(15)
انتفضت فجأة بفزع شديد عندما فتح باب السيارة المجاور لها, ثم انقلب الفزع الى دهشة عارمة عندما وجدت الذئب أمامها
انتقلت الى المقعد المجاور بسرعة مفسحة له كرسى السائق, وتلقت الصغير على ساقيها وهى تتأمل الذئب وهو ينطلق بالسيارة بصمت وبسرعة كبيرة, وهى لا تكاد تصدق ما يحدث
كيف نجا من الأسر؟
شغل هذا السؤال تفكيرها تماما وهى تتأمل ملامحه الجامدة ووجهه الذى لم يلتفت اليها ابدا منذ ان انطلق بالسيارة
هتفت اخيرا بعد ان تمالكت اعصابها : كيف...كيف هربت؟
قال باقتضاب زاد من حيرتها وفضولها : تلقيت بعض المساعدة
ضاقت عيناها بشدة وقالت متسائلة : الشرطى الشيشانى..أليس كذلك؟
هز رأسه موافقا دون ان يتكلم, مما زاد من فضولها وغيظها من صمته
فهتفت بغيظ : الن تخبرنى بالتفاصيل؟
قال بصرامة : التفاصيل ليست ذات أهمية
لقد ساعدنى على الهرب وكفى
المهم الآن أننا مطاردون, وعلينا الوصول لمكان آمن قبل أن يصلوا الينا
استشاطت كاترين غيظا من أسلوبه الكتوم وعدم بوحه بتفاصيل هروبه والتى تتحرق فضولا لتعرفها
ولكنها أدركت من سابق تعاملها معه أنه ليس هناك قوة فى الأرض تجبره على الكلام مالم يكن راغبا بذلك فآثرت الصمت على مجادلة عقيمة معه وأدارت وجهها الى النافذة المجاورة لها وهى تزفر بضيق شديد
لكن الذئب التفت اليها متسائلا : من هذا؟
نظرت اليه بدهشة وقالت ساخرة : لاحظته أخيرا !
انه الطفل الذى كان بصحبة الكهل الذى انضم اليك عند حاجز التفتيش
امتلئت عيناه بالأسف الشديد وهو يتأمل الطفل الذى استكان تماما بين ذراعى كاترين وبادله الصغير نظرات طويلة لم يستطع أن يتحملها فأدار وجهه الى الطريق بصمت
أكملت كاترين بلهجة غلب عليها الأسى : تعلق بعنقى, وعجزت عن تركه هناك وحيدا بعد أن فقد مرافقه
تعجبت كاترين كثيرا عندما نظر اليها الذئب ولأول مرة نظرة طويلة وحارت تماما فى تفسير تلك النظرة هل هى اعجاب, أم امتنان لما فعلته مع أحد اطفال بنى قومه
أدار وجهه الى الطريق من جديد بصمت
قالت بعد أن عاد اليها الهدوء : علينا أن نعيده لأهله
قال باقتضاب : وهل تعرفينهم؟
قالت : أخبرنى الرجل الكهل أنهم فى المستشفى الجنوبى
الغريب أنه هو ايضا لا يعرف أهله, لقد تولى مسؤلية اعادة الطفل لأهله بعد أن اعتقلوا أمه فى جروزنى
عقد الذئب حاجبيه ولاح فى وجهه الألم, ثم عاد من جديد يتأمل ملامح الصغير ولانت عضلات وجهه بالحنان
ابتسمت كاترين قائلة : لم يرفع عينيه عنك منذ رآك, ترى , هل وجودك يشعره بالأمان؟ أم أنه ينظر اليك كمثل أعلى يتمنى أن يصبح مثله؟
أردف بلهجة حزينة : أو ربما كمجرم سلبه الأمل الوحيد المتبقى لديه ليعود الى أهله
قالت كاترين بتعاطف : على العكس, لو كان هذا هو مايدور بذهنه لرفض البقاء معنا, لقد كنت أراقبه جيدا, كان منجذبا اليك من قبل أن تبدأ تلك الأحداث الرهيبة عند الحاجز
قالت بتعجب : مازلت لا أفهم...كيف ألقيت بنفسك فى ذلك الموقف الرهيب؟ لقد نجوت بأعجوبة
أتزج بنفسك الى الهلاك من أجل امرأة لا تعرفها؟
قال بجدية : وماذا لو كانت تلك المرأة هى انت, أما كنت تتمنين أن يسعى اى انسان لإنقاذك؟
تفجرت نظرات الأعجاب الغامر من عينيها وارتسمت ابتسامة عاطفية على شفتيها وهى تقول بصوت يمتلئ بالعاطفة : أتمنى من كل قلبى لو كان هذا الإنسان ......هو أنت,
تنهدت بيأس عندما تجاهل الذئب مشاعرها الممتلئة بالإعجاب ولم يلتفت حتى اليها بل بقى صامتا وعيناه مشغولتان بالطريق,
قالت بعد صمت ولازالت الصدمة تؤثر فيها : لازلت عاجزة عن استيعاب ماحدث, لقد حدث الأمر بسرعة كبيرة وبشكل دموى يفوق حد التصور
لم يكن الأمر يستدعى كل هذا العـنـف
قال الذئب باقتضاب : (Up Mopping)
كاترين بدهشة : ماذا قلت؟
كرر الذئب : (Up Mopping ) "الكنس أو المسح"
وباللغة الروسية (zakhistki ).
