العلاقة بين الأيمان و الأمن النفسي من الناحية الطبية
إن مرد تلك العلاقة ، يرجع إلى تركيب الجهاز العصبي خصوصا الذاتي منه ، بفرعيه ( السمبثاوي) "Sympathetic Nervous Systam " و ( الباراسمبثاوي "Para Smpathetic " ويسميان كذلك الودي وغير الودي وعلاقة ذلك الجهاز بمراكز المخ العليا من جهة و الغدد الصماء من جهة أخرى من طريق الهيبو ثلاموس أو منطقة تحت المهاد .
فهذا الجهاز يسيطر على الوظائف التي لا سلطان للإنسان عليها مثل نبضات القلب و قوتها وعددها وحركة الأمعاء و إفرازاتها وتدفق الدم في أجزاء الجسم المختلفة و إفرازات بعض الغدد مثل الغدد العرقية وغيرها . ويوجد مركز التحكم في هذا الجهاز في منطقة الهايبوثلاموس تحت المهاد وهذه تتصل بقشرة المخ (Cerbral Cortex) ، ومراكز المخ الأخرى و تتفاعل معها و تتأثر بها .
ومن ناحية أخرى تتصل الهيبوثلاموس بالغدة النخامية ، وهذه الغدة الموجودة في قاع الجمجمة رغم صغرها ، حيث تزن حوالي نصف جرام فإنها تسيطر على عدد من الغدد الصم المنظمة لكثير من وظائف الجسم مثل الغدة الدرقية و الغدة فوق الكلوية أو الكظرية و الخصيتين في الذكور و المبيضين في الإناث وذلك من طريق إفراز مواد كيماوية منشطة أو مثبطة لعمل تلك الغدد ، و العلاقة بينهما متبادلة .
و العلاقة بين نشاط هذه الغدد والحالة النفسية للإنسان وثيقة ، فإن التوتر يؤدي إلى زيادة في إفرازات تلك الغدد أو عدم توازنها . و إذا استمر التوتر فقد يؤدي إلى حالة مرضية بسبب زيادة تلك الإفرازات .
كما يصاحب الامراض العضوية لتلك الغدد تغيير في الحالة النفسية والعصبية للمريض . لا تختلف كثيرا عن الأمراض النفسية .
و الغدد الكظرية تفرز عديدا من الهرومونات ، أهمها الكورتيزول الأدرينالين ، وهما من هرمونات الإجهاد (أي يزيد إفرازهما عند التعرض للضغط و الإجهاد ).
ويؤثر الكورتيزول الذي يفرز من القشرة في كثير من وظائف الجسم فهو يؤثر في التمثيل الغذائي ( الإستقلاب) فيؤدي إلى زيادة معدل الجلوكوز في الدم ، وقد يؤدي إلى ظهور مرض السكري ويساعد على ترسيب الشحوم في مناطق معينة من الجسم ، ويؤثر في الأوعية الدموية فيزيد من ضغط الدم .
وكذلك يؤثر في بعض مكونات الدم والخلايا المناعية وغير ذلك من الآثار ، أما الأدرينالين فيفرزه كل من نخاع الغدة الكظرية و الجهاز السمبثاوي ( الودي) ، وهو يؤدي إلى زيادة ضربات القلب وقوتها ، وزيادة الدم الخارج من القلب ، وزيادة الجهد على القلب وانقباض بعض الأوعية الدموية ، وارتفاع ضغط الدم ، وزيادة معدل الجلوكوز في الدم ، وارتخاء عضلات الشعب الهوائية و الأمعاء ، واتساع حدقة العين وكلا الهرمونين الكورتيزول و الأدرينالين يعدان الجسم للتحفيز و مواجهة المواقف الصعبة والطارئة ، ويبدو ذلك واضحا في حالات الخوف و الانفعال حيث تزداد ضربات القلب ، ويرتفع الضغط و يقف الشعر ويتصبب عرقا بارد يصحبه شحوب في اللون وبرودة في الأطراف . وقد يقبض عضلات الرحم فتؤدي إلى الإجهاض في بعض الحالات.
ومن أثار نشاط الجهاز العصبي الذاتي الودي مايلي :
- اتساع حدقة العين
- زيادة سرعة ضربات القلب وقوتها
- يقلل من سرعة التنفس ، ويسبب ارتخاء عضلات الشعب الهوائية
- ارتخاء عضلات الأمعاء مع انقباض عضلات العصارة ، مسببا إمساكا مزمنا
- ارتخاء عضلات المثانة ، وانقباض عضلاتها العصارة وصعوبة التبول
- انقباض عضلات الحويصلة الصفراء
- ينبه عضلات الرحم ، وقد يؤدي الانفعال الشديد إلى الإجهاض
- يؤدي انقباض عضلات الأوعية الدموية ، مسببا ارتفاع في ضغط الدم
- ينبه بعض غدد الخلايا الجلد ، ويؤدي إلى انقباض عضلات جذور الشعر وينبه الغدد الدمعية وينبه إفراز الغدد اللعابية مؤديا إلى جفاف الحلق
- ينبه الغدة الكظرية فيزيد من إفراز الأدرينالين .
