وظائف الأوكسيتوسين وتأثيره على الوظائف التناسلية الذكرية
====================================
د.عبدالرحمن أقرع
محاضر في علم وظائف الأعضاء
كمحاضرٍ في علم وظائف الأعضاء الطبي سئلت يوماً من أحد طلابي النجباء السؤال التالي:
- طالما أن خلايا ما تحت المهاد العصبية التي تفرز هرمون الأوكسيتوسين هي ذاتها لدى الذكر والأنثى ، فهل من العبث وجوده في الذكر أم له وظيفة ما .?
وأعترف وقتها أني أجبت بـ ( لا أدري) ، ذلك أنا دوماً نتحدث في محاضرات فسيولوجيا الغدد الصماء عن الاوكسيتوسين كهرمونٍ ذي وظائفٍ تؤثر على الجهاز التناسلي للأنثى ، إذ يسبب انقباض عضلة الرحم لدى المرأة الحامل قبيل الولادة ليساعد في دفع الجنين الى خارج الرحم ، كما يسبب انقباض الرحم لدى غير الحامل بعيد الجماع ليساعد الرحم في (شفط) السائل المنوي الى داخل الرحم بعد أن يقذفه الذكر في المهبل ، بالاضافة الى دوره في التأثير على العضلات الملساء لقنوات الحليب في الثدي مما يؤدي الى انقباضها فتقذف بالحليب الى فم الوليد.
ولأني لم أتحرج يوماً من الاعتراف أني أدين بنصف علمي الى أسئلة طلابي فقد بدأت بالدراسة والبحث لأجد أن لهذا الهرمون العصبي - الذي تفرزه خلايا ما تحت المهاد ( هايبوثالاموس ) العصبية لتنقله عصبوناتها الى الفص الخلفي للغدة النخامية ومن هنالك الى الدم – وظائف في الذكورِ أيضاً . حقيقة ليست بالجديدة تماماً الا أن شيوع وظائفه في الأنثى قد دفعنا الى اهمال معرفة وظائفه لدى الذكور أيضاً ، مما ترك لدينا ثغرة معرفية ما كانت لتسد لولا سؤال ذلك الطالب النجيب.
فقد أثبتت الدراسات الفسيولوجية أن كميات كبيرة من الأوكسيتوسين تفرز قبيل القذف المنوي مما يساعد في انقباض المجرى التناسلي ليساعد في خروج المني لحظة القذف ، والطريف في الأمر أنه ثبت أن تحفيز العضو التناسلي الذكري ***يا ينتقل الى الهيبوثالاموس عبر العصب القضيبي الخلفي فيدفع الهيبوثالامس لافراز مزيد من الأوكسيتوسين للمساعدة في القذف لحظة حدوثه.، ناهيك عن حقيقة أخرى هي أنه لا يفرز فقط من خلايا الهايبوثالاموس ( ما تحت المهاد) ، بل ويفرز أيضاً من خلايا الخصية والبربخ وغدة البروستاتا ، ويكون تأثيره عندئذٍ محلياً يؤكد ذلك اكتشاف الكثير من المستقبلات الحسية الخاصة بهذا الهرمون.
كما وكشف العلماء عن دور للاوكسيتوسين في حدوث ما يعرف بفترة الجموح ( الفترة التي تلي القذف، ويسترخي خلالها الذكر ويصعب استجابته فيها للمحفزات ال***ية) ، ذلك أن مستوى الاوكسيتوسين في السائل الدماغي الشوكي يزداد خمسة أضعاف بعد القذف المنوي ، وثلاثة أضعاف بعد الدقيقة العشرين من القذف مما يوحي بدوره في تثبيط الاشارات المحفزة خلال فترة الجموح.
كما ويزداد تركيز الاوكسيتوسين في بلزما الدم لحظة (رعشة الجماع) لدى كلٍ من الذكر والأنثى.
وقد تحدثت دراسات أخرى عن دورٍ ضابط للأوكسيتوسين لمستوى هرمونات الذكورة ، وذلك لما له من دورٍ في تحفيز تحول هرمون التستوستيرون الذكري الى الديهايدروتيستوستيرون ( dht) .
وكما نعلم فان للعلم بركة ، إذ يتجاوز كل كشفٍ علميٍ مداه الى آفاقٍ أوسع في سلسلةٍ متتالية من المد المعرفي ذات جمالية كمد موج البحر الذي يغمر الساحل ، ومن ثم فقد أدى اكتشاف هذه التأثيرات للأوكسيتوسين على الجهاز التناسلي الذكري الى مزيد من التطبيقات العلاجية له ، فبات يستخدم لزيادة القذف المنوي ، كما ويستخدم لزيادة نمو غدة البروستاتا ، إما بشكلٍ مباشرٍ واما عبر تداخله مع العمليات الأيضية لهرمونات الذكورة، وهذا بذاته يفتح آفاقاً للتغلب على الكثير من أمراض البروستاتا والتي سببها النمو غير المنتظم لخلاياها.
ويعتبر الاوكسيتوسين المصنع كذلك علاجاً واعداً للعنة والضعف ال***ي اذ يلعب دوراً هاماً في احداث الانتصاب ، وذلك طبقاً للدراسات التي تتحدث عن زيادة مستوى الاوكسيتوسين في دم شرينات الجسدين الكهفي والاسفنجي زيادةً مضطردة مع زيادة الانتصاب ( حسب مراحل الانتصاب).
أتمنى أن تكون هذه الاضاءة السريعة على دور الاوكسيتوسين الوظيفي لدى الذكور قد سدت ثغرة معرفية ، وأثرت رصيداً معرفيا وفتحت باباً للمزيد من التساؤل المفضي الى الاكتشاف كما هي شيمة العلم.