كاترين باهتمام : وماذا يعنى ذلك؟
الذئب : (الكنس, أو المسح)هى الخطة التى وضعها الكرملين ووزارة الدفاع للتعامل مع الشيشان
وتقضي هذه الخطة بقيام قوات الأمن الروسية بتمشيط ومسح القرى والبلديات التي تمثِّل أماكن يشتبه بأن بها مقاتلين والقضاء عليهم في أماكنهم، فلا وقت لديهم للاعتقالات،
ثم تقام حواجز تفتيش يتم من خلالها اعتقال كل من يحاول الخروج، وإدخاله ما يعرف بمعسكرات الفرز, أو(filtration camps ) والتي تحولت بدورها إلى معسكرات تصفية، يتم من خلالها القضاء على من يشتبه في انتمائه للمقاتلين، وإطلاق سراح من تبقى
وذلك بالطبع مقابل رشوة مالية تدفع للجنود والضباط.
عقدت كاترين حاجبيها وقالت بدهشة عظيمة : أذكر أن منظمة العفو الدولية أصدرت تقرير موجز قالت فيه
(إنها عثرت على نمط جديد من انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة شمال القوقاز، فبعض الأشخاص يُعتقلون بصورة تعسفية ويُحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي، وهناك يتعرضون للتـعـذيب وسوء المعاملة لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يقترفوها. وبمجرد توقيعهم على "اعتراف"، يُنقلون إلى مكان احتجاز آخر، حيث يُسمح لهم بالاتصال بذويهم وبمحامين من اختيارهم، إلا إن الاعتراف يبدو "دليلاً" كافياً لضمان إدانتهم.)
شردت كاترين بعيدا ودار فى رأسها شريط طويل من الذكريات وهى تسترجع كل ما رأته وكل مامر بها منذ أن دخلت أرض الشيشان وقالت ببطء : هل كان هذا هو مصيرك المحتوم لو لم يتدخل ذلك الشرطى لإنقاذك؟
أجابها صمته بأكثر مما كانت تريد
أسندت رأسها الى المقعد وأغمضت عينيها وكأنما لا تصدق : الآن فقط فهمت, إن "الحرب على الإرهاب" التي تشنها روسيا ما هى الا ذريعة لتبرير الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان فى الشيشان
تنهدت بعمق وهى ممتنة فى أعماقها أنها نجت من ذلك المصير المظلم
قالت والدهشة لم تزايلها بعد : تساءلت كثيرا عن السبب الذى يضطر صحفية روسية كآنا بوليتكوفسكايا أن تقول فى صحيفة"نوفايا جازيت" أن دور قوات الأمن في الشيشان يتميز بالفوضى واللاقانون, لا يوجد أي قرار من أجل تنظيم عمل هذه القوات في الشيشان، ويبدو أن القرار الوحيد الذي اتخذ هو السماح لهذه القوات بفعل أي شيء"
قالت بعد صمت طويل : أخبرنى ..لم يطلقون عليك الذئب ؟
قال بهدوء: لست وحدى الذئب ..كلنا ذئاب
قالت وهى تبتسم : أقصد لم اتخذتم الذئب شعار لكم؟
قال بعد صمت : هناك أسطورة في ثقافتنا تقول: أنّ عاصفة هوجاء تهبّ، فيخاف منها الناس والحيوانات، فتدمّر العاصفة كلّ شيء حتى لا يجد الناس مكانًا يجتمعون فيه، فالشجر قد اقـتـلع من جذوره، والبيوت قد تهدّمت،
