الموضوع: دلائل النبوة
عرض مشاركة واحدة
  #163  
قديم 12-12-2013, 02:10 AM
الصورة الرمزية محمد رافع 52
محمد رافع 52 محمد رافع 52 غير متواجد حالياً
مشرف ادارى متميز للركن الدينى ( سابقا )
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 19,444
معدل تقييم المستوى: 37
محمد رافع 52 will become famous soon enough
افتراضي

وهكذا فإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عما يصنعه اليوم كثير من الناس، وهو تسليم المرء على خاصته من أقرباء وأصدقاء دون بقية المسلمين الذين لا يعرفهم، هذا الإخبار منه صلى الله عليه وسلم علامة على نبوته، لأنه إخبار بغيب لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه.
وقد تضمن الحديث السالف أموراً أخرى كثرت في دنيا الناس، وبخاصة قطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان الحق.
كما ذكر الحديث أمراً عجباً حين أخبر عن فشو التجارة ومشاركة المرأة زوجها فيها، وهو ما يكثر في زماننا.
وأعجب منه قوله صلى الله عليه وسلم: (( وظهور القلم))، أي تعلم الناس الكتابة، وهو أمر لم يتحقق إلا في هذا القرن، حيث تراجعت نِسب الأمية بين شعوب العالم، وهي في طريقها إلى الزوال، وبخاصة مع تيسر سبل التعليم وتقدم وسائط الاتصالات.
والسؤال ، كيف عرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً أن الكتابة تفشو بين الناس، لقد أنبأ به في عصر كان عدد الكتبة فيه لا يكاد يتجاوز الألف. إنه عَلم آخر من أعلام النبوة.
ومن براهين النبوة المتعلقة بأشراط الساعة قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)).[28]

قال أنس: (يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً).
ولما تيقن ابن عباس بتحقق هذا الخبر النبوي قال: (لتزخرفُنها كما زخرفت اليهود والنصارى).[29]
قال ابن رسلان: "هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره صلى الله عليه وسلم عما سيقع بعده، فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس".[30]

ومن هذه الأخبار العجيبة الباهرة إخباره صلى الله عليه وسلم بتطاول الناس في البنيان، قال هذا في وقت ما عرف الناس فيه شاهق البنيان، ففي صحيح مسلم أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة، فقال صلى الله عليه وسلم : ((أن تلد الأَمَة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالةَ رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان)).[31]

قال النووي : "معناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان".[32]

وقد تحقق هذا في زماننا ، فتقدم العلم، وكثر المال، وارتفع - بفضل الله - البنيان، ووصل الأمر بالناس إلى التفاخر فيه، وأغدق الله من فضله وجوده على بلاد كانت تشكو الفقر، فأضحت - بفضل الله - أغنى بلاد الدنيا، فتطاول أهلها مع غيرهم في البنيان، وهو مصداق ما أنبأ عنه صلى الله عليه وسلم.
ومما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكون قبيل الساعة، وتحقق في زماننا؛ استغناء الناس عن ركوب الدواب، التي استبدلوها بما أنتجته التقنية الحديثة من السيارات والطائرات وغيرها من وسائل الانتقال، وهو أمر حديث أشار إليه القرآن بقوله:[ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون] (النحل: 8) فإذا ما خلق الله هذه الوسائل الجديدة تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ولتُتركن القِلاص فلا يُسعى عليها)).[33]
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بعض صفات المركوبات التي سيستحدثها الناس وبعض ما سيرافقها من المنكرات فقال: ((سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المسجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهم كأسنمة البخت العجاف )). [34]
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الشرور التي تصيب أمته بين يدي الساعة، ونرى كثيراً منها بين المسلمين اليوم، ومنها أنّا نرى في بعض بلاد المسلمين من يقرأ القرآن في المآتم وعلى القبور أو على أبواب المساجد، يرجو من ذلك المال أو الشهرة ، لا الأجر والثواب، بل إن بعضهم يقرأ بحسب ما يعطى من المال، وهذا مصداق لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه حين قال: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس)).[35]
وفي رواية البيهقي: ((فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرأ لله عز وجل)).[36]

والناظر في أحوال الكثيرين من شباب وفتيات المسلمين يسوؤه ما يراه من تقليد للآخرين في زيهم وشاراتهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل وقصات شعورهم، فقد صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبراَ شبراَ، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟)).[37]
قال النووي: "السَنَن بفتح السين والنون، وهو الطريق، والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم".[38]
وأما ما ينتشر بين المسلمات من تبرج وتكشف في جلابيبهن وملابسهن التي أضحت صورة من صور الغواية لا الستر؛ فهذا تحقيق لما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)).[39]
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ((رؤوسهن كأسنمة البخت)) كما نقل النووي: "يعظمن رؤوسهن بالخمُر والعمائم وغيرها مما يلفّ على الرأس، حتى تشبه أسنمة الإبل".[40]
قال النووي: "هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة، أما الكاسيات ففيه أوجه [منها أن المرأة] تكشف شيئاً من بدنها إظهاراً لجمالها، فهن كاسيات عاريات يلبسن ثياباً رقاقاً تصِف ما تحتها، كاسيات [في الصورة، لكنهن] عاريات في المعنى".[41]
ولئن كان بعض هذا في زمن النووي رحمه الله؛ فإنه في عصرنا أظهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

