الحلقه 39
فى ذاكرة الانسان تحفر صور وجوه و اشخاص واحداث لكن بالتاكيد ذاكرة شيرين ، حفر فيها هذااللقاء مكاناً غائراً ، لا يمحوه الزمن مهما طال
وكم كانت تتمنى فى تلك اللحظهللزمن ان يطول..نظرت شيرين اليه ، غير مصدقه،انه هو ، امامها ، كم استحلفتهبلسانها الا ياتى معهاو قلبها يكذب لسانها ، و يحلمبوجوده الى جوارها ، حتىالنهايه ، بيده تمسك بيدها حتىباب حجرة العمليات..يا الله ، كم انت كريم ورحيم
لم تقل أى كلمات ، كان انفعالها وانفعاله اقوى من اى كلمات ،فقط دست جسدها الضئيل بينذراعيه الممدودتان و صوته يرن
فى اذنها منذ اخر لقاء ، فداكىعمرى يا شيرين
اما هو ، فأحس انه فى بيته ،رغم الغربه و البرد و الظروف ،انها فى احضانه الان ، اذنهو فى بيته حيث توجد...... حبيبته زوجته..حملها كطفله صغيره و دار بها حول نفسه ، و عيناه مغلفة بالدموع و توقف لينظر اليها مليا ، و هى الاخرى نظرت الى عينيه ، و لم تقل اى كلمه وكل منهما بوجه
نصفه ابتسامه و نصفه عينان تدمعان ووجدت نفسهالاول مره فى حياتها تفعل شيئاً لم تفعله قط ، مع اى انسان ، وجدت نفسها
ترفع يده الى شفتيها وتدفن وجهها فى كفه وتقبلهامما جعله ينهار على يداها تقبيلاً و هو غير مصدق انها لم تأبه للناس حولها ولا لوالديها ، فقط عبرت عما بداخلها
و لم يكن بداخلها فقط حب فىهذه اللحظه ، كان نوع منالعرفان ، كانت تريد ان تبلغه
بغير كلام ، كم تقدر وقوفه الىجوراها ، و قطعه لنصف الكرهالارضيه ليكون معها
لم يكن يدرى كيف كانت ستسير به الايام ، لو فقد هذه المخلوقه ،لو اختفت من عالمه
لكن شيرين كان وجودها مثل العطر قد يختفى الشخص ، و يبقىعطره للابد ،دليلاً دامغاً على وجوده
دليلا يقول : كان هنا انسان جميل ، نبيل ، لاتمحو ذكراه السنين
اندهش والدا شيرين نفسيهما عندما وجدا حسام ، لكن وجوده اورثهما الكثير من الارتياح ، احسا انه سيسهم فى ارتفاع معنويات شيرين للسماء ، خاصةً بعد ما لمسا تبدل حالها تماماً بمجرد ما رأته .
كان ميعاد المستشفى فى اليومالتالى ، وامامهما ليله باكملها
ليله من العمر ، قد تكون اخرلقاءهم طلبت شيرين من امها ان تتركهامع حسام تلك الليله .
نظرت الام نظره ذات مغزىلحسام ، الذى طمأنها بنظرهواحده، انه لم يكن ليؤذيها او
ليجهدها تحت اى ظروف
و لم تقل الام غير :انا واثقه فيك يا حسام يابنى
ابتسم حسام ابتسامه حزينه قائلاً :اطمنى يا طنط ، انا باخاف على شيرين اكتر من نفسى
خرج حسام وشيرين من الفندق بعد انزال الحقائب ، و حجز الغرف و اخذ حبيبته الى احد المطاعم الذى اخبره اشرف عنه ،و على
ضوء الشموع الخافته ، نظر لوجهها كانه يراها لاول مره ، عيناها حبيبتاه ، هل من الممكن ان يحرم منهما للابد ، هل من الممكن ان يوقف الزمن لياخذ منها كفايته الان ، و هل هناك فعلاً ما يكفيه عمراً كاملاً بدونها
و هى كانت تنظر اليه دون ان تتكلم ، فقط تراقب انفعالاته و عيناه ، و تشعر بكل ما فىداخله، انه لازال كما هو ، منذ وقعت عليه عيناها ، لا ينظر اليها ، ينظر بداخلها ، و احست انها تريد ان تحيا فقط لكى تجعل هذاالرجل سعيداً..وهى لاتدرى ان مجرد وجودها بجوراه ، جعله بالفعل اسعد الرجال
و بعد فتره طويله من ضجيج الصمت قال لها : بحبك يا شيرين..انا عارف انى باقولها كتير و باكرر نفسى ،حاولت ادور فى كل القواميس على كلمه جديده تعبر عن شعورى بيكى ، و مش لاقى برضه غيربحبك
