إياس : أفنت زوجتي " لينة " شهوراً وهي تبحث لك عن زوجة صالحة تسعدك وتعينك وتسرّك إذا نظرت إليها ، فما عليك من غضاضة حين تقول ذلك وتتبجح بأنهنّ سواء بعد أن رزقك الله بـ " منال " فتاةً صالحة من بيت صالح بأخلاق فاضلة ، ولو رأيت ما رأيته من أخلاق الفتيات وجرأتهن على الرجال وطول ألسنتهن ومزاحمتهنّ لنا في الممرات والمكاتب كاشفات الوجه ضيّقات الثياب لما قلت ما قلت !
ريّان : الحمد لله على نعمه .. طيب .. وماذا جرى بعد ذلك ؟
إياس : عشتُ بعد ذلك اليوم بين خوف ورجاء ، أرجو وأتمنى ثم أخاف فقد أمنيتي ، هذه هي الفرصة الأخيرة لي لأفوز برؤى ، كنت أبحث عن أي شيء أتقرّب به إلى الله لعله - سبحانه - أن يرحمني ويجبر كسري ، حتى رأيت وأنا خارج من صلاة العصر في لوحة إعلانات المسجد دعوة للصدقة على الأيتام ، فحدثتُ نفسي .. ولمَ لا أذهب لدور الأيتام فأبهجهم وأضحكهم علّ الله أن يضحكني .
ركبتُ عندها سيارتي إليهم ، وذهبت قبل أن أصلهم لأحد محلات الهدايا الصغيرة فاشتريت بكل ما في جيبي من مال هدايا ولعباً صغيرة لأدخل بها السرور عليهم ، وصلتُ فمنعوني من الدخول عليهم - لست أدري لماذا ؟ - ، فأصررت عليهم والعبرة تخنقني وأريت المسؤول تلك الهدايا التي حملتها إليهم .. فوافق على مضض .
دخلتُ على الأيتام .. رأيت حالهم وعيشتهم .. رأيت أعينهم الحيرى تجول في المكان تبحث عن من تُسكنه فيها من أبٍ أو أم لم يلتقو بهم قبلاً ، ابتسمتُ وسلمتُ عليهم .. استأذنتهم أن ألعب معهم فوافق بعضهم واعترض آخرون .. لكنهم تحت توسلاتي اللطيفة والممازحة لهم وافقوا جميعاً ، لعبت معهم .. ضحكنا .. جرينا معاً .. تعانقنا .. قبلنا بعضنا ، ما كان يمرّ بقربي يتيم إلا حملته بسرعة ورميته إلى أعلى ثم استقبلته واعتنقته وقبلته ، جربتُ واقعياً المسح على رأسٍ اليتيم .. وياله من شعور باللين والانكسار يملأ قلبك ، كنت أشعر وكأني أمسح على قلبي .. كأني أنفض عنه آلامه .. ويالها من لحظة تلك التي يرفع فيها اليتيم رأسه لينظر إليّ مبستماً وأنا أداعبه مدخلاً يدي في شعر رأسه !
