(17)
حمله فوق كتفه وانطلق يجرى به بعيدا, كان الخوف يعبث بقلبه, لقد عادت اليه الآلام من جديد, وكأنما لم تمر السنون, وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة الأليمة
لحظة موت مالك
أول ألم شعر به فى حياته, وأقسى ألم, وبرغم سيل الآلام التى عاناها عبر حياته القصيرة, الا أن المرة الأولى تبقى دائما هى الأشد والأقسى على النفس والروح
ما أشبه اليوم بالبارحة, أعادت اصابة جوهر الى عقله حادثة استشهاد مالك, وكأنما حدثت الآن
أخذ يسترجع ماحدث, لقد تم الهجوم على موقع كتيبته ومحاصرتها فوق الجبل,لكن جنوده المجاهدين قاتلوا بشراسة واستبسال لفك الحصار, ونجحوا أخيرا فى دحر الروس الذين تراجعوا تحت وطأة نيران المجاهدين
وتفقد الذئب رجاله, ليجد جوهر مسجى على الأرض وصدره ينزف بغزارة, وأحمد يحتضن رأسه, ويضع يده على صدره محاولا ايقاف النزيف
نزل على احدى ركبتيه وقال لأحمد بقلق : كيف حاله؟
قال أحمد والخوف يملأ عينيه : اصابته شديدة
نظر الذئب فى وجه جوهر الشاحب, وعقد حاجبيه بقلق
أحمد : علينا نقله الى المستشفى على الفور
بدأ الشرود يحتل عقله وهو يستمع الى جوهر بصوته الواهن: لن يجدى, لن يسعفكم الوقت بعد أن دمروا السيارة, والطريق الى المستشفى طويل, لدى طريق أقرب بكثير
احتضن السماء بعينيه وقال بابتسامة شاحبة : طريق الجنة
اعتصر الذئب عينيه بقوة, وهز رأسه, وكأنما يريد ابعاد صورة ما تصر احتلالها, فتح عينيه ليجد أمامه وجه آخر, وجه يألفه ويحبه كثيرا
أشاح بوجهه وأغلق عينيه بألم, وهو يحاول باستماته أن يبعد عن عينيه ملامح مالك التى احتلت قسرا وجه جوهر
مما جعل جوهر يقول بحزن : هل ملامحى قاسية الى هذه الدرجة؟
رغم كل شئ, كان العمل فى فريقك هو أفضل شئ حدث لى على الإطلاق, لقد كانت الأيام التى قضيتها بصحبتك من أفضل الأيام التى قضيتها فى حياتى, لقد علمتنى الكثير ...., كنت أعلم أنك فى النهاية ستقودنى الى الجنة
عجز عمر عن تحمل كلمة اخرى, أخذ نفس عميق, وهز رأسه بقوة, وأجبر نفسه على النظر فى وجه جوهر, وحاول أقصى جهده استعادة ملامحه الأصلية
فجأة, أطبق بيده على ملابس جوهر وهو يقول بغضب : لازال الوقت مبكرا يا فتى, أتظن أن الوصول الى الجنة بتلك السهولة؟
عليك أولا أن تدفع مهرها
رفعه عمر بذراعه وحمله فوق كتفه وجوهر يتأوه
هتف أحمد بدهشة : الى أين تأخذه؟ الطريق طويل, لن تقدر
قال بعزم : فعلتها من قبل ,والآن على أن أحاول من جديد
وضع عمر جوهر برفق على المحفة الطبية ذات العجلات, ووقف يراقبه وهو يتجه الى حجرة العمليات, ولكنه مرة أخرى عجز عن النظر فى وجهه عندما تذكر مالك, فابتعد متألما وألقى ببصره الى نافذة قريبة
وبعد فترة, شعر بيد قوية تربت على كتفه, التفت ببطءالى القائد الكبير الذى قال باعجاب: تبهرنى دائما بأفعالك, لقد نجحت فى انقاذ حياته
أغمض عينيه وقال براحة : حمدا لله
وقف القائد بجواره يتطلع الى الجبال البعيدة عبر النافذة وهو يقول : ما رأيك فى هذا الشاب ؟
صمت الذئب قليلا ثم قال : يشبه شخصا كنت أعرفه
ابتسم القائد وقال : لهذا اخترته من بين 50 شابا وأرسلته اليك , كنت أعلم مدى احتياجك لإنسان مثله
صمت القائد قليلا ثم قال : عمر..لم لا تعود الى بيتك؟ أستطيع تدبير هوية جديدة لك, كما أن الروس لا يعرفون شخصيتك الحقيقية
