الموضوع: دلائل النبوة
عرض مشاركة واحدة
  #124  
قديم 16-03-2013, 01:53 PM
الصورة الرمزية محمد رافع 52
محمد رافع 52 محمد رافع 52 غير متواجد حالياً
مشرف ادارى متميز للركن الدينى ( سابقا )
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 19,444
معدل تقييم المستوى: 37
محمد رافع 52 will become famous soon enough
افتراضي

انه رسول الله.. أدبه الله صلى الله عليه وسلم

محمد عبده يماني




"أدبني ربي فأحسن تأديبي"بهذه الكلمات يصدع نبي الرحمة ويفخر ويعلنها على الملأ أمام صحابته الكرام، وتظل مدوية حتى يرث الله الأرض ومن عليها: " لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي "، وبهذه الكلمات الجامعة الرائعة لخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماكان عليه من خلق وعلم، وما تحلى به من صفات جعلته الانسان الكامل في اخلاقه واقواله وافعاله، فقد أدبه ربه عز وجل فأحسن تأديبه.والأدب كما يقول العلماء أدبان: أدب نفس، وأدب درس، فأدب النفس تتكون به الأخلاق، ويتهدب السلوك، وأدب الدرس تجتمع به المعارف ويتزكى العقل، وقد جمع الله ذلك كله لنبيه فقد كانت عناية الله ورعايته لنبيه صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، تولى رعايته قبل أن يولد، فاختار له الأمهات والآباء منذ إبراهيم الخليل، بل منذ نوح وقبله آدم عليهم السلام، فنوح هو آدم الثاني، ثم هو جد إبراهيم بقوله تعالى: {وإن من شيعته لإبراهيم}، يتنقل في الأصلاب الطيبة والأرحام الطاهرة، ما افترقت شعبتان إلا كان في أفضلهما.


ثم حملت به أمه، فلم تحس بما تحس به الحامل، بل كانت مشاعر الراحة والحبور والسرور مصاحبة لها طيلة حمله، ثم وضعته فأشرقت الدنيا بنور طلعته، وأهل الخير وعمت البركات، وكان من تأديب الله تعالى له ورعايته إياه ان اختار له مرضعته "حليمة" من أفصح القبائل العربية، لينشأ في بيئة الصفا والنقاء والفصاحة، واسمعه صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أعربكم، ولدت في قريش، وأسترضعت في بني سعد بن بكر "وتتحدث السيدة" حليمة" عن الخير والسعادة التي عاشت بهما مع اسرتها، وما رأته من بركات منذ أن جاءت به إلى ربوعها. قالت: فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي (أي درا باللبن غزيرا) بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، ثم شرب أخوه حتى روي، ثم ناما، وقام زوجي إلى شارفنا فحلب، فشرب، وشربت حتى إنتهينا، وبتنا بخير ليلة، ثم قال: إعلمي ياحليمة! والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟ قلت: والله إني لأرجو ذلك.


وتتابع السيدة "حليمة": ثم قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله تعالى أجدب منها، فكانت غنمي تسرح ثم تروح (ترجع) شباعا لُبًنا (ممتلئة الضروع) فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع …


ولما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته صلى الله عليه وسم في قلوب الناس.


قالت حليمة: فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرفها حتى بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين، فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، وكل هذا من تأديب الله تعالى لنبيه ورعايته إياه صلى الله عليه وسلم، وتذكر السيدة حليمة رضي الله عنها شيئا من الأدب العالي الذي كان يتحلى به رضيعها المبارك صلى الله عليه وسلم مما أدبه به ربه سبحانه وتعالى، إنه كان يأخذ أحد ثدييها ويعف ويترك الثدي الآخر لأخيه من الرضاعة.


ثم تتحدث عما جرى وهو عندها: إذ أقبل رجلان عليهما ثياب بيض، فشقا صدره، وأخرجا قلبه، وغسلاه بطست من ذهب، ثم ملآ قلبه حكمة وإيمانا بعد أن نزعا منه مضغة سوداء هي حظ الشيطان منه لو كان له منه حظ. وهذا من تأديب الله وعنايته بنبيه صلى الله عليه وسلم ليمضي في دروب الكمال إلى أقصى الغايات.


"قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير القلوب فاصطفاه لنفسه، وأبتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه"


ولطهارة قلبه الشريف ونقاوته وسعته واستعداده وقوة تحمله إختصه الله سبحانه وتعالى بنزول القرآن عليه، يقول تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين}، وقد وصف الله سبحانه وتعالى قرآنه بقوله: {إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا} تتهيب الجبال وتتصدع لعظمته: {لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}.


فكان قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته ونقائه أهلا لتلقي هذا القرآن العظيم والتأدب بآدابه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه. وتتجلى عظمة رعاية الله تعالى لقلب نبيه إن جعله في غاية الرأفة والشفقة إلى جانب عظمة ذلك القلب وقوة تحمله، يقول تعالى:{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، لقد كانت الرحمة تفيض من ذلك القلب الكبير لتشمل الصغير والكبير والقريب والبعيد، بل تمتد رأفته إلى الحيوانات، والنبات، وقصة الجذع وحنينه دليل على ذلك.


