عرض مشاركة واحدة
  #21  
قديم 30-12-2013, 05:12 PM
prinofdar
ضيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الدين

الملاحدة البدائيون

إذا عرفنا الدين بأنه عبادة القوى الكائنة فوق الطبيعة. فلابد لنا منذ البداية أن نلاحظ أن بعض الشعوب- فيما يبدو- ليس لهم ديانة على الإطلاق فبعض قبائل الأقزام في أفريقيا لم يكن لهم عقيدة أو شعائر دينية يقيمونها بحيث يراها المشاهدون ؛ ولم يكن لهم طوطم ولا أصنام ولا آلهة ؛ وكانوا يدفنون موتاهم بغير احتفال ، فإذا ما فرغوا من دفنهم لم يبدُ عليهم ما يدل على إنهم يهتمون لأمرهم بعد ذلك إطلاقاً ، بل أعوزتهم حتى الخرافة ، ذلك لو أخذنا بأقوال الرحالة فلم نظن بأقوالهم الإسراف الذي يعز على التصديق ؛ وأما أقزام "الكامرون" فلم يعترفوا إلا بآلهة الشر وحدها ، ولم يحاولوا قط إرضاء هؤلاء الآلهة على أساس أن المحاولة في هذه السبيل عبث لا يجدي ؛ وقبيلة "في ذا" في سيلان اعترفت باحتمال وجود الآلهة وخلود الروح ، لكنهم لم يجاوزوا ذلك الحد بحيث يؤدون الصلاة أو يقدمون القرابين ؛ وسأل أحدهم سائلٌ عن الله فأجاب في حيرة فيلسوف حديث : "أيكون على صخرة أم على تل من تلال النمل الأبيض أم على شجرة ؟ إني لم أر قط إلهاً! " ؛ وهنود أمريكا الشمالية تصوروا إلها لكنهم لم يعبدوه ، وظنوا- كما ظن أبيقور- أنه أبعد من أن يعنى بأمورهم ، وقال هندي من قبيلة "أبيبون" ما عساه أن يحير عالماً من علماء الميتافيزيقا ، إذ قال في لهجة كونفوشية "إن آباءنا وأجدادنا كانت تغنيهم هذه الأرض وحدها ، لا يرجون شيئاً سوى أن يُنبت لهم السهل كلأ ويفجر لهم ماء لتَطعمَ جيادُهم وتشرب ؛ إنهم لم يشغلوا أنفسهم أبداً بما يجري في السماء ، وبمن ذا عسى أن يكون خالق النجوم وحاكمها" ، ولما كان الإسكيمو يُسألون من ذا صنع السماوات والأرض ، كانوا يجيبون دائماً بقولهم "لسنا ندري" ، وسئل رجل من "الزولو" : "إذا رأيت الشمس تشرق وتغيب ، وإذا رأيت الشجر ينمو ، فهل تعرف من خالقها ومن حاكمها؟ " أجاب في بساطة بقوله "كلا ، فنحن نراها ، لكننا لا نستطيع أن نعلم أنىّ جاءت ، ويظهر أنها جاءت من تلقاء أنفسها" .
على أن هذه حالات نادرة الوقوع ، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليما ؛ وهذه ، في رأي الفيلسوف ، حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية ، فهو لا يكفيه أن يعلم عن الديانات كلها أنها مليئة باللغو الباطل، لأنه معنى قبل ذلك بالمشكلة في ذاتها ، أعني مشكلة العقيدة الدينية من حيث قِدمَ ظهورها ودوام وجودها ، فما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شئ من صدر الإنسان ؟ .

1- مصادر الدين

الخوف - الدهشة - الأحلام - النفس - الروحانية

الخوف- كما قال لوكريشس- أول أمهات الآلهة ، وخصوصاً الخوف من الموت ، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار ، وقلما جاءتها المنيَّةُ عن طريق الشيخوخة الطبيعية ، فقبل أن تدب الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل ، كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الاعتداء العنيف أو بمرض غريب يفتك بها فتكا ، ومن هنا لم يصدق الإنسان البدائي أن الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة ، ففي أساطير سكان بريطانيا الجديدة الأصليين ، جاء الموت نتيجة خطأ أخطأته الآلهة ، فقد قال الإله الخير "كامبيناتا" إلى أخيه الأحمق "كورفوفا" : "اهبط إلى الناس وقل لهم يسلخوا جلودهم حتى يتخلصوا من الموت ، ثم أنبئ الثعابين أن موتها منذ اليوم أمر محتوم" فخلط "كورفوفا" بين شطري الرسالة بحيث بلغ سر الخلود للثعابين ، وقضاء الموت للإنسان ؛ وهكذا ظن كثير من القبائل أن الموت مرجعه إلى تقلص الجلد ، وأن الإنسان يخلد لو استطاع أن يبدل بجلده جلداً آخر .

