاتتهم غزوة بدر كانوا يتحرقون شوقًا من أجل ملاقاة الأعداء طمعًا في حصول الشهادة في سبيل الله.
4- أن الأكثرين كانوا يرون أن في محاصرة قريش للمدينة ظفرًا يجب ألا تحلم به، كما توقعوا أن وقت الحصار سيطول أمده, فيصبح المسلمون مهددين بقطع المؤن عنهم([33]).
أما من وجهة نظر من يرى البقاء في المدينة فهو مبني على التخطيط الحربي الآتي:
1- أن جيش مكة لم يكن موحد العناصر، وبذلك يستحيل على هذا الجيش البقاء زمنًا طويلاً إذ لا بد من ظهور الخلاف بينهم إن عاجلاً أو آجلاً.
2- أن مهاجمة المدن المصممة على الدفاع عن حياضها وقلاعها وبيضتها أمر بعيد المنال, وخصوصا إذا تشابه السلاح عند كلا الجيشين، وقد كان يوم أحد متشابهًا.
3- أن المدافعين إذا كانوا بين أهليهم فإنهم يستبسلون في الدفاع عن أبنائهم وحماية نسائهم وبناتهم وأعراضهم.
4- مشاركة النساء والأبناء في القتال وبذلك يتضاعف عدد المقاتلين.
5- استخدام المدافعين أسلحة لها أثر في صفوف الأعداء مثل الأحجار، وغيرها, وتكون إصابة المهاجمين في متناولهم([34]).
من الواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم عوَّد أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم حتى ولو خالفت رأيه، فهو إنما يشاورهم فيما لا نص فيه تعويدًا لهم على التفكير في الأمور العامة ومعالجة مشاكل الأمة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرأي، ولم يحدث أن لام الرسول صلى الله عليه وسلم أحدًا؛ لأنه أخطأ في اجتهاده ولم يوفق في رأيه، وكذلك فإن الأخذ بالشورى ملزم للإمام, فلابد أن يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم التوجيه القرآني: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )[آل عمران: 159], لتعتاد على ممارسة الشورى وهنا يظهر الوعي السياسي عند الصحابة رضوان الله عليهم، فرغم أن لهم إبداء الرأي, فإنه ليس لهم فرضه على القائد, فحسبهم أن يبينوا رأيهم ويتركوا للقائد حرية اختيار ما يترجح لديه من الآراء، فلما رأوا أنهم ألحوا في الخروج وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عزم على الخروج بسبب إلحاحهم، عادوا فاعتذروا إليه، لكن الرسول الكريم علمهم درسًا آخر هو من صفات القيادة الناجحة وهو عدم التردد بعد العزيمة والشروع في التنفيذ، فإن ذلك يزعزع الثقة بها ويغرس الفوضى بين الأتباع([35]).
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على الخروج وقد أعلن حالة الطوارئ العامة وتجهز الجميع للقتال، وأمضوا ليلتهم في حذر, كلٌّ يصحب سلاحه ولا يفارقه، حتى عند نومه، وأمر صلى الله عليه وسلم بحراسة المدينة، واختار خمسين من أشداء المسلمين ومحاربيهم بقيادة محمد بن مسلمة t. واهتم الصحابة بحراسة رسول الله، فبات سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وسعد بن عبادة في عدة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ليلة الجمعة مدججين بالسلاح في باب المسجد يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم([36]).
خامسًا: خروج جيش المسلمين إلى أحد:
أ- من الأسباب المهمة التي اتخذها صلى الله عليه وسلم لملاقاة أعدائه اختياره لوقت التحرك والطريق التي تناسب خطته، فقد تحرك بعد منتصف الليل، حيث يكون الجو هادئًا، والحركة قليلة، وفي هذا الوقت بالذات يكون الأعداء، غالبا, في نوم عميق لأن الإعياء ومشقة السفر قد أخذا منهم مجهودًا كبيرًا.
ومن المعروف أن من نام بعد تعب يكون ثقيل النوم، فلا يشعر بالأصوات العالية والحركة الثقيلة، قال الواقدي رحمه الله: ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدلج, فلما كان في السحر قال: «أين الأدلاء؟»([37]) ثم إنه صلى الله عليه وسلم اختار الطريق المناسب الذي يسلكه حتى يصل إلى أرض المعركة، وذكر صفة ينبغي أن تتوافر في هذا الطريق وهي السرية، حتى لا يرى الأعداء جيش المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «من رجل يخرج بنا على القوم من طريق لا يمر بنا عليهم؟» فأبدى أبو خيثمة t استعداده قائلا: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلك به في مال لربعي بن قيظي، وفي رواية ابن هشام: لمربع بن قيظي وكان رجلاً منافقًا ضرير البصر، فلما أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، قام يحثو في وجوههم التراب، وهو يقول: إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي، وقد ذكر أنه أخذ حفنة من تراب بيده، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد، لضربت بها وجهك، فابتدره القوم لي***وه، فقال لهم: لا ت***وه, فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني الأشهل([38]) قبل نهي رسول الله عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجه([39]).