أطرق عمر بحزن ثم رفع رأسه وقال بأسى : ولمن أعود ؟ لقد رحل الأحبة جميعا
القائد بتعاطف : أتخشى من ألم الذكريات؟
تنهد بعمق وقال بحنان أبوى : لم أخش عليك يوما من الموت, ولا من الأسر وما يمكن أن يفعله الروس بك .. ولكن كل ما أخشاه أن تسحق الأحزان روحك, سيظل الحزن يأكل من قلبك وشبابك حتى يفنيك بأسرع مما تفعل رصاصات الأعداء, انظر لنفسك يا بنى, انك لم تغادر العشرينات بعد
أغمض عمر عينيه بألم وقال بصوت يقطر حزنا : لقد كانت تحمل طفلى الأول, لكم تمنيت أن أحمله, أضمه الى قلبى, أسمع بكاءه, ألمس وجهه الصغير وأصابعه الدقيقه
القائد باشفاق : هون على نفسك يا بنى فلست وحدك المكلوم
أشار الى الجبال البعيدة وقال : كل من يحيا على هذه الأرض, وفى تلك الجبال, مصاب بجراح قد لا تندمل مدى الحياة, لكن الحياة لابد وأن تستمر ولابد أن نحياها طالما كتب الله لنا الحياة
عمر بأسى: لكم دعوت الله أن أموت شهيدا لألتقى بأحبتى .. انتظرت طويلا أن يأتى الموت لكنه لم يأتى
القائد بعطف : لكن الله كتب لك الحياة فيجب أن تخضع لمشيئته
صمت قليلا ثم قال : عمر .. لقد رزقك الله الصبر ولكنى أرى أنك بحاجة الى أن ترتقى الى درجة أعلى .. أنت بحاجة الى الرضا ..فارض يابنى بما قسمه الله لك وعش حياتك بما يرضى الله حتى يحين أجلك الذى كتبه الله لك .. تزوج واعمل وعمر هذه الأرض
فلا يعقل أن نتركها اليهم ليعمروها ونظل نحيا فى الجبال
أما ان كنت عاجز عن تحمل الذكريات الأليمه, فلن أكلفك مالاتطيق
ولكن لدى حل آخر..
صمت قليلا ثم قال : ما رأيك أن تعود الى مصر؟
نظر اليه باستنكار وقال بألم : وحدى؟
القائد : نعم, ربما يشفى جراحك هواءها ونسيمها وذكريات طفولتك وصباك , وربما تجد هناك من تتزوجها وتستطيع أن تخفف من أحزانك
هز عمر رأسه نفيا ببطء, ومد عينيه الى قمم الجبال البعيدة : لم يعد بامكانى أن أعود الى مصر.. أصبحت جزءا من هذه الأرض وقطعة من هذه الجبال , كل أحبتى هنا .ان كل ما أتمناه الآن أن أموت وأدفن بجوارهم حتى لا أستوحش فى حياتى وفى قبرى أيضا
زفر القائد بأسى وقال باشفاق : ما رأيك فى رحلة أخرى؟ زيارة الى بيت الله الحرام؟
التفت عمر اليه وظهر فى عينيه الحنين وقال : نعم ..نعم ..أتوق الى هذه الزيارة بكل جوارحى
قال بحزن : لكم تمنيت أن تكون زهرة معى فى هذه الرحلة, لكم تمنت أن ترى بيت الله الحرام بعينيها
القائد : هون على نفسك يا عمر ..فإنها شهيده
أغلق عمر عينيه بقوة وقال : ولكنى أشعر بها حولى فى كل مكان, لاترى عينى سواها, ولاتسمع أذنى الا صوتها
القائد بتعاطف : ارض يابنى, ارض بقضاء الله حتى يرضيك الله
سأرحل الآن لأدبر لك الرحلة التى اتفقنا عليها, وعندما تعود, سيكون لنا حديث آخر, ربما تصبح أكثر قدرة على تقبل فكرة زوجة جديدة وحياة جديدة
همس بحنين جارف وهو يعصر عينيه ألما : ولكن قلبى لا يسع سوى زهرة واحدة
سمع صوتها يشدو فى قلبه : وستظل تحيا فى قلبك ترتوى من حبك لهذه الأرض
تنهد بعمق وقال : آه يا أحبتى ..كم أشتاق اليكم
رفع عينيه الى السماء وقال برجاء : رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين
.................................................
