عرض مشاركة واحدة
  #28  
قديم 03-01-2014, 09:13 PM
prinofdar
ضيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الفصل الثاني

العلم

البدايات - الرياضة - الفلك - الطب - الجراحة

يرى هربرت سبنسر ذلك الأخصائي العظيم في جمع الشواهد للوصول إلى النتائج ، أن العلم – كالأدب - بدأ بالكهنة ، واستمد أصوله من المشاهدات الفلكية التي كانت تحدد مواقيت المحافل الدينية ، ثم صِينَ في كنف المعابد ونُقِلَ عَبر الأجيال باعتباره جزءاً من التراث الديني ؛ ولسنا نستطيع الجزم برأي في هذا ، لأن البدايات لا تمكننا من معرفتها ، سواء في العلم أو في غيره ؛ وكل ما نستطيعه هو التخمين والظن ؛ فيجوز أن يكون العلم - شأنه في ذلك شأن المدنيَّة بصفة عامة - قد بدأ مع الزراعة ؛ فالهندسة في أولها كانت عبارة عن قياس الأرض المزروعة ؛ وربما أنشأ علمَ الفلك حسابُ المحصول والفصول الذي يستدعي مشاهدة النجوم وإنشاء التقويم ؛ ثم تقدم الفلك بالملاحة ، وطَورَت التجارة علم الرياضة ، كما وضعت فنونُ الصناعة أسس الطبيعة والكيمياء .
وربما كان العدُّ من أول ما شهد الإنسان من صور الكلام ، ولا يزال العدُّ في كثير من القبائل يتم على صورة تبعث على الابتسام ببساطتها ؛ فقد عَدَّ "التسمانيون" إلى العدد اثنين لم يجاوزوه : "بارمَرِى ، كالاباوا ، كاردِيا" – يعني : "واحد، اثنين ، كثير" والهولنديون الجدد ليس لديهم كلمات للفظتي ثلاثة أو أربعة ، بل هم يطلقون على ثلاثة كلمة "اثنين - واحد" وعلى أربعة كلمة "اثنين- اثنين" ؛ وأهل "دامارا" لا يقبلوا أن يبادلوا غنمتين بأربع عصي ، لكنهم يقبلون أن يبادلوا غنمة بعَصَوَين ، ثم يكررون العملية مرة أخرى ؛ ولقد كان العَدُّ وسيلته الأصابع ، ومن هنا نشأ النظام العشري ؛ ولما أدرك الإنسان فكرة العدد اثني عشر ، والأغلب أن يكون أدركه بعد حين من الزمن ، فرح به لأنه كان مريحاً للنفس بقبوله القسمة على خمسة من الأعداد الستة الأولى ؛ وهنا وُلد النظام الاثنا عشري في الحساب ، وهو نظام لا يزال قائماً ، لا يريد لنفسه الزوال ، في المقاييس الإنجليزية حتى اليوم ؛ فاثنا عشر شهراً تكوّن عاما ، واثنا عشر بنساً تكون شلناً ، و "الدستة" اثنا عشر ، و "الجروسة" اثنا عشر "دستة" والقدم اثنا عشر بوصة ؛ أما العدد ثلاث عشر ، فهو على عكس سالفه ، يأبى الانقسام ، ولذا أصبح بغيضاً عند الناس ، ومبعثاً للتشاؤم إلى الأبد ؛ ولما أضيفت أصابع القدمين إلى أصابع اليدين ، تكونت فكرة العشرين ؛ ولا يزال استعمال هذا العدد في العدّ ظاهراً في قول الفرنسيين "أربع عشرينات" ليدلوا على "ثمانين" ؛ وكذلك استخدمت أجزاء أخرى من البدن معايير للقياس ، فاليد كلها "للشبر" والإبهام للبوصة "اللفظتان في اللغة الفرنسية ينوب عنهما لفظة واحدة تؤدي المعنيين" والذراع حتى المرفق للذراع ؛ والذراع كلها لمقياس آخر "يسمى ذراع الهندازة" والقدم للقدم ؛ وفي عصر متقدم ، أضيف الحصوات إلى الأصابع لتعين على عملية العدّ ؛ ولا تزال الكلمة الإنجليزية للعدّ ، "Calculate" تشير بأصلها اللغوي إلى أصلٍ معناه "حجر صغير" مما يدل على صغر المسافة التي تفصل القدماء السذج عن المحدثين ، ولقد تمنى "ثورو" Thoreau أن يحيا هذه الحياة البدائية الساذجة ، وأجاد التعبير عن حالة كثيراً ما تعاود الإنسان فقال : "إن الرجل الأمين لا يكاد يجد الحاجة إلى عدّ يجاوز به أصابع يديه ، وقد يضيف إليها أصابع قدميه في حالات نادرة ؛ ثم يكدس ما بقى له بعد ذلك في كتلة واحدة ؛ فرأيي هو أن نُجري أمورنا على نسق الاثنين أو الثلاثة ، لا على نسق المائة أو الألف ، فبدل المليون ، عُدَّ ستة فقط، وسجل حسابك على ظفر إبهامك" .

