خامسًا: حكم الاستعانة بالمشرك:
في غزوة بدر -في الأحداث التي سبقتها- أراد مشرك أن يلحق بجيش المسلمين, وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الموافقة على قبوله معهم، والاشتراك فيما هم ذاهبون إليه فقال صلى الله عليه وسلم: «ارجع فلن أستعين بمشرك»([21]) فالحديث يبين أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة، أو رجحانها بهذه الاستعانة، وألا يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن يكون تابعًا للقيادة الإسلامية، لا متبوعًا، ومقودًا فيها لا قائدًا لها، وألا تكون هذه الاستعانة. مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة وبمن يستعان به، فإذا تحققت هذه الشروط جازت الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة. وفي ضوء هذا الأصل رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراك المشرك مع المسلمين في مسيرهم إلى عير قريش إذ لا حاجة به أصلاً, وفي ضوء الاستثناء وتحقق شروطه استعان النبي صلى الله عليه وسلم بالمشرك عبد الله بن أريقط الذي استأجره النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في هجرتهما إلى المدينة؛ ليدلهما على الطريق إليها.. وهكذا على هذا الاستثناء وتحقق شروطه قبل صلى الله عليه وسلم حماية عمه أبي طالب له، كما قبل جوار أو إجارة المطعم بن عدي له عند رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف، وكذلك قبول الصحابة الكرام جوار من أجارهم من المشركين ليدفع هؤلاء الأذى عمن أجاروهم([22]). وضبط هذه القاعدة مع فهم شروط الاستثناء في واقع الحياة يحتاج إلى فقه دقيق وإيمان عميق.
سادسًا: حذيفة بن اليمان، وأسيد بن الحضير رضي الله عنهما:
1- حذيفة بن اليمان ووالده: قال حذيفة: ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده إنما نريد المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لتصيرن إلى المدينة ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم، لما جاوزناهم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ما قالوا وما قلنا لهم فيما ترى؟ قال: نستعين الله عليهم ونفي بعهدهم، فانطلقنا إلى المدينة، فذاك الذي منعنا أن نشهد بدرًا([23]).
هذه صورة مشرقة في حرص النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ العهود، وتربية أصحابه على تطبيق مكارم الأخلاق الرفيعة، وإن كان في ذلك إجحاف بالمسلمين ومفوت لهم جهد بعض أفراد المجاهدين.
2- أسيد بن الحضير: عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قادمًا من بدر لقي بالروحاء رؤوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال أسيد بن الحضير: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت»([24]).
سابعا: الحرب الإعلامية في بدر:
قال حسان t:
وإن كثُروا وأجمعت الزحوف --- فما نخشى بحول الله قومًا
كفانا حدَّهم ربٌّ رؤوف --- إذا ما ألَّبُوا جمعًا علينا
سِراعًا ما تضعفنا الحتوف([25]) --- سمونا يوم بدر بالعوالي
لمن عادوا إذا لقحت كشوف --- فلم تر عصبة في الناس أنكى
مآثرنا ومعقلنا السيوف --- ولكنا توكلنا وقلنا
ونحن عصبة وهم ألوف([26]) --- لقيناهم بها لما سمونا
وقال كعب بن مالك t:
ولا صبروا به عند اللقاء --- لما حامت فوارسكم ببدر
دُجى الظلماء عنا والغطاء --- وردناه بنور الله يجلو
من أمر الله أُحكم بالقضاء --- رسول الله يقدمنا بأمر
وما رجعوا إليكم بالسواء --- فما ظفرت فوارسكم ببدر
جياد الخيل تطلع من كداء --- فلا تعجل أبا سفيان وارقب
وميكالٌ، فيا طيب الملاء([27])([28]) --- بنصر الله روحُ القدس فيها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث شعراء المسلمين على القيام بواجبهم في الدفاع عن المسلمين وإخافة الأعداء بشعرهم، فقد كان الشعر يمثل الحملات الإعلامية المؤثرة في دنيا العرب, فيرفع أقوامًا ويخفض آخرين, ويشعل الحروب ويطفئها([29]). كانت بوادر الحرب الإعلامية قد اندلعت منذ الهجرة، غير أن ظهورها أكثر بدأ مع حركة السرايا قبيل بدر، لكنها انفجرت انفجارًا ضخمًا بعد بدر؛ لأن الجانب الإعلامي للقبائل المجاورة كان هدفًا مهمًّا من أهداف الفريقين، ويظهر أن القصائد سرعان ما تطير بها الركبان بين يثرب ومكة، فيأتي الرد من الطرف الآخر، فعند النصر تكثر أشعار الفريق المنتصر، بينما تكثر المراثي عند الفريق الثاني، وكان الصف الإسلامي يضم شعراء متخصصين، كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكان أشدهم على الكفار حسان([30]).
* * *
([1]) انظر: تفسير ابن كثير (1/411).
([2]) انظر: تفسير ابن كثير (2/302) نقلاً عن حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم (1/97- 105).
([3]) انظر: في ظلال القرآن (3/1521، 1522).
([4]) انظر: في ظلال القرآن (3/1523، 1524).
([5]) انظر: البداية والنهاية (3/307). (2) انظر: معين السيرة، ص213.
([7]) المصدر نفسه، ص217. (4) انظر: معين السيرة، ص217.
([9]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/253).
([10]) انظر: معين السيرة، ص217. (2) انظر: معين السيرة، ص218.
([12]) انظر: موسوعة نضرة النعيم (1/453). (2) تلاحيا: تلاوما وتنازعا، انظر: النهاية (4/243).
([14]) البخاري ز انظر: الفتح (6/3632).
([15]) حديد البصر: أي نافذ. (2) مسلم رقم (2873).
([17]) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/178).
([18]) انظر: زاد المعاد (3/186) وذكر المحقق أن ابن إسحاق ذكرها من غير سند.
([19]) انظر: زاد المعاد (3/186) والأثر فيه خلاف بين التصحيح والتضعيف.
([20]) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/178).
([21]) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (2/355).
([22]) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/144، 145).
([23]) انظر: المستدرك للحاكم (3/201، 202) هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
([24]) انظر: البداية والنهاية (3/305).
([25]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/26) الحتوف: جمع حتف وهو الموت.
([26]) هذا محمول على المبالغة لأن جيش قريش ما كان يزيد على الألف.
([27]) أي ما أطيب الملأ الذين يقودهم جبريل وميكائيل عليهما السلام.
([28]) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/30).
([29]) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (4/199).
([30]) انظر: المنهج الحركي للسيرة النبوية، ص354، 355.