ولا شك في أن مروره صلى الله عليه وسلم بين الأشجار والبساتين يدلنا على حرصه صلى الله عليه وسلم على الأخذ بالاحتياطات الأمنية المناسبة في أثناء السير؛ لأن الطرق العامة تكشف للأعداء على مقدار قوات المسلمين, وهذا أمر محذور، فالرسول صلى الله عليه وسلم علم الأمة الأخذ بالسرية من حيث المكان، ومن حيث الزمان، لئلا يستطيع الأعداء معرفة قواتهم فيضعوا الخطط المناسبة لمجابهتها، وبذلك يذهب تنظيم القادة وإعدادهم لجيوشهم في مهب الرياح.
وفي هذا الخبر تطبيق عملي لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إذا تعارضت المصلحتان فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما مر بالجيش في أرض المنافق مربع بن قيظي، وترتب على ذلك إفساد المزرعة، لكن فيه مصلحة للجيش باختصار الطريق لهم إلى أحد، فبين صلى الله عليه وسلم أن ما يكون به مصلحة للدين مقدم على ما سواه من المصالح الأخرى، فهنا تعارضت مصلحتان مصلحة عامة ومصلحة خاصة، ومصلحة الدين في هذا الموقف مصلحة عامة وهي مقدمة على المصلحة الخاصة، وهي مصلحة المال([40]). وقد رتب الشارع الحكيم مقاصد الشرع في تحقيق المنافع لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها([41])، فإذا نظرنا إلى كليات الدين الخمس وأهميتها وجدنا أن هذه الكليات متدرجة حسب الأهمية: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فما يكون به حفظ الدين مقدم على ما يكون به حفظ النفس عند تعارضهما، وما يكون به حفظ النفس مقدم على ما به يكون حفظ العقل، وما به يكون حفظ النسل مقدم على ما به حفظ المال، والترتيب بهذا الشكل من هذه الكليات يحظى باتفاق العلماء([42]).
ب- انسحاب المنافق ابن سلول بثلث الجيش: عندما وصل جيش المسلمين الشواط([43]) انسحب المنافق ابن سلول بثلاثمائة من المنافقين بحجة أنه لن يقع قتال مع المشركين، ومعترضًا على قرار القتال خارج المدينة قائلا: (أطاع الولدان ومن لا رأي له، أطاعهم وعصاني، علام ن*** أنفسنا)([44]). وكان هدفه الرئيس من هذا التمرد أن يحدث بلبلة واضطرابًا في الجيش الإسلامي لتنهار معنوياته, ويتشجع العدو، وتعلو همته، وعمله هذا ينطوي على خيانة عظيمة، وبغض الإسلام والمسلمين، وقد اقتضت حكمة الله أن يمحص الله الجيش ليظهر الخبيث من الطيب، حتى لا يختلط المخلص بالمغرض، والمؤمن بالمنافق([45]) قال تعالى: ( مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ )[آل عمران: 179]. فالجبن والنكوص هما اللذان كشفا عن طوية المنافقين, فافتضحوا أمام أنفسهم وأمام الناس قبل أن يفضحهم القرآن([46]).
ج- موقف عبد الله بن عمرو بن حرام من انخذال المنافقين: حاول عبد الله بن حرام t إقناع المنافقين بالعودة فأبوا، فقال: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه([47]). وفي هؤلاء المنخذلين نزل قول الله تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ` وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ )[آل عمران: 166، 167].
د- بنو سلمة، وبنو حارثة: ولما رجع ابن أبي ابن سلول وأصحابه همت بنو سلمة وبنو حارثة أن ترجعا، ولكن الله ثبتهما وعصمهما، قال جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية فينا: ( إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )[آل عمران: 122] بني سلمة، وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: ( وَاللهُ وَلِيُّهُمَا )([48]).
لقد أثر موقف المنافقين في نفوس طائفتين من المسلمين ففكروا بالعودة إلى المدينة، ولكنهم غالبوا الضعف الذي ألم بهم، وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاهم الله تعالى فدفع عنهم الوهن فثبتوا مع المؤمنين.
وقد ظهر رأيان في أوساط الصحابة تجاه موقف ابن سلول، فالأول: يرى *** المنافقين الذين خذلوا المسلمين بعودتهم وانشقاقهم عن الجيش، والثاني: لا يرى ***هم، وقد بين القرآن الكريم موقف الفريقين([49]) في الآية: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً )[النساء: 88].
