هل يُنهي بروتوكول أديس أبابا الصراع بين شمال وجنوب السودان؟
هل يُنهي بروتوكول أديس أبابا الصراع بين شمال وجنوب السودان؟
أحمد زكريا الباسوسي سادت حالة من التفاؤل لدى غالبية الأوساط السياسية داخل السودان وخارجها بعد توقيع كلٍّ من رئيس السودان عمر حسن البشير، ورئيس جنوب السودان سلفا كير؛ برتوكولا جديدًا للتعاون بين البلدين في 26 سبتمبر الماضي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا؛ حيث تضمن البروتوكول ثماني اتفاقيات شاملة لمختلف مجالات التعاون،
لعل أبرزها اتفاقية الترتيبات الأمنية، والاتفاقية التجارية والنفطية، والاتفاقية الإطارية للتعاون البنكي والمصرفي بين البلدين، واتفاقية أحوال المواطنين السودانيين.
جاء هذا البروتوكول نتاجًا لسبع جولات من المفاوضات، كانت آخرها جولة أديس أبابا، والتي استمرت أربعة أيام عقد خلالها الرئيسان البشير وسلفا كير ست جلسات من المباحثات بحضور لجنة الوساطة الإفريقية برئاسة ثابو مبيكي الرئيس الجنوب الإفريقي الأسبق.غير أن هذا البروتوكول لم يتناول الوضع الخاص بكل من منطقة أبيي ومسألة ترسيم الحدود، باعتبارهما من النقاط الخلافية الكبرى بين الطرفين، والتي كان من شأنها أن تنسف عملية التفاوض من جذورها في حالة الخوض فيها. وبالتالي فضل الطرفان تأجيلها بهدف التوصل لاتفاق مبدئي يفتح الباب أمام مزيدٍ من التعاون والتفاوض بشأن القضايا شديدة الخلاف.
الأبعاد الرئيسية للبروتوكول
عالج البروتوكول باتفاقياته الثماني عدة أبعاد للخلاف بين السودان وجنوب السودان. ولعل أبرز تلك الأبعاد ما يلي:
أولًا: البعد الأمني: ألزم البروتوكول الطرفين بضرورة نبذ العنف، ووقف الأعمال العدائية، عبر إقامة منطقة *****ة السلاح على الحدود بين البلدين، وسحب كل بلد منهما قواتها، وتفعيل بعثة المراقبين المشتركة وفقا للخريطة الإدارية والأمنية التي قدمتها الوساطة سابقًا، وذلك دون إضافة أي إجراءات خاصة بمنطقة 14 ميلا.
لكن على الرغم من ذلك؛ يبدو أن مسألة تطبيق الترتيبات الأمنية سوف تكون محفوفة بالمخاطر، لا سيما المنطقة *****ة السلاح بتحديد خط 14 ميلا، وذلك بعد الاعتراضات التي أبداها "ملونق أوان" حاكم ولاية بحر الغزال، وأحد أبرز قيادات الحركة الشعبية العسكرية، وصلت إلى حد مطالبة كافة شباب المنطقة بالانضمام لحركته الرافضة للبروتوكول؛ إذ أكد أوان على أن البروتوكول قد قدم تنازلات غير مقبولة.
ثانيًا: البعد الاقتصادي والنفطي: نص البروتوكول -ضمن حزمة الإجراءات- على إعادة ضخ نفط الجنوب مرة أخرى بعد اتفاق الطرفين على رسوم الشحن الجديدة. وقد دفع للتوصل إلى هذا الاتفاق الأزمةُ الاقتصادية الحادة التي تعاني منها الدولتان، وعملت على تقديمهما تنازلات بشأن صادرات النفط بشكل كبير؛ فقد فقدت دولة شمال السودان ما يقرب من 75 % من مواردها النفطية بسبب انفصال الجنوب الغني بالنفط، وهو ما جعل السودان يعول على تحصيل مبالغ كبيرة لسد العجز في الموازنة، مقابل استمرار ضخ الجنوب صادراته النفطية عبر أنابيب دولة الشمال، وهو ما لم يستمر طويلا بعد رفض جوبا دفع رسوم الشحن التي حددتها الخرطوم، وهو ما وضع الجنوب أيضًا في مأزق اقتصادي بعد توقف صادراته النفطية.