ويبقى ذئب وحيدا يقف بشموخ على صخرة ناظرًا إلى العاصفة، فيتشبث الذئب بمكانه دون حراك، حتى عندما ينسلخ جلده يبقى صامدًا لا يتحرّك ولا يصرخ عند الموت, ويبقى محدقًا بعدوّه إلى أن يموت
وهذا هو حال الشيشانيّ، فهو سيبقى على الجبل ينظر إلى الموت المحيط به دون أن يخاف منه
لهذا يشبّه المقاتل الشيشانيّ نفسه بالذئب ويعتدّ بصفاته التي يتميّز بها، فجعله فى علم الشيشان شعارًا له جالسًا على صخرة تحت ضوء القمر وحيدًا, للدلالة على عزلة الشعب الشيشانيّ من بقيّة الشعوب،
ان الذئب يستحيل ترويضه, تماما كالشعب الشيشانى .وهو مخلص لشريكه، ويساهم الذكر في تربية الجراء. وهو الحيوان الوحيد الذي يزداد شراسة مع التقدّم في العمر. و يكون في قمّة شراسته عندما يجرح. ولا يصرخ عند الموت, ويبقى محدقًا بعدوّه حتى يموت.

صمت قليلا, ثم أردف بلهجة عميقة اهتز له فؤادها : هكذا الشيشانى
قالت بسرعه حتى لا يعود لصمته وقد سرها كثيرا جذبه للحديث : كيف احتلت القوات الروسيه الشيشان؟
طال صمته لكنها لم تيأس من أن تجعله يتكلم فقالت : أريد أن أعرف الحقيقه
قال بهدوء: وبعد أن تعرفى الحقيقه؟
قالت بدهشه : أنشرها للعالم
قال بسخريه مريره : وهل سيغير هذا من الواقع ؟
عاد لصمته من جديد فقالت بدهشه : الا يهمك أن يعرف العالم الحقيقه ..أن يفهم قضيتكم ..أن يتدخل لحلها؟
قال : وهل تعتقدى أنهم لا يعرفون؟..انهم يعرفون منذ زمن بعيد ..منذ أول مرة اقتحم فيها الروس الشيشان بعد استقلالها عام 1994 وأجبرناهم على الخروج من أرضنا أذلاء عام 1996
خرج الروس ومنهم من يبكي من مرارة الهزيمة التي لحقت بهم على أيدي قلة من المجاهدين ، وقد كان الخروج بعد المفاوضات التي جرت بين الجنرال ليبد الممثل عن الحكومة الروسية ووزير الدفاع الشيشاني ، وقد صرح الجنرالات الروس للوفد الشيشاني : أننا سوف نعود إلى الشيشان ولو بعد خمسين سنة .
ولقد صدقوا.....
وعادوا مرة, ومرات, وكلما أخرجناهم, يعودوا من جديد
وفى كل مرة يكررون نفس السيناريو بحذافيره ..يتحرشون بنا, ويعملون على اثارة الفتن والقلاقل ويحاولوا اغتيال الزعماء وقادة الجهاد ليحطموا معنوياتنا.ويزرعوا عناصر من استخباراتهم داخل المجاهدين ويمارسوا علينا حصارا اقتصاديا شديدا بهدف تجويعنا , ويمنعونا من التعامل مع العالم الخارجى
وهكذا يمهدوا الطريق أمام التدخل العسكرى ..بعدها يقوموا بعمل سلسله من التفجيرات والعمليات الإرهابيه فى روسيا يتهمونا بها..وهكذا يكون المبرر أمام شعبهم وجنودهم وأمام العالم لغزونا موجود
قالت بدهشه : ولكن لماذا أنتم بالذات؟
قال بغضب : يريدون استغلالنا والاستفادة من النفط الشيشاني، ومن المناطق الزراعية والصناعية في الشيشان
كما أن الشعب الشيشانى من أبغض الشعوب إلى الروس، كما تذكر الأساطير والروايات الروسية.