هـ – الاستعانة بغير المسلمين: عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكان يدعي الشيخين رأى كتيبة لها صوت وجلبة فقال: ما هذه؟ فقالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول من يهود فقال صلى الله عليه وسلم: «لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك»([50]), وهذا أصل وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الركون إلى أعداء الإسلام في الاستنصار بهم([51]).
و- رد النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة لصغر سنهم: رد النبي صلى الله عليه وسلم في معسكره بالشيخين جماعة من الفتيان لصغر أعمارهم، إذ كانوا في سن الرابعة عشرة أو دون ذلك، منهم عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، بلغ عددهم أربعة عشر صبيًا, وقد ثبت أن ابن عمر كان منهم([52]), وأجاز منهم رافع بن خديج لما قيل له: إنه رامٍ، فبلغ ذلك سمرة بن جندب فذهب إلى زوج أمه مري بن سنان بن ثعلبة عم أبي سعيد الخدري وهو الذي ربى سمرة في حجره يبكي, وقال له: يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعًا وردني، وأنا أصرع رافعًا، فرجع زوج أمه هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى رافع وسمرة فقال لهما: «تصارعا» فصرع سمرة رافعًا فأجازه كما أجاز رافعًا، وجعلهما من جنده وعسكر كتائبه، ولكل منهما مجاله واختصاصه([53]).
ونلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز رافعًا وسمرة لامتياز عسكري امتازا به على أقرانهما, ورد صغار السن خشية ألا يكون لهم صبر على ضرب السيوف، ورمي السهام، وطعن الرماح، فيفروا من المعركة إذا حمي الوطيس، فيحدث فرارهم خلخلة في صفوف المسلمين([54]).
ونلحظ أن المجتمع الإسلامي يضج بالحركة، ويسعى للشهادة شيبًا، وشبابًا، وحتى الصبيان يقبلون على الموت ببسالة، ورغبة في الشهادة، تبعث على الدهشة، دون أن يجبرهم قانون التجنيد، أو تدفع بهم قيادة إلى ميدان القتال، وهذا يدل على أثر المنهج النبوي الكريم في تربية شرائح الأمة المتعددة على حب الآخرة والترفع عن أمور الدنيا.
سادسًا: خطة الرسول صلى الله عليه وسلم لمواجهة كفار مكة:
أ- وضع الرسول صلى الله عليه وسلم خطة محكمة لمواجهة المشركين من قريش، حيث اختار الموقع المناسب، وانتخب من يصلح للقتال، ورد من لم يكن صالحًا، واختار خمسين منهم للرماية، وشدد الوصية عليهم، وقام بتقسيم الجيش إلى ثلاث كتائب، وأعطى اللواء لأحد أفراد الكتيبة، وهذه الكتائب هي:
1- كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها مصعب بن عمير t.
2- كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطى لواءها أسيد بن حضير t.
3- كتيبة الخزرج من الأنصار، وأعطى لواءها الحباب بن المنذر t([55]).
ب- وكان صلى الله عليه وسلم من هديه يحرض أصحابه على قتال الأعداء، ويحثهم على التحلي بالصبر في ميادين القتال، لكي تتقوى روحهم المعنوية ويصمدوا عند ملاقاة أعدائهم، ومن ذلك ما فعله يوم أحد، وفي ذلك يقول الواقدي، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس: «يا أيها الناس، أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطن نفسه له على الصبر واليقين والجد والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم الله رشده، فإن الله مع من أطاعه وإن الشيطان مع من عصاه، فافتتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي آمركم فإني حريص على رشدكم، فإن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف مما لا يحب الله ولا يعطي عليه النصر
ولا الظفر» ([56]).
ويتضح من هذه الخطبة عدة أهداف منها:
1- الحث على الجد والنشاط في ميدان الجهاد.
2- الحث على الصبر عند قتال الأعداء.
3- بيان مساوئ الاختلاف والتنازع([57]).
إن هذا الهدي المبارك الذي سنه صلى الله عليه وسلم يعلمنا حقائق ثابتة وهي أن الجيوش مهما عظم تسليحها وتنظيمها فإن ذلك لا يغني شيئًا إلا إذا حملته نفوس قوية تحرص على الموت أشد من حرصها على الحياة، وهذا يكون بتعبئة الجنود بالموعظة والتوجيه وغرس حب الجهاد والشهادة في نفوسهم.
ج- أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية جبل أُحُد لحماية جيش المسلمين، فعندما وصل جيش المسلمين إلى جبل أحد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم ظهورهم إلى الجبل ووجوههم إلى المدينة، وانتقى خمسين من الرماة تحت إمرة عبد الله بن جبير([58]). ووضعهم فوق جبل عينين المقابل لجبل أحد، وذلك يمنع التفاف جيش المشركين حول جيش المسلمين, وأصدر أوامره إليهم قائلا: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»([59]).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش: لا تبرحوا حتى أؤذنكم، وقال: لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال. وقال لأمير الرماة: «انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا»، وقال للرماة: «الزموا مكانكم لا تبرحوا منه، فإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نُ*** فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا, وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم»([60]).