- يؤدي إلى انقباض عضلات الأوعية الدموية لأعضاء التناسل ، مسببا الضعف ال***ي ،وعدم القدرة على الانتصاب ، وسرعة القذف. وهكذا يعبئ الجهاز السمبثاوي الطاقة الجسمية لمواجهة الطوارئ
أما الجهاز الباراسمبثاوي فتتلخص آثاره ووظائفه في مايلي :
- قابض لحدقة العين ، وخافض للجفن العلوي
- يقلل من سرعة ضربات القلب
- زيادة سرعة التنفس ، مع انقباض عضلات الشعب الهوائية
- يغذي غشاء اللسان بألياف للتذوق ، وألياف لاستدرار إفرازه
- قابض للمريء و المعدة والأمعاء
- زيادة إفرازات المعدة والبنكرياس ، مع حدوث تنبيه بسيط لإفرازات الكبد والحويصلة الصفراء
- يغذي للغدد اللعابية
- انقباض عضلات المثانة مع ارتخاء عضلاتها العاصرة ، الأمر الذي يؤدي إلى كثرة البول
- يسبب ارتخاء أوعية أعضاء التناسل وتوسيعها ، خاصة أوعية القضيب و البظر ، فيسبب الانتصاب
* وعلاقة الجهاز العصبي الذاتي (اللاإرادي ) وكذلك أدرينالين الغدة الكظرية بالتوتر و الانفعال ، علاقة وثيقة تظهر في :
1 – التأثير في الجهاز العضلي الإرادي ، كما يحدث في حالات الغضب كذلك البكاء و الضحك و الابتسام
2 –التأثير في الغدد المقناة ، والعضلات الملساء و الأوعية الدموية مؤديا إلى زيادة إفراز العرق وزيادة ضغط الدم و احمرار الوجه أو شحوبه.
3 –التأثير في الجهاز التنفسي ، فيزيد معدل التنفس أو يقل تبعا للموقف وشدته
4 – التأثير في الجهاز الهضمي فقد لوحظ عند الغضب احمرار و تورم و انتفاخ الأغشية الداخلية للمعدة مع زيادة انقباض عضلاتها وارتفاع في نسبة إفراز الحامض وتكف المعدة عن الحركة ويصاحب ذلك إكلينيكيا صعوبة الهضم و انتفاخ البطن ، وإسهال أو إمساك ، و آلام ومغص في المعدة و الأمعاء
ولا يقتصر تأثير التوتر النفسي و الانفعال على هذه الأجهزة بل يمتد إلى أجهزة أخرى و يسبب عللا مختلفة مثل أمراض الحساسية و الربو و أمراض الجلد مثل الأكزيما و الصدفية و مرض السكري و أمراض الغدد الدرقية و أمراض الجهاز البولي و التناسلي في الذكور و الإناث .
هذا إضافة إلى أثر الانفعال في التفكير و القدرة على النقد و التصرف السليم وقوة الذاكرة و سلوك الفرد نحو نفسه ومجتمعه .
و الحالة السوية للإنسان هي حالة التوازن بين الجهازين الودي و الغير ودي حيث أن تأثير أحدهما يضاد تأثير الآخر إلا في حالات نادرة مثل الجماع حيث يعملان معا.
وهذا التوازن يمكن تحقيقه بالهدوء النفسي و الاطمئنان ومواجهة الأمور بحكمة ومواجهة الشدائد بالصبر ، فينعكس أثر ذلك على الجهاز العصبي بفرعيه وعلى الغدد الصماء .
وهنا يتضح دور الإيمان و العقيدة الصادقة و ارتباط الإنسان بخالقه وعلمه بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه و أن له بكل بلاء أجرا وبكل شدة مغفرة و فرجا، فتستريح نفسه و تهدأ روحه حتى لو انفعل الإنسان المؤمن المسلم فإنه يعود سريعا إلى هدوئه و سكينته ولا يذهب به الفكر كل مذهب ، كما يحدث في هذا العصر حيث تفشت الأمراض النفسية والعضوية .
وبدلا من اللجوء إلى الله و الاعتصام به ذهب بعض الناس إلى المخدرات و الانغماس في الشذوذ ، بل وصل الأمر عند الغرب إلى التخلص من حياته يأسا وهروبا من الحياة وهربا من تبعاتها ، ولهذا فإن الاسلام أهتم بتربية النفس الانسانية أشد اهتمام و اهتم بالضوابط التي تحكم وتؤثر على النفس وسلوكها حتى لاتنحرف عن السبيل و الطريق السوي الذي رسمه لها الأسلام ومن أدلة ذلك الاهتمام قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم و القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه و أطاع ربه وعصى عدوه إبليس ) – رواه الترميذي و أبو داود -