وتعاونت عدة عوامل على خلق العقيدة الدينية ، فمنها الخوف من الموت ، ومنه كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة أو الأحداث التي ليس في مقدور الإنسان فهمها ، ومنها الأمل في معونة الآلهة والشكر على ما يصيب الإنسان من حظ سعيد ، وكان أهم ما تعلقت بهدهشتهم وما استوقف أنظارهم بسره العجيب هما الجنـس والأحلام ، ثم الأثر الغريب الذي تحدثه أجرام السماء في الأرض والإنسان ؛ لقد بهت الإنسان البدائي لهذه الأعاجيب التي يراها في نومه ، وفزع فزعا شديداً حين شهد في رؤاه أشخاص أولئك الذين يعلم عنهم علم اليقين أنهم فارقوا الحياة ؛ لقد دفن موتاه بيديه ليحول دون عودتهم ؟ لقد دفن مع الموتى ألوان الطعام وسائر الحاجات حتى لا يعود الميت من جديد فيصبّ عليه لعنته ، بل كان أحيانا يترك للميت الدار التي جاءه فيها المـوت ، وينتقل هو إلى دار أخرى ، وفي بعض البلدان كان الإنسان البدائي يُخرج الجثة من الدار خلال ثقب في الحائط، لا من بابها ، ثم يدور بها حول الدار ثلاث دورات سريعة ، لكي تنسى الروح أين المدخل إلى تلك الدار فلا تعاودها أبدا .

مثل هذه الأحداث التي كانت تصادف الإنسان البدائي في حياته ، أقنعته بأن كل كائن حي له نفَس أو حياة دفينة في جوفه ، يمكن انفصالها عن الجسد إبان المرض والنوم والموت ؛ جاء في كتاب من كتب "بوبانشاد" في الهند القديمة : "لا يوقظنَّ أحد نائماً إيقاظاً مفاجئاً عنيفاً ؛ لأنه من أصعب الأمور علاجا أن تضل الروح فلا تعرف طريقها إلى جسدها" وليست الروح بقاصرة على الإنسان وحده ، بل إن لكل شئ روحا ً، والعالم الخارجي ليس مـواتاً ولا خلواً من الإحساس ، لكنه كائن حي دافق الحياة . ولو لم يكن الأمر كذلك- هكذا ظن الفلاسفة القدامى- لكان العالم مليئاً بالأحداث التي يستحيل تعليلها ، مثل حركة الشمس ، أو البرق الذي يصعق الأحياء ، أو تهامس الشجر ، وهكذا تصور الناس الأشياء والحوادث مشخصة قبل أن يتصوروها جوامد أو مجردة ؛ وبعبارة أخرى سبقت الديانة الفلسفة ؛ وهذه الروحانية في النظر إلى الأشياء هي ما في الدين من شعر ، وما في الشعر من دين ؛ وقد نشاهدها في أبسط صورها ، في عيني الكلب الدهِشتَين إذ يرقب بهما ورقة حملته الريح أمامه ، فربما ظن إزاءها أن لها روحا تحركها من باطنها ، وهذا الشعور نفسه هو الذي تصادفه في أعلى درجاته عند الشاعر فيما ينظم من قصيد ؛ ففي رأي الإنسان البدائي- وفي رأي الشعراء في كل العصور- أن الجبال والأنهار والصخور والأشجار والنجوم والشمس والقمر والسماء ، كلها أشياء مقدسة لأنها العلامات الخارجية المرئية للنفوس الباطنية الخفية ؛ وكذلك الحال مع اليونان الأقدمين إذ جعلوا السماء هي الإله "أورانوس" ، والقمر هو الإله "سلين" ، والأرض هي الإلهة "جى" ، والبحر هو الإله "بوزيدن" ، وأما الإله "بان" ففي كل أرجاء الغابات في وقت واحد ؛ والغابات في رأي الجرمان الأقدمين كانت في أول أمرها عامرة بالجن والشياطين والسحرة والمَرَدة والأقزام وعرائس الجن وإنك لتلمس هذه الكائنات الجنية مبثوثة في موسيقى "فاجنر" وفي مسرحيات "إبسِن"الشعرية ؛ والفلاح الساذج في إيرلندة لا يزال يؤمن بوجود الجنيات ، ويستحيل أن يُعترف بشاعر أو كاتب مسرحي على أنه من رجال النهضة الأدبية هناك إلا إذا أدخل الجنيات في أدبه ، وإن في هذه النظرة الروحانية لحكمةً وجمالاً ، فمن الخير الذي يشرح الصدور أن تعامل الأشياء معاملتك للأحياء ؛ والنفس الحساسة- كما يقول أرهف الكتاب المعاصرين حساسية- ترى كأنما :

"الطبيعة أخذت تتبدى في هيئة مجموعات كبرى من كائنات حية مستقل بعضها عن بعض ؛ بعضها مرئي وبعضها خفي ، لكنها جميعاً من طبيعة العقل ، ثم هي جميعاً من طبيعة المادة ، وهي كذلك جميعاً تمزج في أنفسها بين العقل والمادة فتكون بذلك سر الوجود العميق... إن العالم ملئ بالآلهة ! فمن كل كوكب ومن كل صخرة ينبثق وجود يثيرنا بنوع من الإحساس الذي ندرك به كثرة ما هنالك من قوى شبيهة بقوى الآلهة ، فمنها القوي ومنها الضعيف ، ومنها الجليل ومنها الضئيل ، تتحرك كلها بين السماء والأرض لتحقق غاياتها التي كتمتها في أجوافها سراً" .
رد مع اقتباس