الموضوع: تحليلات سياسية
عرض مشاركة واحدة
  #116  
قديم 02-10-2012, 11:12 AM
prinofdar
ضيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي احتمالات نجاح الإبراهيمي في التوصل لتسوية الأزمة السورية

احتمالات نجاح الإبراهيمي في التوصل لتسوية الأزمة السورية

محمد بسيوني عبد الحليم
تطرح الثورة السورية نموذجًا مغايرًا في سياق ثورات الربيع العربي، فبعيدًا عن الأُطُر التقليدية التي حكمت الثورات المصرية والتونسية والليبية، بل وحتى اليمنية؛ غدت سوريا ساحةً لصراع ممتد شهد تداخل أطراف عدة جعلت خريطة الأزمة تبدو أكثر تشابكًا؛ إذ إن ثنائية الفرص والتحديات أصبحت العنوان الأبرز للثورة السورية، فهناك أطراف إقليمية رأت في الثورة

فرصة سانحة لإعادة ترسيم وتشكيل حدود دورها في المنطقة، وأصبح هذا الأمرُ هو محركها الجوهري في التعامل مع الثورة، وبالتوازي مع هذا أفرزت الثورة تحديات أفقدت عدة أطراف توازنها، خصوصا وأنها تدرك أن تلك الثورة من شأنها أن تُرسي أوضاعًا إستراتيجية جديدة تهدد مصالح ظلت راسخة في المنطقة لعقود طويلة.

وانتقلت كافةُ هذه المعطيات إلى داخل منظمة الأمم المتحدة لتفضي في النهاية إلى انقسامات واضحة داخل مجلس الأمن، ومن ثم سعت المنظمة الدولية إلى البحث عن بديلٍ عبر تعيين الأخضر الإبراهيمي -خلفا لكوفي عنان- كمبعوث دولي مشترك في محاولة لطرح مقاربة سياسية للصراع، بما يفرض عددًا من التساؤلات تتلخص في احتمالات نجاح الإبراهيمي في التوصل إلى تسوية.

الأمم المتحدة وسوريا.. البحث عن بديل

خلال العقودِ الأخيرة أصبح خطابُ البراجماتية هو المهيمن على سياسات الدول، وهو الأمر الذي انعكست تجلياته على الأمم المتحدة، فعندما تأسست هذه المنظمة عقب الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة تعبير عن توازنات القوى آنذاك، وكان الهدف الأسمى من تأسيسها -وفقًا لميثاقها- الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ومواجهة انتهاكات حقوق الإنسان، وقد طُرح مفهوم التدخل الدولي كآلية لتحقيق هذه الأهداف، ولكن سرعان ما تبددت هذه الفكرة؛ إذ إن اعتبارات المصلحة للدول الخمس صاحبة حق الفيتو في مجلس الأمن باتت هي العنصر الحاكم في التدخل الدولي في الأزمات، وليس الاعتبارات الإنسانية.

وتجددت هذه الإشكالية إبان التعاطي مع الأزمة السورية، فقد بدت الانقسامات واضحةً داخل مجلس الأمن مع الاعتراض الروسي والصيني على أي قرار يتبنى الخيار العسكري لتسوية الأزمة، وبالتالي أصبح الخيار البديل المطروح يتمثل في حلول سياسية عبر مبعوث دولي؛ حيث قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 فبراير 2012 تعيين مبعوث خاص مشترك بين الأمم المتحدة والجامعة العربية، وفي 23 من الشهر ذاته تم اختيار كوفي عنان لهذه المهمة، وسعى مجلس الأمن إلى دعم مهمة المبعوث الدولي عبر استصدار القرار رقم 2042 في إبريل الماضي، والقاضي بإنشاء بعثة مراقبة تابعة للأمم المتحدة لرصد وقف أعمال العنف المسلح من جانب كافة الأطراف داخل سوريا.

وفي هذا الصدد؛ انطوى تعامل الأمم المتحدة مع الأزمة على دلالتين رئيسيتين، أولاهما التباطؤ في التعامل مع الأوضاع فيما كان الصراع يتطور بوتيرة متسارعة جاوزت فكرة الحل السياسي، وبالتالي كانت المحصلة النهائية فشل مهمة المبعوث الدولي كوفي عنان، وتقديم استقالته، وإنهاء مهمة بعثة المراقبة.

وتعكس الدلالة الثانية محاولة استدعاء النموذج اليمني وتطبيقه على الحالة السورية، وهو الأمر الذي لا يدعمه واقع الثورة السورية؛ إذ إن الصراع في اليمن لم يكن ممتدا، كما أن التركيبة القبلية والانشقاقات في صفوف النظام وعدم توافر غطاء إقليمي أو دولي داعم لعلي عبد الله صالح ساهم في التوصل إلى صيغة سياسية يتنحى بموجبها عبد الله صالح، ويتم إنهاء الأزمة، بيد أن هذه المعطيات المفضية إلى الصيغة ذاتها غير واردة حاليًّا في الحالة السورية.

المبعوث الدولي.. مهمة شبه مستحيلة

عندما ذكر الأخضر الإبراهيمي في أعقاب توليه مهمته كمبعوث دولي أن المساعي الدبلوماسية لإنهاء الصراع في سوريا شبه مستحيلة، كان يلقي الضوء على الأبعاد الرئيسية في الأزمة؛ إذ إن إطالة أمد الصراع أفضى إلى إدخال عدة متغيرات في المعادلة، بحيث باتت معها المساعي السياسية بلا طائل فعلي.