يحلمون بتكوين إمبراطورية روسية على غرار أوروبا الموحدة وهذه الإمبراطورية لا مكان للإسلام فيها
هتف بمرارة : العالم كله يعرف ويبارك المجازر والإنتهاكات الروسيه فى حقنا
فى الحرب السابقة والتى قبلها, والتى قبلها, كم أعطونا من مواعيد لإيقاف الحرب دون أن نرى تحركا حقيقيا على الساحه مثل ما تحركت قوات الناتو خلال 48 ساعه فقط واتخذت قرارات صارمه فى تيمور الشرقيه منذ سنوات عديده .....ولكن نحن.... مسلمون
قال الكلمه الأخيره بسخريه لاذعه شديدة المراره
همت أن تقول شئ ...
لكنه سبقها قائلا : اقتربنا من القرية, سنبيت ليلتنا هنا فى مكان آمن, لدى عائلة شيشانية, فلا شك أنكما متعبان وجائعان
قالت باسمة : وأنت أيضا, أم أنك لا تجوع؟
قالت عندما لم يرد عليها : هل هذه العائلة هى احدى المساعدات التى قدمها لك الشرطى الشيشانى؟
قال بهدوء : الكثير من عناصر الشرطة الشيشانية متعاطفون مع القضية ومع المجاهدين, بل ان بعضهم سعى بنفسه للعمل فى الشرطة فى محاولة منه لتسخير جهوده فى مساعدة المجاهدين والتخذيل عنا
قالت باسمة : كما حدث اليوم!
لم يجيب ولكنه قال : وصلنا الى البيت المقصود
كان الظلام قد زحف على المنطقة كلها عندما دخل الثلاثة الى احدى منازل القرية الصغيرة
من أول لحظة وضعت كاترين قدمها فى ذلك المنزل وشعور عجيب بالراحة والأمان يغمرها
فبرغم موقفهم الدقيق ومطاردة الروس لهم, وقلقها من أن ينكشف سرهم أو أن يقوم أى شخص بالإبلاغ عنهم
وبرغم عدم سابق معرفتهم بأهل هذا البيت, الا أنها تعجبت تماما من كم الحفاوة والترحيب الذى غمرهم منذ أن وطأت أقدامهم ذلك البيت القروى الصغير
فالسيدة ربة البيت قامت بنفسها بالترحيب بهم وتقديم الطعام لهم, وابنها آدم الفتى الوسيم الملتحق حديثا بالجامعة وقف على خدمتهم والعمل على راحتهم
وعندما التف الجميع حول المائدة الزاخرة بالطعام الساخن الشهى. أخذت الأم الطيبة الطفل الصغير وأجلسته على ساقيها وبدأت تداعبه بحنان وتطعمه بيديها
لكن دهشتها كانت كبيرة عندما رفض الطفل أن يفتح فمه, أو يتناول أى طعام
نظرت الأم لكاترين بدهشة وسألتها : ألن يأكل؟
زفرت كاترين وقالت باحباط : لا أدرى كيف أتصرف..أخشى أن يكون مصاب بصدمه أو شئ من هذا القبيل, فهو لم يفتح فمه منذ أن التقيته, حتى أننى لا أعرف حتى الآن ما اسمه
مسحت الأم على شعر الصغير بحنان وحاولت اطعامه من جديد لكن الصغير أبى
نقلت الأم عينيها بين الصغير والذئب, وقالت له : ربما لو رآك تأكل فقد يأكل
نظر اليها الذئب بدهشة وقال متسائلا : أنا؟
هزت رأسها قائلة : نعم, فهو لم يكف عن مراقبتك منذ أن جلست الى المائدة
ابتسمت كاترين مؤيدة : ألم أقل لك؟انه لا يشعر بالأمان الا فى وجودك
دارت عيناه فى وجوههم, ثم مد يده أخيرا الى الطعام وبدأ يأكل عندما وجد الجميع ينظر اليه فى انتظار أن يأكل
ولكم كانت دهشته عظيمة عندما فتح الصغير فمه هو أيضا وبدأ يأكل