ومما يكون بين يدي الساعة أيضاً ضياع الأمانة بين الناس، وهو ما تنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟
يقول أبو هريرة رضيى الله عنه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى صلى الله عليه وسلم حديثه قال: ((أين أراه السائل عن الساعة؟)) قال: ها أنا يا رسول الله.

فقال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة))، قال: كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).[42]
قال ابن بطال في معناه: "أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلَّدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها".[43]

فمن ضياع الأمانة في آخر الزمان أن تسند المسؤوليات لا إلى أربابها من أصحاب الكفاءات، بل إلى ما يملكه المرء من معارف وأموال يسترضي بها الآخرين.
وما تزال الأمانة تقل بين الناس حتى يأتي عليهم زمان تنقلب فيه الموازين، وترفع فيه الأمانة (( فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)).[44]

وتعاني أمة الإسلام حالة غريبة من التشرذم والضعف، وأصبحت بلادها كلأً مستباحاً للقاصي والداني، ولم يشفع لها أنها جاوزت المليار والربع من المسلمين، فهم غثاء كغثاء السيل، فصدق فيهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)).[45] إنه نبوءة من لا ينطق عن الهوى، وهو علم آخر من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ورسالته.
وهكذا فإن وقوع ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد مضي هذه القرون من تنبئه بهذه الأحداث وتلك المظاهر، لبرهان صدق ودليل حق على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
[1] رواه البخاري ح (79)، ومسلم ح (4825).
[2] رواه البخاري ح (80)، ومسلم ح (2671).
[3] رواه البخاري ح (1036).
[4] رواه البخاري ح (6037)، ومسلم ح (157).
[5] رواه البخاري ح (100)، ومسلم ح (2673).
[6] فتح الباري (13/18).
[7] فتح الباري (13/18).
[8] رواه النسائي ح (5658)، وأبو داود ح (3688)، وأحمد ح (17607)، والدارمي ح (2100)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (9584).
[9] ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم في باب: "ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه".
[10] رواه البخاري ح (5581)، ومسلم ح (3032).
[11] نقله عنه ابن حجر في الفتح (1/179).
[12] رواه مسلم ح (2908).
[13] فتح الباري (1/215).
[14] رواه البخاري ح (1036).
[15] رواه البخاري ح (6037)، ومسلم ح (157).
[16] تحفة الأحوذي (6/514).
[17] عون المعبود (11/223).
[18] فتح الباري (13/20).
[19] أخرجه مسلم ح (157).
[20] مجلة الإعجاز العلمي، العدد السادس (ص 33).
[21] إنه الحق، هيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي (ص 34).
[22] رواه البخاري ح (2059).
[23] فتح الباري (4/347).
[24] رواه النسائي ح (4379)، وأبو داود ح (2893) ، وابن ماجه ح (2278).
[25] حاشية السندي على النسائي (7/243).
[26] رواه أحمد ح (3838)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
[27] رواه أحمد ح (3860)، والبخاري في الأدب المفرد ح (1049)، وصححه الحاكم (4/110)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (647).
[28] رواه النسائي ح (689)، و أبو داود ح (449)، وابن ماجه ح (739)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (432).
[29] الخبران ذكرهما البخاري معلقين في باب "بنيان المساجد".
[30] عون المعبود (2/84).
[31] رواه مسلم ح (8).
[32] شرح صحيح مسلم (1/159).
[33] رواه مسلم ح (255).
[34] رواه أحمد ح (7043).
[35] رواه الترمذي ح (2917)، وأحمد ح (19384).
[36] رواه البيهقي في شعب الإيمان ح (2630).
[37] رواه البخاري ح (7320)، ومسلم ح (2669).
[38] شرح صحيح مسلم (16/219-220).
[39] رواه مسلم ح (2128).
[40] شرح صحيح مسلم (17/190-191).
[41] شرح النووي على صحيح مسلم (17/190)، وانظر فيض القدير ، للمناوي (4/208).
[42]رواه البخاري ح (6496).
[43] فتح الباري (11/342).
[44] رواه البخاري ح (7086).
[45] رواه أبو داود ح (3745)، وأحمد ح (21363)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (5369).


د. منقذ بن محمود السقار
__________________
رد مع اقتباس