أكثر ما يثير الانتقاد والغضب فى منظومة الحكم الحالية أنها لا تهتم كثيرا أو بالشكل اللائق بقضية العدالة الاجتماعية، تلك القضية التى كانت محركا للغضب فى ثورة ٢٥ يناير، بشعارها الخالد «عيش حرية عدالة اجتماعية»٠
والملاحظ أن هذه المسألة تبدو متراجعة للغاية فى السياسات الحكومية المتبعة حاليا، الأمر الذى يستحق ضغطا وحراكا شعبيا مؤثرا، كى لا تدخل حيز التهميش، وهو ما يهدم ركنا أساسيا من أركان الثورة.
لكن المفارقة المدهشة أن خصوم الحكم الحالى بدوا أيضا متورطين فى تهميش شعار العدالة الاجتماعية لصالح أشياء أخرى، لذا يسترعى الانتباه هذا التغيير الدراماتيكى الفادح فى شعار الثورة لنصحو على تعطيل مخل به ليصبح الهتاف «عيش حرية إسقاط التأسيسية» بدلا من «عدالة اجتماعية».
وقد تبدو هذه فى نظر البعض مجرد مسألة شكلية، لا تتعدى كونها تصرفا لغويا فى شعار الثورة الخالد، لكن من قال إن الخطاب الشفاهى غير مرتبط بالمضمون الفكرى والقيمى، وفى ذلك ذهب فلاسفة اللغة إلى تعريفها بأن «اللغة هى الفكر منطوقا» ووفقا لهذا التعريف تصبح إزاحة «عدالة اجتماعية» لصالح «إسقاط التأسيسية» تعبيرا عن أفكار وقيم وأهداف دخلت على مكونات الغضب، وهو ما يعنى نوعا من الخلل فى الأجندة الوطنية والثورية.
وعلى ذكر إسقاط التأسيسية وبمناسبة إفلاتها من كمين القضاء الإدارى، فإنها تكون قد مرت من خطر أصغر إلى خطر أكبر وأشد، ذلك أن الخطر الحقيقى الذى يواجه الجمعية التأسيسية الآن هو «سقوطها» ذاتيا من الداخل، بعد أن تفادت مؤقتا عملية «إسقاطها» من الخارج.. والخوف أن يتصرف ممثلو القوة الغالبة على تشكيل الجمعية بروح الانتشاء بعد عبورها عقبة الحل بالقضاء الإدارى، ويسلكون على طريقة المنتصر، فتخفت مرة أخرى روح التوافق، وتعلو وتتسيد سيكولوجية المغالبة والانفراد مرة أخرى. ومن هنا تأتى أهمية البيان الصادر أمس عن مجموعة كبيرة من أعضاء الجمعية التأسيسية المحترمين وفيه يسجلون اعتراضا على هرولة الأكثرية فى اتجاه فرص مسودة للدستور باعتبارها نهائية، بينما معظم المواد المهمة لا تزال قيد المناقشة والبحث ويدور جدل كبير داخل الجمعية على مضمونها وصياغتها.
وحسب نص البيان الذى حمل توقيع ١٧ عضوا فإنه يعبر الموقعون عن عدم ارتياحهم لتوزيع مجموعة مواد لا تزال فى معظمها مطروحة للنقاش باعتبارها مسودة للدستور.. هذا بالإضافة إلى توزيع هذه المسودة بالشكل الذى جرى بدون التشاور بين أعضاء الجمعية.
ويضيف البيان: «والواقع أن الجمعية تقوم على مناقشات جادة، وما زالت جارية ولا يمكن لنا أن نعتبر أى مادة نهائية، بالإضافة إلى أن ثمة مواد يتعين إلغاؤها بالكامل، وهو ما عملنا ومازلنا نعمل على تحقيقه. سوف نتقدم بوجهة نظرنا مكتوبة خلال الفترة القصيرة المقبلة.
وأخشى أن أقول إن هذه الوضعية تشبه كثيرا تلك الحالة من تعجل قطاف الثمار قبل أن تنضج فى أيام الثورة الأولى، من قبل أطراف كانت ترى أن الفرصة مواتية لها كى تقتنص أهدافها وتحقق أحلامها، وهى الحالة التى ندفع ثمنها جميعا الأن ولا ينبغى بأى حال من الأحوال أن تتكرر مرة أخرى.
لقد توافقت كل أطراف التأسيسية على التوافق حين كانت الجمعية فى مهب رياح القضاء الإدارى، ولا يستقيم أبدا أن يكون التوافق أول ما تتم التضحية به بعد زوال الخطر.
|