والقرآن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. ولقد حمل منهج الله للبشر ليحمى حركة الإنسان الإختيارية فى الكون .. ومادام الأنسان يلتزم حياته بالقرآن الكريم فانه يستمتع بالجمال فى الكون .. اما اذا خالفه فيكون الإنسان قد سعى الى شقائه . ولقد ظهرت الداءات والأمراض فى المجتمعات عندما خالف الإنسان منهج السماء ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً(82)
سورة الإسراء
لماذا قدم الله سبحانه وتعالى الشفاء على الرحمة .. لأن الرحمة تقى الناس من اى شر قادم ولكن لابد من الشفاء اولا .. وعندما نزل القرىن كانت الأمراض والداءات تملأ المجتمعات .. الظلم واكل حقوق الناس واستعباد الإنسان للأنسان وغير ذلك من امراض المجتمع .. فجاء الأسلام اولا ليشفى هذه الأمراض اذا اتبع منهجه .. ثم بعد ذلك تأتى الرحمة وتمنع عودة هذه الداءات . فاذا حدثت غفلة عن منهج الله .. جاءت الداءات والأمراض .. فاذا عدت الى صيدلية القرآن تأخذ منها الدواء يتم الشفاء .
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"
طلب الله سبحانه وتعالى من كل مؤمن ان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ..
قبل ان يقرأ القرآن .. اذن فالإستعاذة هى اول التقاء.. بين المؤمن وبين بداية قراءته للقرآن الكريم والله سبحانه وتعالى يقول :
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)
سورة النحل
وواضح ان الآية الكريمة .. تطلب منا الإستعازة بالله من الشيطان قبل ان نقرأ القرآن .. ذلك أن كل مخلوق إذا اتجه الى خالقه واستعاذ به يكون هو الأقوى برغم ضعفه وهو الغالب برغم عدم قدرته .. لأن الله عندما يكون معك . تكون قدرتك وقوتك فوق كل قدرة واعلى من كل قوة .. لأنك جعلت الله سبحانه وتعالى فى جانبك . ونحن حين نقرأ القرآن لابد ان نصفى جهاز استقبالنا لحسن استقبال كلام الله .وفى هذه الحالة لا نفعل ذلك بقدراتنا نحن ولا بقوتنا .. ولكن بالأستعانة بقوة وقدرة الله .. لماذا ؟ لأن معوقات المنهج عند الإنسان المؤمن انما هى من عمل الشيطان.
وابليس يأتى دائما من الباب الذى يرى فيه المنهج ضعيفا .. فاذا وجد انسانا متشدد فى ناحية ياتى له من ناحية اخرى . فلو ان العبد المؤمن متشدد فى الصلاة .. يحافظ عليها ويؤديها فى اوقاته ، جاءه ابليس من ناحية المال . يوسوس له بالا يخرج الزكاة لأنها ستؤدى به الى الفقر .. ويوسوس له ان يأكل حقوق الناس ..مدخلا السرور الى نفسه بالوهم بأنه سيصبح غنيا آمنا مطمئنا على غده .. وهذا كذب
والحقيقة هى التى رواها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : ( ما نقص مال من صدقة )رواه احمد ومسلم والترمذى عن ابى هريرة وتتمه الحديث "وما زاد الله عبدا بعفو الا عزا وما تواضع احد لله الا رفعه" والصدقة هى التى تكثر المال وتضع فيه البركة فيزداد وينمو .. والمال هو مال الله ينتقل من يد الى يد فى الدنيا .. ثم يموت الإنسان ويتركه..ولكن ابليس يستغل غفلة الناس عن هذه الحقيقة ليدفعهم الى المال الحرام .. فاذا كان الأنسان متشددا من ناحية المال .. جاءه من ناحية المرأة فيظل يزين له امرأة خليعة .. يوسوس له حتى يسقط فى الزنا .. وان كان قويا فى هذه النواحى كلها .. زين له ابليس الخمر او مجلس السوء او النميمة ..المهم ان ابليس يظل يدور حول نقط الضعف فى الإنسان ليسقطه فى المعصية .
ولذلك فان الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، انما تجعل الله سبحانه وتعالى يقوى نقط الضعف فيك . فلا يستطيع الشيطان ان ينفذ اليك وانت تقرأ القرآن ليضع فى رأسك هواجس تلهيك عن هذه القرأءة .. ذلك عطاء الله فى القرآن يساوى بين جميع الخلق .. فعطاء القرآن متساو ولكن كل انسان يأخذ قدر ايمانه .. فالقرآن يقرأ والناس تسمع ولكن هل يتقبل الجميع القرآ، تقبلا متساويا ؟ نقول لا ..فقد قال الله سبحانه وتعالى
ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم(16)
سورة محمد
اى ان القرآن لم يؤثر فيهم .. ولكنه أثر فى المؤمنين الذين استمعوا اليه مصداقا لقوله جل جلاله :
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِياًّ لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ(44)
سورة فصلت
فالقرآن عطاؤه للجميع ولكن المهم من يستقبله .. وكيف يستقبله عندما يتلى عليه .. والله سبحانه وتعالى يريدنا عندما نقرأ القرآن .. ان نبعد الشيطان عن انفسنا قبل ان يبعدنا هو عن منهج الله وعن آياته .. وبما اننا لا نرى الشيطان وهو يرانا .. ولا نعرف اين هو بينما هو يعرف اين نحن .. مصداقا لقوله تبارك وتعالى :
يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ(27)
سورة الأعراف
فلابد ان تستعيذ بقوة تستطيع ان تقهر الشيطان وتدمره .الله سبحانه وتعالى طلب منا ان نستعيذ به وان نلجأ اليه لأنه هو القادر على ان يحمينا .. ويصفى قلوبنا ونفوسنا من همزات الشياطين فيحس استقبالنا للقرآن الكريم .. لأنه اذا صفيت نفسك لأستقبال القرآن .. فان آياته الكريمة تمس قلبك ونفسك وتكون لك هدى ونور
والشيطان قد قضى الله سبحانه وتعالى فى أمره فطرده من رحمته رجيما مبعدا .. والشيطان يعرف أن مصيره النار ويعتقد ان آدم هو السبب .. لأن بداية المعصية كانت رفض ابليس طاعة أمر الله فى السجود لآدم .. وقال كما يروى لنا القرآن الكريم .