سيطر المسلمون على المرتفعات وتركوا الوادي لجيش مكة ليواجه أُحدًا وظهره إلى المدينة، وأصبحت مهمة الرماة في النقاط التالية: احتلال الموقع، حماية المسلمين من الخلف، صد الخيل عن المسلمين([61]).
د- تسوية الصفوف وتنظيم الجيش: تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصفهم على هيئة صفوف الصلاة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على رجليه يسوي تلك الصفوف، ويبوئ أصحابه للقتال يقول: تقدم يا فلان، وتأخر يا فلان، فهو يقومهم...، حتى استوت الصفوف([62]). فوضع صلى الله عليه وسلم في مقدمة الصفوف الأشداء، لكي يفتحوا الطريق لمن خلفهم, وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب؛ لأنه أبلغ في قتال الأعداء([63]).
هـ- عدم القتال إلا بأمر من القائد: قال الطبري: فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال» ([64]). وفي هذا التوجيه فائدة مهمة وهي توحيد القيادة والمسئولية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أدرى بالمصلحة.
* * *
([1]) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، محمد بامدحج، ص71.
([2]) انظر: تفسير ابن كثير (2/341) طبعة دار السلام.
([3]) انظر: فتح القدير (309). (4) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص71.
([5]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/68). (2) المصدر نفسه (3/79).
([7]) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص74.
([8]) وادعهم: أي صالحهم وسالمهم. (5) انظر: المغازي للواقدي (1/195، 196).
([10]) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص75.
([11]) البداية والنهاية (4/11) المغازي للواقدي، (1/199).
([12]) الأحابيش: من اجتمع إلى العرب وانضم إليهم.
([13]) الظعن: النساء، واحدتها ظعينة، والظعينة المرأة في الهودج.
([14]) انظر: الإصابة (8/346) رقم 11860. (5) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/70).
([16]) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص78.
([17]) انظر: غزوة أحد لأبي فارس، ص17.
([18]) المصدر نفسه، ص16.
([19]) انظر: الرحيق المختومللمباركفوري، ص250.
([20]) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/812).
([21]) أوعبوا: خرجوا بجميع ما عندهم من السلاح. (2) انظر: مغازي الواقدي (1/204).
([23]) الأكبار: جمع كبر: والكبر هو: الطبل الذي له وجه واحد وهو فارسى معرب.
([24]) انظر: مغازي الواقدي (1/207، 208). (5) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/187).
([26]) انظر: السيرة الحلبية (2/489). (2) انظر: غزوة أحد لأبي فارس، ص22.
([28]) انظر: تاريخ الطبري، (2/60). (4) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص82.
([30]) انظر: البداية والنهاية (4/14). (6) لأمة الحرب: عدتها.
([32]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/71).
([33]) انظر: غزوة أحد، أحمد عز الدين، ص51، 52.
([34]) انظر: القيادة العسكرية للرشيد، ص374.
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/380).
([36]) انظر: غزوة أحد، لأبي فارس ص34، 35.
([37]) انظر: المغازي للواقدي (1/217).
([38]) بنو الأشهل: حي من الأنصار. (2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/73).
([40]) انظر: غزوة أحد، دراسة دعوية، ص168.
([41]) انظر: ضوابط المصلحة، محمد رمضان البوطي، ص23.
([42]) انظر: المقاصد العامة للشريعة، يوسف حامد العالم، ص166.
([43]) الشواط: اسم حائط، أي بستان، بين المدينة وأحد.
([44]) انظر: البداية والنهاية (4/14). (2) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص84.
([46]) انظر: مرويات غزوة أحد، حسين أحمد، ص71. (4) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص277.
([48]) البخاري في المغازي، باب إذ همت طائفتان رقم4051.
([49]) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (3/382).
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص278.(2) انظر: محمد رسول الله، محمد عرجون (3/561).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/383). (4) انظر: محمد رسول الله (3/571).
(5) المصدر نفسه (3/572).
([55]) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص89.
([56]) انظر: مغازي الواقدي (1/221، 222).
([57]) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ص469.
([58]) انظر: الإصابة (2/278)
([59]) انظر: البخاري في المغازي، باب غزوة أحد، رقم 4043.
([60]) انظر: السيرة الحلبية (2/496).
([61]) انظر: غزوة أحد دراسة دعوية، ص90.
([62]) انظر: الواقدي المغازي، (1/219).
([63]) انظر: العبقرية العسكرية في غزوات الرسول، محمد فرج، ص355، 356.
([64]) انظر: تاريخ الطبري، (2/507).