ابتسمت الأم برضا واطمئنان, وهدأت كاترين وأخذت تستمتع بطعامها بهدوء بعد أن اطمأنت على الصغير
أما عمر فأخذ يتأمل ملامح الصغير مندهشا, من تلك النظرات العميقة الصامته التى يختصه بها دون الآخرين
لكن شعور ما انتابه فجأة وجعله يعجز عن تحمل نظرات ذلك الصغير فدفن بصره فى الطعام بصمت
بعد الطعام, جلس الجميع فى البهو الواسع يتسامرون بود حول المدفأة والتلفاز, وانضم اليهم الجد الكبير, الذى تجاوز الثمانين بأعوام عديدة
ودار الحديث حول أحوال القرية وأحوال البلد عموما, ولأشد ما أدهش كاترين أن أى منهم الجد أو الأم أو حتى الفتى آدم لم يسألونهما عن اى شئ أو عن سبب مقدمهم فى ذلك الوقت
واكتفوا بما قاله الذئب لهم من أنهما صحفيان ضلا الطريق وساعدهما الشرطى الشيشانى وأعطاهما هذا العنوان ليبيتا ليلتهما, ويلحقا فى الصباح ببقية
الصحفيين
لكن الصمت هبط فجأة على الجميع عندما بثت نشرة الأخبار فى التلفاز نبأ الأحداث الدامية التى حدثت اليوم عند حاجز التفتيش, وانتبهت كاترين بشدة وعقدت حاجبيها باهتمام كبير عندما سمعت المذيع يقول أن ثلاثة من الإرهابيين هربوا من الموقع بعد أن قـتـلوا اثنين من قوات الأمن الروسية وجرحوا خمسة
وهبط قلب كاترين فى قدميها وسكن الرعب خلاياها عندما قال المذيع أن قوات الأمن الروسية تبحث عن رجل وامرأة انتحلا صفة صحفيان
نظرت السيدة فى وجه كاترين ولاحظت قلقها الشديد وفهمت بذكائها سبب القلق الذى اعتراها فقالت مطمأنة : لا أظن أن باستطاعتهم الإمساك بالصحفيين, فلا شك أنهما ابتعدا تماما عن المكان
وربما يكونان الآن فى مكان آمن يعجز أحد عن الوصول اليه
نظر اليها الذئب بامتنان كبير وقال بلهجة ذات مغذى : وربما يبيتان ليلتهما فى أمان بين أناس طيبون
هدأت كاترين تماما وشعرت بالأمن يحيط بها من جديد وهى تتأمل تلك الوجوه الودودة الطيبة, مما جعلها تتحدث براحة ودون تحفظ
تنهدت بأسى وهى تسترجع تلك المشاهد المؤلمة فى ذاكرتها قائلة : لا أدرى كيف بدأ الأمر؟ ولأى سبب تسال كل تلك الدماء؟
أمن أجل امرأة ترتدى الإيشارب يقـتـل كل هؤلاء البشر؟
ألم يكن من الأسهل أن تخلعه بهدوء ويمر الأمر بسلام؟
قال الذئب بلهجة صارمة : المشكلة ليست فى الحجاب, لو لم تكن تلك المرأة ترتدى حجابا لبحثوا عن الف وسيلة أخرى لإذلالنا واهانة مقدساتنا
نظرت اليها الأم وقالت بهدوء : يا بنيتى, الأمر ليس مجرد غطاء تضعه المرأة على رأسها, بل هو عقيدة فى صميم ديننا, وهم يفهمون ذلك جيدا
إنها حرب على الإسلام,
هتف الفتى آدم : هذا ليس موقفا فرديا, أو مصادفة, بل هى سياسة منظمة ومتعمدة,
قرأت تصريحا للرئيس الروسى يقول فيه : (إني أحارب عدوي الإسلام حتى لا تفشوا وتتجاوز إلى آخرين .) كما قال في تصريح آخر : (إننا سوف نقضي على الإرهابيين في داغستان والشيشان ثم نحول الباقين إلى النصرانية .)
