بيتٌ .. وبيت!!
بيتٌ .. وبيت!!
نتكلم اليوم عن نموذجين لبيتين مختلفين تمام الاختلاف في التعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
البيت الأول: بيت أبي لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم:
وهو بيت آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكثر من إيذائه. وأبو لهب هذا هو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم. ونتساءل لماذا خُص أبو لهب من بين سائر الكفار من صناديد قريش بالتوعد بالعقوبة في القرآن الكريم؟ والسبب في ذلك هو شدة معاداته له صلى الله عليه وسلم، فقد كان كثير الأذية والبغض له، والازدراء به والتنقص له ولدينه.
فمع بداية مرحلة الدعوة الجهرية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بني هاشم بعد نزول آية ? وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلأَقْرَبِينَ ? ] الشعراء: 214 [، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلاً . فلما أراد أن يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادره أبو لهب وقال : هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم في ذلك المجلس .
ثم دعاهم ثانية وقال : " الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " . ثم قال : " إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا " .
فقال أبو طالب : ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك . وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أُمرت به . فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب . فقال أبو لهب : هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم. فقال أبو طالب : والله لنمنعه ما بقينا . [1]
ثم بعد أن تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلّغ عن ربه، صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبيلة قبيلة.
فلما سمعوا قالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد . فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش . فلما اجتمعوا أخذ يدعوهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله ، فخص وعم. ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يُذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال : تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت فيه : ? تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ? [المسد:1] . [2]
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج يتبع الناس في منازلهم وفي عُكَاظ ومَجَنَّة وذى المَجَاز، يدعوهم إلى الله ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب . وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .[3]
وقد رُوي ما يفيد أن أبا لهب كان لا يقتصر على التكذيب، بل كان يضربه بالحجر حتى يدمى عقباه .[4]
ولما بدأت قريش في التنكيل بالمسلمين، لم تستطع في بادئ الأمر الاجتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن مع استمراره صلى الله عليه وسلم في دعوته، بدأت في مد يد الاعتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاء والتشويه والتلبيس والتشويش وغير ذلك . وكان من الطبيعي أن يكون أبو لهب في مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رؤوس بني هاشم، فلم يكن يخشى ما يخشاه الآخرون، وكان عدوًا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه قريش. [5]