وقد وصف الله أشفاق نبيه ورحمته بآيات بينات منها: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، فهذا من كمال عناية المولى ورعايته وتأديبه لنبيه صلى الله عليه وسلم إن جعل قلبه لا ينام. سألته عائشة ذات مرة: يا رسول الله ! أتنام قبل أن توتر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ياعائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي "


وفي البخاري: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. وروى مسلم في صحيحه: "ونزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا"


نقرأ في سورة النساء: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم. وكان فضل الله عليك عظيما}.كما نقرأ في سورة الضحى بعضا مما أنعم الله عليه به من رعاية وعناية وتأديب:{ والضحى والليل اذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خير لك من الأولى}.. وتذكر السورة بعد ذلك فضل الله عليه:{ ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى}.. ثم تنتقل الآيات إلى توجيهات الله سبحانه وتعالى زيادة في تكريم المصطفى صلى الله عليه وسلم وتأديبه: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث}


ومن تأديب الله سبحانه وتعالى إن وجهه للعبادة حتى صارت ملاذا لروحه صلى الله عليه وسلم وراحة لقلبه: {يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا. نصفه أو أنقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا} ويقول: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} ويقول صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في الصلاة".


ومن تأديب الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم أن وجهه إلى الطهارة: في الفكر والقلب والعمل والبدن، يقول صلى الله عليه وسلم عن طهارة الفكر ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين. وكان توجيه الله له بقوله: {يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولاتمنن ولاتستكثر ولربك فاصبر} في هذه الآيات ذروة الرقي الأخلاقي والعملي، فتطهير القلب واللسان من كل ما يمس الإنسان غاية لا يدركها إلا قليل، وهاهي ذي في قوله تعالى: {والرجز فاهجر} أما قوله: {ولا تمنن ولا تستكثر} ففيها تهذيب وارتقاء بالأخلاق نحو السمو والرفعة، فلا يعطي عطية يرجو من ورائها جزاء ممن أعطاه.


{وثيابك فطهر} والطهارة غاية النقاء والنظافة،وتشمل الثياب وما تحتها أي البدن كله. فرسول الله صلى الله عليه وسلم أنظف خلق الله بدنا، وأنقاهم ثوبا وبيتا ومجلسا. قال أنس رضي الله عنه: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحا قط أو عرقا أطيب من ريح النبي وعرقه، وكان يستاك حين خروجه ودخوله المنزل.


وأعلن صلى الله عليه وسلم أن النظافة والطهارة مبدأ من مباديء الإسلام والإيمان. يقول: "الطهور شطر الإيمان" وكان دائم الأمر بالنظافة، نظافة الثوب والبدن. وجعل من الواجب على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، وحث على تعهد أطراف البدن بالنظافة وإزالة الأوساخ عنها، لأن ذلك من الفطرة. يقول صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم ، ونتف الإبط، وحلق العانة، وإنتقاص الماء "


وأمر بغسل اليدين قبل الطعام وبعده، وأمر بالسواك: " عليكم بالسواك فانه مطهرة للفم مرضاة للرب تبارك وتعالى " وقال:" لولا ان اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " وأمر بالانفاد في النظافة فقال صلى الله عليه وسلم: " حبذا المتخللون من أمتي ". فقالوا: وما المتخللون يا رسول الله؟ فقال:" المتخللون في الوضوء، والمتخللون في الطعام. أما تخليل الوضوء فالمضمضة والاستنشاق وأما تخليل الطعام فمن الطعام، انه ليس شيء اشد على الملكين من أن يريا بين اسنان صاحبهما طعاما وهو قائم يصلي "ونهى من أكل ثوما أو بصلا أن يقرب المسجد.وكما كان صلى الله عليه وسلم انظف الناس ثوبا ومجلسا أمر بنظافة الثياب، ورأى رجلا يمشي فقال: " ارفع ازارك فانه أنقى وأبقى "


وكان يتجمل ويأمر بالتجمل ولاسيما في المقابلات والجمع والأعياد، وكانت له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" ويقول صلى الله عليه وسلم: " حسن السمت (الهيئة) جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة "


ورأى رجلا عليه ثوبان قد بليا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما له ثوبان غير هذين؟" فقالوا: بلى يا رسول الله. فأمر أن يلبسهما، وكان يوجه الصحابة بأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى آثار النعمة على عبيده.


ومن تأديب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن جعله حريصا على النظافة في كل شيء وكل مكان، ولا سيما المساجد، فقد رأى مرة نخامة في المسجد، فعاتبهم في ذلك عتابا قويا، ونبه على وجوب تطهير المساجد وتنظيفها وتطييبها. ويقول صلى الله عليه وسلم: "عرضت على أمتي بأعمالها حسنها وسيئها، فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ورأيت من سيء أعمالها النخامة في المسجد لم تدفن"


ونبه على وجوب تنظيف الطرق والساحات العامة، ونهى عن رمي الأقذار والأوساخ فيها. قال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله الا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "


وقال صلى الله عليه وسلم: " بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له فغفر له"


هكذا كان أدبه صلى الله عليه وسلم، فقد أدبه ربه وأحسن تأديبه، وهكذا حرص صلى الله عليه وسلم على تأديب صحابته الذين هم قدوة هذه الأمة من بعده، ومن هنا فإن من واجبنا أن نتتبع هذه الآداب ونحرص عليها ونعلمها لأولادنا وأهلنا، وبهذا نكون قد استفدنا من السيرة النبوية، وأخذنا نكسب من ذلك الضياء نورا نهتدي به ونسير على هداه.


اللهم صل وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين.
__________________
رد مع اقتباس