لأول مرة منذ زمن بعيد تطل أنهارالرضا من عينيه وتنفرج أساريره بابتسامة حانية تمتلئ حبا وشوقا , لم يصدق أبدا أن بامكانه أن يستعيد ذلك الشعور الرائع الذى فقده من سنين طويلة,
حمله وضمه الى صدره بذراعيه, كما لو كان يتمنى أن يذوب فى دمائه ليملأ قلبه, أبقى عينيه مغمضتين بقوة وكأنما يتمنى أن يدوم ذلك الشعور للأبد, ملأ صدره بتلك الرائحة التى افتقدها طويلا, رائحة الحياة
لكم عاش طويلا ميت بين الأحياء, أو حى بين الأموات, حتى أتى ذلك الصغير الجميل ليعيد اليه كل المشاعر التى افتقدها طويلا
وكأنما تجمع فيه كل من أحبهم فى حياته
حب زهرة,
حنان مالك,
عطف محمد
احتضن طفله الذى لم يراه أبدا بقوة كبيرة, وكأنما يحتضنهم جميعا,
وهمس فى أذنه بشوق عارم : مالك
أخذ يمسح على ظهره وشعره , أبعد رأسه قليلا عنه وأخذ يتحسس ملامحه الصغيرة بأنامله, وكأنما يريد أن يحفظها فى قلبه, ثم أمسك بيده وانهال يقبل أصابع يديه الصغيرة بحب طاغى انطلق فيض الحب والحنان المكبوت طويلا فى أعماقه,
انطلق سيلا يحطم كل السدود ليتحول الى أنهار من القبلات أغرق بها صغيره الذى أعاد الى قلبه دماء الحياة لينبض بالحب من جديد, وأشرقت ابتسامته من جديد لتذيب جليد حرمان السنوات الطويلة
.................................................
سأعود من أجلها..
رفعت كاترين عينيها عن الصورة الفوتوغرافية الصغيرة التى تحملها بين أصابعها, وأخذت تتأمل الذئب بذهول
كان يجلس الى منضدة مستندا بمرفقيه اليها ورأسه بين كفيه, وحول المنضدة جلست هى والقائد وسيدة أخرى لا تعرفها,
أما الصغير, فقد كان نائما فى الدور العلوى
أرادت كاترين أن ترد عليه, كانت تحمل الكثير والكثير من الكلمات التى يمكن أن تقال
لكنها هربت كلها من رأسها عندما فاجأها بعد الصمت الطويل بكلماته الممتلئة باصرار وعناد لم تقابل مثله فى حياتها
أدارت عينيها فى وجوه الجميع علها تجد من يقول كلمة تثنيه عن عزمه , لكنها أدركت أن حالة الذهول التى أصابتها قد أصابت الجميع أيضا, شخص واحد فقط من الجلوس استطاع أن يكسر حالة الصمت التى طغت على كل من فى الحجرة
وبعينين سكنتهما الدموع فلا هى عادت من حيث أتت, ولا هى غادرت الى خديها قالت أم مالك وزهرة بصوت يقطر بالألم : لم تفعل مافعلته الا لأنها كانت تريد انقاذك
بمجرد أن وصلنا نبأ اصابتك ونقلك الى مستشفى فى جروزنى, لم تستطع البقاء ليلة واحدة, فاصطحبت مالك وغادرت الى جروزنى, وأصر خالد على مرافقتها حتى لاتكون وحيدة
تنهدت بألم وهى تكمل : كان الأمر كله مجرد خدعة لإستدراجها الى جروزنى لتقع فى قبضتهم
لقد جاءت الطعنة من شخص شديد الثقة, لم نكن ندرى أنهم استطاعوا شراءه, لا أحد يمكن أن يتوقع ابدا أنه خائن
ضرب المنضدة بقبضته بغيظ شديد وهب واقفا, ثم استدار الى النافذة ليخفى الغضب الرهيب الذى غزا ملامحه
قال بعد صمت : تلك هى معركتنا الحقيقية مع الخونة والعملاء لن تدرى أبدا من أين تأتيك الطعنه
استند بكفيه الى النافذة وطال صمته, وخيم الصمت على الجميع, لقد نجت زوجته من موت محقق عندما فاجأها المخاض بعد تركه لها بسويعات قليلة