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(12)
سورة الأعراف
وكانت معصية ابليس فى القمة .. لأنه رد الأمر على الآمر .. وقال لن اطيع ولن اسجد لآدم لأننى خير منه .. هو من طين وانا من نار .. فكأنه لم يرض بحكم الله سبحانه وتعالى واراد ان يعدله . وهذه معصية فى القمة.. جعلت الله تبارك وتعالى يطرد ابليس من رحمته .. ويصفه بأنه رجيم .. وذلك حتى نعرف ان مصيره النار وان الله لن يغفر له .
وبدأ ابليس بغواية آدم عليه السلام .. فآدم عاش فى جنة تعطيه مقومات حياته بلا تعب وبلا عمل .. وكان فى الجنة الوف الأشجار تعطى كل الثمرات وهى حلال لأدم وحواء يأكلان منها ما يشاءان .. ما عدا شجرة واحدة حرمها الله عليهما ..وكانت هذه الشجرة هى بداية الخطيئة ..بدأ ابليس يغرى آدم وحواء على المعصية .. كيف ؟ .. حاول اقناعهما بأن عدم الأكل من هذه الشجرة .. سيحرمهما من خير كبير .. واقرأ قول القرآن الكريم:
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ(20)
سورة الأعراف
وفى إغواء أخر:
"فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى(120)
سورة طه
وهكذا نعرف ان ابليس يأتى للإنسان من اكثر من زاوية .. لذلك كانت الزاوية الأولى هى ان هذه الشجرة من يأكل منه يكون ملكا او يكون خالدا .. وكان الأغواء الثانى ان هذه الشجرة تعطى لمن يأكل منها بجانب الخلود ملكا لا ينتهى .
إذا فإبليس يصور للإنسان .. ان ما منعه الله عنه هو الخير .. وانه لو عصى فسيحصل على المال والنفوذ .. لقد اكل آدم وحواء من الشجرة . فلم يخلدا ولم يأت لهما مُللك لا ينتهى . بل ظهرت عوراتهما وعرفا ان ابليس كان كاذبا .. وان الله سبحانه وتعالى بمنهجه وما ينهانا عنه انما كان يريد لهما الخير .
ولكن الشيطان ياتى ويزين للانسان طريق الباطل .. ولو ان آدم كان قد حكم عقله لعرف كذب وسوسة ابليس.. فابليس كما يدعى كان يدل ادم على شجرة الخلد .. ولو ان هذه الشجرة كانت تعطى الخلد فعلا .. لما طلب ابليس من الله تبارك وتعالى ان يبقى على حياته الى يوم القيامة .. بل لأكل من الشجرة ونال الخلد.
ولكن ابليس دخل من ناحية الغفلة فى النفس البشرية ليوقع ادم فى المعصية .. وهو يدخل الى ابناء ادم من ناحية الغفلة ايضا . ولو ان ابناء ادم حكموا عقولهم وهم يعرفون ان هناك عداوة مسبقة بين ادم وابليس .. وان ابليس طلب من الله سبحانه وتعالى ان يبقيه الى يوم القيامة لينتقم من ادم واولاده باغوائهم على المعصية .. لوتنبهنا الى ذلك لأخذنا حذرنا .. وعندما تنكشف وسوسة الشيطان فانه يهرب
ابليس دخل الى ناحية الغواية بان اقسم بعزة الله .. وان الله عزيز لا يحتاج لخلقه ولا يضره سبحانه وتعالى من كفر ولا يزيد شيئا فى ملكه من آمن ..
استغل عزة الله فى استغنائه عن خلقه فقال كما يروى لنا القرآن الكريم
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)
سوءة ص
ولكن الحق تبارك وتعالى أخبرنا انه طرد ابليس من رحمته وسماه رجيما .حتى نعرف جميعا انه لن يدخل فى رحمة الله ابدا.
ابليس دخل الى غواية بنى ادم بعزة الله سبحانه وتعالى عن خلقه .. فلو ان الله اراد خلقه جميعا مهديين .. ما استطاع ابليس ان يتقدم ناحية واحد منهم .. واقرأ قوله سبحانه ..
إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين(4)
سورة الشعراء
اذن الله سبحانه وتعالى .. هو الذى اعطى للإنسان حق الإختيار ولو شاء لجعله مقهورا على الطاعة كباقى الخلق .. من نقطة الإختيار هذه . وقوله تبارك وتعالى :
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً(29)
سورة الكهف