أجابه الذئب : الرئيس الروسي لا هم له الا اصدار التصريحات التي يزايد فيها على تصريحات الرئيس الأمريكى، حين أعلن أن البلدين معًا في وجه "الإرهاب الإسلامي، أو الإرهاب الذي يشجع عليه الإسلام".أو الإسلام الفاشى كما يطلق عليه
قالت الأم والأسى يغمر كلماتها : يريدوننا عبيداً وخدماً لهم ويريدون أراضينا مرتعاً خصيباً لهم؟ ذلك المعنى ثابت ومترسخ فى العقلية الروسية, يتوارثونه جيل بعد جيل
قالت كاترين بألم : ولكن ماحدث هناك كان فظيع
قتـل عدد كبير بلا ذنب ولا جريرة, وأسر عدد أكبر, يعلم الله الى أين أخذوهم ولا ماذا يفعلون بهم الآن
آدم بانفعال : لقد اعتدنا ذلك, القـتل والخطـف عند حواجز التفتيش يحدث بصورة كبيرة ومتكررة حتى أننا نصدق أنها عملية مدبرة ومقصودة
لقد استشهد أخى محمد عند أحد حواجز التفتيش, وبنفس الطريقة, ولسبب تافه للغاية
أكمل والغضب يقطر من كلماته : قوات الأمن تعتبر كل شيشاني إرهابيًّا، وتقـتل المدنيين بلا حساب، مما اضطر رئيس وزرائهم إلى القول: (إن هذه العمليات ضد الإرهاب لا يمكن تفادي وقوع ضحايا مدنيين فيها.)
ومع ازدياد الوضع سوءاً, وكثرة أعداد القـتلى والأسرى بدأ يظهر بوضوح الدور الإجرامي لهذه القوات، خصوصًا ما يتعلق بالرشاوى، فالمواطن الذي لديه وثائق يدفع 200 روبل رشوة حتى يمر، والذي لا يملك وثائق قد يدفع قرابة ألف روبل حتى يتم الإفراج عنه، إضافة إلى أعمال السلب والنهب والقـتـل وهذا ما دفع "فيكتوركازينوف" موفد الكرملين أن يقول : "هناك جرائم ترتكب عند نقاط التفتيش، ويجب أن نعتذر عنها، ونطلب الصفح ممن جرت بحقهم".
أما وزير الداخلية الروسي فهو يعتبرالعمليات -على قسوتها- ضرورية، بل وتمت بصورة قانونية. وساند الكرملين وزير الداخلية عدة مرات: الأولى حين رفض الكرملين طلبًا للبرلمان بفرض حالة الطوارئ على الشيشان، والتي تسمح بتطبيق القانون العسكري على أي مخالفات تقع من الجنود والضباط الروس، والثانية حين رفض السماح للسفير الأمريكي في روسيا بزيارة الإقليم، كما رفض السماح لمنظمات وجمعيات حقوق الإنسان بالتواجد. وأغلق في وجهها الحدود، ومنعها من الاقتراب من الواقع المأساوي في الشيشان
لقد أصمَّت روسيا أذنها عن صرخات جماعات حقوق الإنسان،
قالت الأم بسخرية مريرة : مع ما تفعله بنا السلطات الروسية من عمليات التـعذيـب والاختطاف والاحتجاز السري للمدنيين. فلا حقوق لأى انسان,
هذا ان بقى على قيد الحياة
آدم : "الاغتـصـابات والتـعـذيب وأحكام الإعدام التي تنفذها القوات الروسية خارج سلطة المحكمة، تحدث هنا تقريبا بشكل يومي "، وكالة الأنباء الفرنسية
لذا فالجميع هنا فى حالة من الرعب جعلتهم لا يستطيعون حتى مساعدة جيرانهم, الأمر أسوأ بكثيرمن الحرب، وبإمكانك أن تسألى أي فرد هنا،
الجميع يرتعد خوفا.
قالت كاترين بعد أن أصبح الوضع شديد الوضوح بالنسبة لها : ولهذا لم يرتاحوا لوجودنا بوصفنا صحفيين عند حاجز التفتيش, لا شك فى أنهم يخشون أن نفضح ممارساتهم وأفعالهم اللآ انسانية
يريدون غلق الحدود، ومنع تسريب أخبار عن ممارساتهم في الشيشان سوى ما يمليه الروس فقط على الإعلام
الذئب : "لقد وضع رئيس الوزراء هدفه من الحملة على الشيشان، وهو، باختصار، أن تختفي الشيشان من الصفحات الأولى للصحف"
ونجحت الماكينة الإعلامية الروسية الى حد بعيد في تشويه صورة الشيشانيين في عيون الرأي العام الروسي، وبفضل خطتها الإعلامية المحكمة التي تقوم على التعتيم والانتقاء في البث والنشر خففت -إلى حد كبير- من الضغط الشعبى الداخلي على الكرملين، كما تمكنوا من منع وصول الحقيقة إلى الرأي العام العالمي، وتحولت القضية من قضية شعب يبحث عن الاستقلال إلى شعب إرهابي بأكمله
..........................................
يتبع..........................
|