كنتُ أن ألعب معهم .. آخذهم واحداً واحداً .. دون أن يحسّوا بامتيـازٍ لأحدهم على صاحبه .. آخذهم فرادا إلى زاوية في ساحتهم ، فأفتح لواحدهم كيس الهدايا ليختار أيّها شـاء ، وهكذا مر الوقت سريعاً إلى أن اقترب وقت آذان المغرب ولم يتبقّ معي إلا لعبتين ثنتين ، كنت قد تعبتُ من اللعب معهم وتركتهم يلعبون أمامي وجلستُ في ناحية من المكان أرقبهم ، كنت أنظر إليهم يتضحاكون وهم يلعبون ما أتيتهم به من هدايا بسيطة صغيرة ، كنت أنظر إلى السماء .. باكيَ القلب .. ثم أهـوي بها إلى الأرض أدعـو ربي في صدري .. ( يا رب .. هؤلاء ضعفاء مساكين أيتام أطفال .. يا رب وأنت الكريم الرحيم الأرحم مني .. يا رب فأضحكني كما أضحكتهم .. يا رب فأضحكني كما أضحكتهم ) ،
قطع علي الدعاء طفل صغير جاءني يجري وهو يقول
( لمَ تنظر إلى السماء هكذا يا إياس ؟ ) ،
قلت له ( لأني أحمد الله أن جعلني آتي إليكم اليوم فأفرح معكم .. أتحفظ سورة الحمد ؟ ) ،
قال ( نعم ) ،
وقرأ أمامي سورة الفاتحة كاملة دون أي خطأ ، وبدون شعور اعتنقته وقبلته .. ثم تذكرتُ أنه بقي لدي هديتين ثنتين .. فقلت له : ( هذه هديّة لك لأنك تحفظ القرآن بشكل ممتاز .. وهذه الأخـرى أهدها أنت على أي صديق لك تريـد ) ،
ضحك فرحاً ثم قال ( خذها أنت .. أنت أحسن صديق ) .
خرجتُ من دار الأيتام وأنا أحمل نفسي حملاً من انكسار قلبي .. متماسكاً لأن لا تسح دموعي ، كنتُ طول الطريق إلى مقر عملي أدعو الله أن يتقبّل عملي وأن يرزقني ما أتمنّى .
دخلتُ مكتبي سريعاً رغبة مني أن لا أتلقي رؤى في أي مكان ، أشعر بهيبة لها خصوصاً بعد اتصال الأمس ، أنجزتُ عملي والبسمة تغشى محيّاي بشكل ملفت ولم يعهده أحد من الزملاء منذ شهور ، كان كل من مرّ في الممر ورآني من النافذة الزجاجية التي تطل على مكتبي لوّح بيده إليّ مسلماً مبتسماً ، ويأبى الفضولي - وهي كنية لأحد الموظفين - إلا أن يقتحم مكتبي مسلماً .. مرحباً .. ومباركاً ، يظن أني قد خطبت امـرأةً ما لذا أنا سعيـد ، صرفته بلطف - كالعادة مع الفضوليين - ولم أخبره شيئاً !
وهكذا مرت الأيام وأنا في انتظار الرد ، مضى أسبوع .. أسبوع ونصف .. بدأ القلق يتسرّب إلى قلبي ، ومع هذا كنتُ أوهم نفسي أنهم لولا موافقتهم المبدئية لما تأخروا كل هذا الوقت ، فلربما احتاجوا وقتاً أكبر ليتعرفوا علي بشكل أفضل .
مضى أسبوعان ولا ثمّة خبر .. اتصلت والدتي كثيراً بأم رؤى لكنها كانت مغلقة جوّالها ، فلم يكن من حلّ حينها إلا أن ترسل لها رسالة نصّية تستفسر فيها عن الأمر وماذا أتم فيه ، فكان الجواب سريعاً .. ومؤلماً ( الحمد لله على كل حال .. يبدو أنه لا يوجد نصيب .. رزقكم الله بخير منّا ) .
اتصلت أمي مباشرة بأم رؤى .. لست أدري ما دار بينهما من حديث تماماً ، لكن ما علمته كان كافياً لأن تسودّ الدنيا كله في وجهي وأن أذهل عن عقلي فأفقده مدة ليست بالقصيرة وأقوم بأعمال جنونية ، قالت لي أمي عن أم رؤى أن ابنتها هي من رفضت الزواج ، رغم أنها - يعني الأم - وأبوها موافقين على ذلك !
ريّان : وما الجنون الذي عملته ؟ كسّرت سيارتك مثلاً ؟ ضربت أمك ؟ مشيت عارياً على أسوأ تقدير !؟
إياس : جنون .. وجنون فقط ، انقطعت عن دوامي أسبوعاً و ...