تخلفت عن حافلة المهجرين التى كان يجب أن تركبها , أنقذها مالك الصغير من هلاك محقق, وفى نفس اللحظة التى عرف فيها بنجاتها, صدمته الحقيقة المؤلمة, فهى الآن أسيرة بين أيديهم, بين أيدى الأعداء, تنتظر أن يبادلوها به
فاما حياته ....أو حياتها
نطق أخيرا بصوت ينتفض غضبا : لم أكن أتوقع أن هناك ما هو أشد وأقسى على النفس من الوحدة وفقد الأحبة, جحيم الإنتظار وأن تكون سببا فى ايذاء أقرب الناس اليك, سأعود من أجلها مهما كان الثمن
هتفت كاترين بعد أن عجزت عن الصمت : هل جننت؟ أتريد أن تحقق لهم ما يريدونه؟ لن يتركوك حيا أبدا, اذا ما وضعوا يدهم عليك يمكننا ان ننقذها بطريقة أخرى أستطيع أن أحرض عليهم الصليب الأحمر, ومنظمات حقوق الإنسان, بامكانهم التدخل و.......
التفتت اليها عمر ببطء وهو يقول : يبدو أنك لم تدركى بعد طبيعة الصراع الروسى الشيشانى, استطاعت روسيا اقناع العالم أن القضية هى شأن روسى داخلى, وأن الشيشانيون ماهم الا مجموعة من المجرمين الخارجين على القانون الروسى
هتفت بغضب : مابك؟ أتلك هى نظرتك للأمور
قال بأسى : بل نظرة العالم الينا والى قضيتنا, لن يتدخل أحد من أجل مجموعة ينظرون اليها كارهابيين, خاصة فى ظل التحالف العالمى الذى تقوده أمريكا ضد الإرهاب, وطالما أننا مسلمون, فنحن اذا........ مدانون
هتفت كاترين بعناد : لا يمكن أن تيأس الآن, هناك الكثيرين يؤمنون بعدالة قضيتكم ويتعاطفون معكم
قال : ولكنهم للأسف, ليسوا فى موقع سلطة, أو بيدهم قوة يمكن أن تساعدنا, ليس لنا سوى ثقتنا بالله, ومواصلة المقاومة والصمود حتى نحرر أرضنا ولو بعد آلاف السنين
هتفت كاترين : وماذا عن صغيرك؟ الى من تتركه, وماذا سيكون مصيره بعد رحيلك ورحيل أمه؟
قال ببطء : له الله.. ثم جدته وخالته, وكل الشيشانيين, هم أهله
كاترين : اذا فلقد اخترت .......حياتها مقابل حياتك
نظر اليها وقال : بل حياتى مقابل حريتها
عقدت حاجبيها بدهشة وتساءلت بشك : تقصد زوجتك؟
أخيرا تحدث القائد قائلا بحزم : ومن أجل هذا فأنا أمنعك من العودة, لا يمكننى التضحية بقائد مثلك, المقاومة تحتاجك بشدة, نستطيع أن نتدبر الأمر, سنبحث عن طريقة لإخراجها من هناك, ولكن دون التضحية بك
قال بهدوء : المقاومة ستستمر بى أو بدونى, من مئات السنين, وطوال حروبنا معهم لم تتوقف المقاومة أبدا لموت واحد منها
فالمقاومة ليست فردا, بل هى الشعب بأكمله
التفت مجددا الى النافذة, وراح يتأمل الجبال البعيدة والوديان والأشجار وهو يقول بشرود : وحتى لو أفنوا شعبنا, ستحاربهم الجبال والسهول والأشجار والجليد, ستحاربهم الأرض والسماء رحم تلك الجبال لن ينضب أبدا عن اخراج المجاهدين, أعلم أنها هناك, تنتظرنى وواجبى يحتم على أن أعود اليها
تأمله الجميع بصمت ولم يجروء أحدهم على قول أى شئ, ومرة ثانية ظل عقل كاترين يردد نفس السؤال دون أن يتحرك لسانها : أزوجته يقصد؟
.................................................
يتبع..........................
|