وربما كانت بداية الفلك في قياس الزمن بحركات الأجرام السماوية وكلمة "مقياس" نفسها " في اللغة الإنجليزية measure" وكلمة شهر "month"- بل ربما كانت كلمة إنسان man أيضاً وهو الذي يقوم بالقياس - كل هذه الكلمات تَرتَدُّ - بغير شك - إلى أصل لغويَّ معناه القمر "moon" ذلك لأن الناس قاسوا الزمن بدورات القمر قبل قياسه بالأعوام بزمن طويل ؛ فالشمس - مَثَلُها في ذلك مَثَلُ الأب لم تستكشف إلا في وقت متأخر نسبيا ؛ وحتى اليوم ترانا نحسب موعد عيد الربيع "Easter" بأوجه القمر ؛ وكان لأهل بولنيزيا تقويمَّ ، العامُ فيه ثلاثة عشر شهراً ينظمها القمر ؛ فلما رأوا أن سنتهم القمرية تختلف اختلافا بيّنا عن مواكب الفصول ، أسقطوا شهراً قمرياً ، وبذلك استعادوا التوازن بين سنتهم وبين الفصول ؛ لكن استخدام الأجرام السماوية على هذا النحو المتزن كان شـذوذاً بالقياس إلى التخبط في استخدامها للتنجيم ، فالتنجيم قد سبق علم الفلك ، وربما دام وجوده على الرغم من ظهور علم الفلك ؛ ذلك لأن النفوس الساذجة أكثر اهتماما بالكشف عما يخبئه لها الغيب منها بمعرفة الزمن ؛ فنشأت ألوف الخرافات عن تأثير النجوم في خُلُق الإنسان ونصيبه المقدور ، ولا يزال كثير من هذه الخرافات مزدهراً في يومنا هذا وربما لم تكن هذه الخرافات خرافات بالمعنى الصحيح ، ويجوز أن تكون ضربا آخر من الخطأ في التعليل ؛ وما العلم نفسه إلا الضرب الأول من ذلك الخطأ .

والإنسان البدائي لا يصوغ شيئاً من قوانين علم الطبيعة ، ويكتفي بممارستها من الوجهة العملية ؛ فلئن لم يكن في مقدوره أن يقيس مسار المقذوف في الفضاء ، إلا أنه يستطيع أن يصوب سهامه نحو الهدف فلا يخطئ ؛ ولئن لم يكن لديه رموز كيماوية، إلا أنه يستطيع أن يميز بلمحة سريعة أي النباتات سام وأيها طعام ، بل يستطيع أن يستخدم الأعشاب استخداماً دقيقاً في شفاء أمراض البدن ؛ والأرجح أن يكون أول من أمتهن حرفة الطب هن من النساء ، لا لأنهن الممرضات الطبيعيات للرجال فحسب ، ولا لأنهن جعلن من فن التوليد - أكثر مما جعلن من مهنة الارتزاق - أقدم المهن جميعاً فحسب ؛ بل لأن اتصالهن بالأرض كان أوثق من اتصال الرجال بها ، فأتاح ذلك لهن علما أوسع بالنبات ، ومكنَهن من التقدم بفن الطب ، ومَيَّزنَه عن التجارة بالسحر التي كان يقوم بها الكهنة ؛ فمنذ أقدم العصور حتى عصر يقع في حدود ما تعيه ذاكرتنا ، كانت المرأة هي التي تباشر شفاء المرضى ؛ ولم يلجأ المريض عند البدائيين إلى طبيب يشفيه أو إلى ساحر إلا إذا أخفقت المرأة في أداء هذه المهمة .