اغمضت شيرين عينيها لتتشرب الكلمه بكل احساسها ثم قالت : باحبك
و اردفت مصطنعه الغضب :بس زعلانه منك يا حسام ، مش اتفقنا تروح البعثه و انت وعدتنى
حسام : مانا رحت البعثه اهوه
شيرين : ازاىبأه ؟
حسام بمرح : شغل عالى اوى ، سجلت للدكتوراه هنا فى نفس الجامعه اللى فيها الدكتور اشرف جوز اختك ، و اللى ان شاء الله حاتكملى فيها دراستك انت كمان
ردت شيرين و قد دار راسها من المفاجأه :
ايه ايه ، قول تانى معلش ، دراستى و دراستك فين ؟
حسام : انت فاكره انك بعد ما تطلعى بالسلامه ان شاء الله ..حاسيبك ترجعىمصر و تبعدى عن جوزك ، لا يا مدام ، حاتفضلى معايا هنا ، انا عملت اجراءاتى خلاص
شيرين : اجراءاتك ؟
حسام : يا حبيبتى انت مراتى دلوقتى ، ونجحتى بحمد الله فى الترم الاول، طبعا عرفت كده وانا فى مصر ، و كلمت شهيره و هى ساعدتنى انى انقل اوراقك ، و طبعاكانت معايا قسيمة الجواز يا عروسه ، و خلاص ، انت اتدبستى فيا رسمى
لمتطق شيرين نفسها من الفرحه فانتصبت واقفه و هى تقول و قد ملأها ما فعله حسام بالامل: يعنى انت ما خسرتش البعثه يا حسام
قام حسام هو الاخر واقفا : و لا انت خسرتى النص ترم ده يا عيون حسام ، وان شاء الله نخلص دراستنا و نرجع بلدنا
(جزء من النص مفقووووووووود )
كانت موسيقىالكمان بدات بالعزف فى المطعم الراقى..و لاول مره يرقصا سويا بحق،اذ كانا خلال رقصتهما فىالخطوبه متباعدين عن بعضهما ،لمتكن زوجته بعد ، لم يستطع ضمها لصدره كما يفعل الان ،و للعجب لمتتحرك غرائزه ،احس انهما فى تلك الليله اعلىمن الغرائز ، فقط تحركت
مشاعرهما ، كما لو كانا كائنيننورانيين ، تعاليا على طبيعتهماالبشريه ، و رفعهما حبهماالملائكى ، الى مرتبه اعلى واسمى بكثير من قيود الجسد ورغباته الدنيويه
و تمنت لو قضت الليله كلها بيناحضانه فى هذا المكان الجميل ،لكن سرعان ما انتهت الرقصه ،و بعدها انتهى العشاء و عادا الى الفندق ذهبا سوياً لغرفة شيرين ، و اول ما فعلا هو الوضوء و الصلاه ،و تبعاها بصلاة شكر لله تعالىالذى جمعهما ، و بدأ حسام يدعودعاء الحاجه بصوت رخيم، و تردد خلفه شيرين بعينان دامعتان و هما يبتهلان الى اللهالذى جمعهما ، الا يفرقهما قط
شيرين : فاكر اول يومقلت لى فيه انك بتحبنى ؟
حسام و قد احمر وجهه : فاكرطبعاً ،صدقينى يا شيرين انا عمرى ما كنت جرىء و لا مقتحم زى ما نتى فاكره ، اناكتبت الكلام ده بينى و بين نفسى ، و فجاه لقيت نفسى بادوس انتر و الكلام وصل عندك
شيرين : الكلام وصل عندى قبل اليوم ده بكتير ،من ساعة ما بصتلى بعد ما صحيت من الاغماءه ، ساعتها حسيت انك بتحبنى من غير ما تقولولا كلمه..عمرى ما تخيلت ان ربنا يكون بيحبنى لدرجة انى اشوف معاك السعاده دىكلها
اطرق حسام و فكر بينه و بين نفسه :انها بالرغم من كل الامها و مرضها سعيده ، الحمد لله ان وضعنى فى طريق هذا الملاك ، حتى لواورثتنى حزن العمر كله ، يكفينى اسعادها ولو لحظه واحده
كان الفجر قداقترب ، فظلايرقبان الشرفه التى كانت تطلعلى بحيره رائعه الجمال، لكنهاتقترب من التجمد ، و علىجانبيها الاشجار قاربت علىالجفاف من شدة البرد و لم يتبقفيها ورقه واحده ،
و تساءل الاثنان فى نفس اللحظه ، هل ستتاح لهما رؤية هذا المنظر ، معاً ، الربيع القادم ، و قد اكتست
جنبات المكان بالخضره ، و اينعت الزهور و سالت مياه البحيره باشراقة شمس الربيع الدافئه عليها