التداعيات المحتملة للبروتوكول
سادت حالةٌ من الانقسام حول البروتوكول في كلا البلدين، ويمكن تلخيص هذه الحالة في اتجاهين:
الاتجاه الأول: يُشدد على أن البروتوكول على الرغم من أنه لم يضع نهاية للأزمات العميقة –لا سيما أبيي والحدود- إلا أنه ستكون له تداعيات جيدة في مسار تحسين العلاقة بين الطرفين، باعتباره خطوةً مهمة لبناء جسور الثقة بين البلدين، مما يمهد الطريق لحل الأزمات الأخرى العالقة في مرحلة قادمة. جاء ذلك متسقًا مع تصريحات المسئولين الحكوميين في الدولتين، وعلى رأسهم الرئيس البشير وسلفا كير، فضلا عن تصريحات عدد من الوزراء، وخاصة وزير الاستثمار السوداني مصطفى عثمان إسماعيل، وكبير مفاوضي جنوب السودان باقان أموم، والذي صرح بـ"أن هذا الاتفاق يفتح فرصًا جديدة لدفع الحوار حول القضايا المتبقية إلى الأمام". ذلك فضلا عن اعتبار البعض أن هذا الاتفاق يُعد أقصى ما يُمكن تحقيقه في الوقت الحالي نتيجة غياب الثقة، وتشكك كل طرف في نوايا الآخر.
الاتجاه الثاني: يؤكد على أن البروتوكول لن يساهم في إقرار السلام الكامل، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
1. عدم القناعة بأن الاتفاق سيكون مقدمة لحل الأزمات الأخرى، على اعتبار أنه لم يكن الاتفاق الأول من نوعه، فقد تم الدخول في عدة مسارات تفاوضية مشابهة منذ اتفاق السلام الذي تم توقيعه عام 2005، والذي قاد إلى انفصال الجنوب وصلت لإجراءات مماثلة. لكن على الرغم من كل تلك الاتفاقيات؛ فإن الصراع في تصاعد مستمر وصل في كثير من الأحيان إلى القصف الجوي والحرب
الصريحة. فالعبرة في النهاية بإرادة التطبيق، والالتزام الحرفي ببنود البروتوكول، وليس التوقيع والاتفاق فحسب.
2. أن الاتفاق يفتقد الإرادة السياسية الحقيقية، باعتباره جاء تحت ضغوط دولية لا سيما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2046، والذي تضمن تحذيرات شديدة اللهجة لكل من الطرفين، وأوامر واضحة لهما منها: إنهاء الأعمال العدائية، ووقف التصريحات الإعلامية العدائية والداعية لتصعيد الحرب، ووقف الهجمات والتحركات عبر الحدود، ووقف عمليات القصف الجوي، وسحب جميع قواتهما من المناطق الحدودية ومن ضمنها أبيي، وعودة الطرفين فورًا إلى طاولة المفاوضات تحت إشراف اللجنة التنفيذية الرفيعة المستوى التي شكلها الاتحاد الإفريقي.
3. أن البروتوكول لم يقدم حلولا للإشكاليات الكبرى التي تعكر صفو العلاقات بين البلدين، فلا تزال القضايا الكبرى عالقة. ويأتي في مقدمتها قضية ترسيم الحدود، والتي تمتد إلى ما يقرب من 1800 كليومتر، وهي تعتبر ركيزة من ركائز الصراع، فمنذ اتفاق عام 2005؛ كان يفترض ترسيم الحدود وفقًا لحدود 1956؛ إلا معظم الخرائط المتوافرة تحمل الكثير من التناقض. ذلك بالإضافة إلى التنازع على منطقتي أبيي وحقل هيجليج النفطي. وهي قضايا لم تُحل بعد، مما يعني أنها ستظل مصادر مستمرة للصراع. وبالتالي فإن هذا البروتوكول سيظل عاجزًا عن تحقيق السلام طالما ظلت تلك القضايا على حالها.
آخر تعديل بواسطة prinofdar ، 09-10-2012 الساعة 12:03 PM
|