وعطفًا على ما سبق، تُصبح مهمة الإبراهيمي مجرد محطة من محطات الصراع دون التعويل عليها كثيرا في إيجاد مخرج حقيقي في المدى القريب، لا سيما وأن ثمة عوامل تدفع نحو ترجيح هذا السيناريو تتمثل في الآتي:

أولًا: قبول أطراف الصراع بالحلول السياسية عبر آلية التفاوض مرهون بإدراك متبادل أن استمرار الصراع يعني خسائر لكلا الطرفين، وعدم إمكانية الاستمرار في المسار العسكري، وهو أمر غير مطروح في الحالة السورية على أقل تقدير في الوقت الراهن، فنظام الأسد مستمر في عملياته العسكرية، ويحاول إضفاء صبغة الإرهاب على قوى المعارضة كآلية لتبرير عملياته العسكرية، بل لم يسعَ النظام حتى إلى تقديم بادرة للمجتمع الدولي تعكس قبوله بالحل السياسي، ففي حين كان يلتقي الأسد بالمبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي في دمشق يوم 15 من الشهر الجاري كانت العمليات العسكرية للجيش النظامي مستمرة لتُسقط المزيد من الضحايا.

ثانيًا: طولُ أمد الصراع والآثار المترتبة عليه، من مقتل أكثر من عشرين ألف سوري واعتقال واختفاء الآلاف فضلا عن تحويل أكثر من مليون وخمسمائة ألف مواطن إلى لاجئين في مدن سوريا بالإضافة إلى ما يزيد عن 200 ألف لاجئ بدول الجوار؛ جعل الخيار العسكري هو الخيار الأنسب للمعارضة السورية، فهي ترى أن النظام السوري فاقد للشرعية، وأن قبول الحلول السياسية مشروط بخروج الأسد من المشهد، وهو ما يرفضه النظام فضلا عن ضمانات سيسعى أركان النظام للحصول عليها في أي تسوية سياسية قد لا تقبلها المعارضة.

ثالثًا: تماهي الحدود بين أزمات الإقليم والأزمة السورية ليضفي المزيد من التعقيد، فمحور إيران-حزب الله لديه مصالح وقضايا عالقة مع الغرب، ويستخدم الطرفان الصراع في سوريا والدعم للنظام كغطاء لهذه القضايا، وكورقة ضغط، ومن ثمَّ فإن طرح حل سياسي للأزمة السورية يتعين أن يكون ضمن منظومة حلول تشمل الملف النووي الإيراني، والعلاقة الغربية مع حزب الله، وملف الصراع العربي الإسرائيلي، أو بصورة أدق كسر العزلة الغربية المفروضة على إيران وحزب الله، خصوصا وأن إيران على استعداد لدعم الأسد إلى ما لا نهاية؛ فقد صرح القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري مؤخرا "أن عناصر من فيلق القدس التابع للحرس الثوري موجودون في سوريا ولبنان كمستشارين، وأن إيران قد تتدخل عسكريًّا في حال تعرض سوريا لهجوم".

وعلى الجانب الآخر؛ سعى معسكر تركيا وقطر والسعودية إلى تقديم الدعم للمعارضة، وتسليحها، بصورة كرست من عسكرة الصراع، وجعل القبول بالحلول السياسية في أدنى الحدود، وبين هذا وذاك يطمح كل طرف إلى تحقيق مصالحه بما يفرض على الإبراهيمي التعاطي مع استحقاقات عدة ومتباينة في آن واحد قد لا يكون في استطاعته الاستجابة لها، لا سيما وأنه لن يحظى بالدعم الغربي المطلوب.

رابعًا: استمرارُ الدعم الروسي الصيني لنظام الأسد يعني استمرار الانقسام الدولي، وهو ما ينسحب بالتبعية على مجلس الأمن، فموسكو تقدم غطاءً دوليا للنظام السوري، وتتبنى وجهته في التعامل مع الصراع، وبالتالي تفرض على أي تسوية سياسية شروطا مسبقة تمثل عنصرا ضاغطا على المبعوث الدولي.

خامسًا: تبني الإدارة الأمريكية نهجا انتقائيًّا في التعامل مع الثورات العربية، وهنا تبدو الحالتان الليبية والسورية متناقضتين، فالإدارة الأمريكية ضغطت من أجل إنهاء حكم القذافي عسكريًّا عبر غطاء من مجلس الأمن وحلف الناتو؛ حيث كانت حسابات المصلحة هي العنصر الحاكم، بينما تطرح الحالة السورية نموذجًا مختلفًا؛ إذ إن واشنطن سعت في البداية إلى التفاعل مع الصراع على أنه أزمة محدودة سيستطيع النظام التعامل معها، ومع امتداد الصراع بدأت تحاول الضغط على نظام الأسد، ولكنها محاولات بدت في كثير من الأحيان على استحياء، خصوصًا وأنها لا تريد إسقاط الأسد بصورة تخلف فراغا هائلا داخل سوريا يؤدي إلى أوضاع كارثية تمتد آثارها إلى دول المنطقة وفي مقدمتها حليفتها إسرائيل.

فالمُنطلقات الأمريكية تفرض على مهمة الإبراهيمي عدة تحديات، أبرزها أن الإدارة الأمريكية لم تكن من البداية مرحبة بفكرة المبعوث الدولي وقدرته على تسوية الصراع، يُضاف إلى ذلك قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية بصورة قد تقيد التحركات الأمريكية ومعها تحركات الإبراهيمي.

خلاصةُ القول: إن مهمة الإبراهيمي يكتنفها الكثير من الغموض، فخطة العمل التي سيتعامل بها مع أطراف الصراع غير واضحة المعالم، فضلا عن تداخل أطراف خارجية بصورة تجعل مهمة الإبراهيمي مجرد حل مطروح الهدف من ورائه إتاحة المزيد من الوقت أمام الدول الغربية لطرح بديل عن نظام الأسد.
رد مع اقتباس