وإنه لما يثير الدهشة في نفسك أن تعلم كم من الأمراض كان يشفيها هؤلاء البدائيون على الرغم من قصور علمهم بالأمراض ؛ فالمرض عند هؤلاء السُّذَّج - فيما بدا لهم - كان نتيجة لحلول قوة غريبة عنه أو روح غريبة في بدنه - وهو تصور لا يختلف من حيث الجوهر عن النظرية التي تسود الطب الآن من تعليل المرض بدخول الجراثيم في الجسم ؛ وأوسع طرق العلاج شيوعا بين البدائيين هو اصطناع رُقيَةٍ سحرية من شأنها أن تسترضي الروح الشريرة التي حَلَّت في البدن العليل ؛ لعلها تنزاح عنه ؛ وإذا أردت أن تعرف مدى رسوخ هذه الطريقة في أفئدة الناس بحيث لا تزول عنها أبداً ، فاقرأ قصة "خنزير جادارين" Gadarene Swine ، وحتى اليوم ترى الناس يعللون الصرع بحلول روح شرير في البدن ؛ وبعض العقائد الدينية المعاصرة تنص على طرائق معينة لإخراج مثل هذا الروح الشرير من جسم العليل إذا أريد شفاؤه ؛ والكثرة الغالبة من الناس تعترف بالصلاة والدعوات على أنها تعين على الشفاء مع أقراص الدواء ؛ وربما كان البدائيون يقيمون طريقتهم في العلاج على نفس الأساس الذي يقيم عليه أحدث الطب طريقته ، ألا وهو الشفاء بقوة الإيحاء ؛ غير أن أفاعيل أولئك الأطباء الأولين كانت أشد استلفاتاً للنظر بأساليبها المسرحية ، مما يصطنعه خلفاؤهم الذين ازدادوا عنهم حضارة ؛ فقد كانوا يحاولون طرد الروح الحالّ في جسم المريض بتخويفه بما يلبسونه له من أقنعة مفزعة ، وما يغطون به أجسادهم من جلود الحيوان ، وبصياحهم وهذيانهم وتصفيقهم بالأيدي ، و "الشخشخة" بالصفائح وامتصاص الشيطان من الجسم المريض بواسطة أنبوبة مجوفة ؛ فكما كان يقول المثل السائر : "الطبيعة تشفى المريض، والعلاج يسرُّ المريض" وأما قبائل "بورورو" Bororos البرازيلية فقد تقدمت بالعلم خطوة حين كانت تطلب إلى الوالد شرب الدواء ليشفى بذلك طفله المريض ، ولقد كان الطفل يشفى في اطّراد كاد أن يكون شاملا كاملاًا .

وإلى جانب الأعشاب الطبية نجد بين الأساليب الصيدلية الكثيرة التي كان يلجأ إليها الإنسان البدائي ، صوفاً من المخدرات المنومة التي أريد بها أن تخفف الألم وتهوّن الجراحات ؛ فسموم مثل Curare الذي كثيراً ما يضعونه على أطراف سهامهم ؛ ومخدرات مثل نبات القنَّب والأفيون والكافور ، هي أقدم تاريخاً من التاريخ ؛ حتى ليرجع أحد المخدرات الشائعة بيننا اليوم إلى استخدام سكان بيرو لنبات الكوكا لهذه الغاية ؛ ويحدثنا "كارتييه" Cartier كيف كان أهل "إراكوا" يشفون مرض الإسقربوط بلحاء أشجار التنّوب والشوكران وأوراقها وكذلك عرف الجراحون البدائيون طائفة مختلفة من الجراحات والأدوات ، فالولادة كانت تتم على نحو مُرضٍ ، والكسور والجروح كانت تُضَمَّدُ وتُلَفُّ بمهارة ؛ وبواسطة مُدى من الحجر الزجاجي الأسود ، أو من الصّوَّان المرهف ، أو أسنان السمك ، كانوا يستخرجون الدم من "الخُرَّاجات" ويجففونها ، كما كانوا يشرطون الأنسجة ؛ وقد مارس البدائيون "تَربَنَةً" الجمجمة منذ أيام هنود بيرو الأقدمين إلى أهل ملينزيا المحدثين ؛ وكان الملنيزيون ينجحون في تسع حالات من كل عشر حالات بينما كانت الجراحة نفسها عام 1786 تنتهي بالموت في كل الحالات بغير استثناء في مستشفى "أوتيل دييه" Hotel- Dieu في باريس .

إننا نبتسم لجهل البدائيين ، بينما نستسلم جادّين للأساليب الطبّية الكثيرة التكاليف في أيامنا ؛ يقول "الدكتور أولفر وندل هولمز" Oliver Wendell Holms بعد حياة طويلة قضاها في شفاء المرضى : "لن يتردد الناس في أداء شيء ، بل ليس هناك شيء لم يؤدوه فعلا ، في سبيل استعادة العافية وإنقاذ الحياة ؛ فقد رضوا أن يغُرَقوا في الماء نصف إغراق ، ويختنقوا بالغاز نصف اختناق ؛ ورضوا أن يدفنوا في الأرض إلى أذقانهم ، وأن يوصموا بالحديد المُحَمَّى مثل عبيد قادس ؛ ورضوا أن يُقصَبُوا بالُمدَى كأنهم سمك القُدّ ، وأن تثقب لحومهم بالإبرَ ، وأن تُشعَلَ المشاعل على جلودهم ، ورضوا أن يجرعوا كل صنوف المقززات ، وأن يدفعوا لذلك كله أجراً كأنما سَلقُ الجسم وإحراقه ميزةّ ثمينة ، وكأنما "الفقافيق" نعمة ، ودُودُ العَلَق ضرب من الترف" >
رد مع اقتباس