(لا إله إلا الله) المفهوم والحقيقة (1)
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، أما بعد :
مقـدمة :
كلمة الإخلاص لا إله إلا الله هي أصل دين الإسلام ومفتاح دار السلام ، وهي العروة الوثقــى وكلمة التقوى ، وهي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام ، فطر الله عليها جميع المخلوقات وبها قامت الأرض والسموات ، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ، ولأجلها جردت سيوف الجهاد و بها أمر الله جميع العباد ، وهي أساس الفرض والسنة ، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة ، وهي الفارق بين الإسلام والكفر ، من استمسك بها فقد سلم ومن اعتصم بها فقد عصم , فلا إله إلا الله قد جمعت الدين كله، وهنا لابد من التنبيه إلى أمرين مهمين :
الأول:
إذا كانت لا إله إلا الله بهذه المنزلة العالية والمرتبة الرفيعة في دين الله ؛ فليعلم أنَّ فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله مقدم على معرفة فرض الصلاة والصيام ؛ فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك أعظم من بحثه عن معاني الصلاة والصيام .
الثاني:
قد تفاوت الناس في هذه الكلمة بحسب حالهم علماً واعتقاداً وعملاً، فمنهم من يقولها وهو يجهل مدلولها ومقتضاها، ومنهم من يقولها وهو لا يجهل مضمونها ومقتضاها لكن يمنعه من قصد ما دلت عليه من الحق والعمل به موانع من آفات النفوس، ومنهم من يقولها ويظن أنه قد أتى بمضمونها ومقتضاها وهو قد وقع فيما يناقضها قولاً وعملاً ، ومنهم من يقولها عن علم ويقين صادقاً مخلصاً من قلبه قد أدى حقوقها وعمل بمقتضاها واستقام على ذلك ولم يأت بما يبطلها فهؤلاء هم المؤمنون حقاً والموحدون صدقاً.
فإليك يا أخي الكريم - ثبتنا الله وإيَّاك على الإسلام والسنة- بعضاً من الإشارات والشذرات حول هذه الكلمة العظيمة.
أولاً:
( فضل لا إله إلا الله )
لو لم يكن في بيان فصلها إلا كونها علماً على الإيمان في الشرع؛ تعصم الدماء والأموال إلا بحقها، وكون إيمان الكافر موقوفاً على النطق بها لكان كافياً للعقلاء ،كيف وقد وردت النصوص الكثيرة في بيان فضلها وعظيم أجرها، ومن ذلك :
1- أنَّها الكلمة العظيمة التي شهد الله بها لنفسه وشهد بها له ملائكته وأولو العلم من خلقه، قال تعالى ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به .
2- أنَّ أعظم آية في كتاب الله - وهي آية الكرسي - افتتحها سبحانه بذكر كلمة التوحيد , قال تعالى ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ..) الآية
3- أنَّ الله وصفها في القرآن بأنَّها الكلمة الطيّبة، قال الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ).
قال ابن عباس- رضي الله عنهما -(مثلا كلمة طيبة) شهادة أن لا إله إلا الله.
4- قال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ )
فعندما عدد الله سبحانه على عباده النعم في هذه السورة التي تسمى سورة النعم (وهي سورة النحل) بدأ بذكر التوحيد ، قال سفيان بن عيينة -رحمه الله - ( ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله، وإنَّ لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا).
و من النصوص الواردة في السنـة :
1- ما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله علــــيه و سلم -قال:( من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأنَّ الجنة حق والنار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء ).
2- وفي الصحيحين عن عِتبان بن مالك- رضي الله عنه- عن النبي- صــلى الله عليـــه و سلم -قال:( إنَّ الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).
3- عن أنس بن مالك-رضي الله- قال:(كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ، وكان يَتَسَمَّعُ الأَذَانَ ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ ، وَإِلاَّ أَغَارَ ، فَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : عَلَى الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ. فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى) رواه مسلم.
والنصوص كما تقدم في هذا الباب كثيرة جداً ، وما سبق ذكره يكفي - إن شاء الله - في هذه العجالة .
ثانياً:
(معنى لا إله إلا الله)
كلمة التوحيد لا تنفع إلا من كان عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها، وأخلص لله ولم يشرك به شيئا فهذا تنفعه ،و أما من قالها من غير علم بمعناها ولا اعتقاد ولا عمل بمقتضاها بل أشرك بالله واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين فهذا لا تنفعه بالإجماع بل هي حجة عليه بلا ريب .
وليعلم أنًّ أول واجب على الإنسان هو معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، وقال تعالى ( إلا من شهد بالحق ) أي بلا إله إلا الله (وهم يعلمون) أي بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم ، فأفرض الفرائض معرفة معنى هذه الكلمة ثم التلفظ بها والعمل بمقتضاها .
ولعظم هذا الأمر وأهميته فقد بيَّن الله تعالى في مواضع من القرآن الكريم معنى كلمة الإخــلاص لا إله إلا الله، ولم يكل عباده في بيان معناها إلى أحد سواه .
فمعنى لا إله إلا الله نفي الإلهية عما سوى الله تبارك وتعالى ،وإثباتها كلها لله وحده لا شريك له، ليس فيها حقاً لغيره لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل .
فلا إله إلا الله تعني لا معبود بحق إلا الله، هذا هو التفسير الذي دلت عليه النصوص ومن ذلك قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) فعبر عن معنى لا إله بقوله (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) وعبر عن معنى إلا الله بقوله ( إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي).
وقوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فقوله (أَلَّا تَعْبُدُوا) هو معنى لا إله، وقوله (إِلَّا إِيَّاهُ) هو معنى إلا الله، ونظائر هذه الآيات في القرآن كثيرة ، فتبين بذلك أن معنى لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى ، وهذا واضح جلي لمن جعل الله له بصيرة ولم تتغير فطرته، فالقرآن كله في تقرير معنى لا إله إلا الله، وما تقتضيه، وما تستلزمه، والله اعلم
وللكلام بقية يأتي - إن شاء الله - في المقال القادم
والحمد لله رب العالمين