الفصل الرابع عشر
إياس : اندفعتُ نحو أمي قائماً أجري بسرعة لأحدّثها عند باب غرفتها حتى لا تؤجّل الحديث متعذّرة بوجود إخوتي ، سألتها مستعجلاً ما الخبر ؟ هاتِ البشرى ! فلم تزل تنظر إليّ مبقية على ابتسامتها ، وهي تقول :
أم إياس : رحّبت بي جزاها الله خيراً ، لكن !
قاطعتها وكأني أنتزع الحديث منها انتزاعاً ولا ثَمَّ ذرة صبر بقيت في جعبتي ...
إياس : لكن ماذا ؟ .. ماذا ؟
أم إياس : قالت إنها خارج البيت مع بناتها وستتصل بي حالما تعود إلى بيتها !
إياس : في ذلك اليوم .. لم أذهب إلى عملي بل تغيّبتُ عنه ، كنت أمني نفسي أن أنتهي تماماً من موضوع رؤى هذا الذي أشغلني لعل الله أن يحدث فرجاً ومخرجاً ، كانت الدقائق منذ الظهيرة وحتى موعد إجابة أم رؤى على الهاتف تمر بطيئة جداً ، لكنها لم تكن بأي حال كبطء الدقائق وأنا أنظر إلى جوّال أمي خلسة انتظاراً لاتصال أم رؤى .
يا لدقائق الانتظار التي تحرق ذرات صبرنا حرقاً في قلوبنا ، لا أقسى من الصبر على المصيبة إلا الصبر على لحظات الانتظار لها والتي تطول وتطول حتى إن الصبر ذاته ليُسلخ منها ، خوفٌ وترقب ووجل وتكهنات وتأملات .. أمانٍ تنسج بخيوط العنكبوت .. ازدياد في النبض وتعرّق في الجسد وبطء في الإدراك والاستيعات .. و .. و يرنّ الجوّال بعد ساعة !
تذهب أمي مرة أخرى نحو غرفتها مرة أخرى في امتثال لهيئة أم إسماعيل ساعيةً بين الصفا والمروة ، وبين من تبحث عن ماء ليروي رمق ابنها الجاف .. وبين من تبحث عن فتاة تشفي قلب ابنها العاشق ! كانت الصورة أمامي وأنا أنظر إلى أمي ترد على الهاتف وهي تغمز لي بعينها قبل أن تقفل باب غرفتها .
... وانتظار آخر وإن كان أقسى من سابقه !
أجد أن هناك نسبة وتناسباً بين شعورنا بطول الوقت وبين إداركنا لأهميّة ما ينتظرنا إن كنّا نريده ، وبين قصر الوقت إن كنّا لا نريد ما نتتظر ، أتصدق !؟ تلك الست دقائق الأخيرة التي قضتها أمي تحادث أم رؤى كانت أطول في شعوري من تلك الساعة !!
أسندتُ رأسي إلى الجدار واتكأتُ عليه .. وخرجت أمي ، غشتني سعادة لا توصف وأنا أشاهد ابتسامتها تشق وجهها من أذنها إلى أذنها مروراً بتلك الثنايا البادية ، هرعتُ إليها فأشارت إليّ أن اجلس مكانك ، أقبلت نحونا ثم جلست وقالت ..
أم إياس : اتّصلتُ بهم .. رحبوا بك كثيراً .. حصل حديث جانبي بيني وبين أمها حول ما حصل في المرة الماضية فأخبرتني أن هناك من استعجل الرد منهم ، ولذا كانت إجابتهم بالرد حينها ، طلبت مني أمها بعض الوقت للتفكير على أن تردّ عليّ لاحقاً - إن شاء الله - .
إياس : فرحتُ أيما فرح بهذا الرد المطمئن المبشّر فآليت على نفسي إلا أن أتصدّق حالاً ، ركبتُ سيارتي قاصداً مكتب جمعية خيرية قريبة من بيتنا فألفيتها مغلقة لا أدري ما سبب إغلاقها ، صرتُ أبحث عن أي فقير في الطريق فلم أجد ، فما كان لي بُد من أن أشتري بعض ساندويشات من أحد المطاعم مع بعض الشراب ثم أهديها على عمّال محطة البنزين المقابلة لحيّنا السكني .
عُدت إلى البيت وأنا بين فرحٍ مُطعّمٍ بخوف من خيبة قد تأتي لاحقاً ، نمتُ أسعدَ نومة نمتها منذ زمنٍ طويلٍ جداً ، قمت آخر الليل وقد شبعت واكتفيت من النوم ، توضّأت وصليت لله ركعتين ثم أوترتُ ، وفي دعاء الوتر كان الثناء على الله والشكر والحمد له ، لم أتطرق في دعائي لشيء سوى ثنائي على الله بما هو أهله مع تسبيحٍ وشكر وحمد .. ثم استلقيتُ على فراشي منتظراً آذان الفجر ...!
...
ريّان : بصراحة يا إياس أتعجّب من هكذا صبرٍ وإصرار على نيل رؤى وأنت لم ترها من قبل قط ، ربما تجد في نفسك ميلاً لفتاة سمعت عن جمالها .. سمعت صوتها تتحدث متغنجة .. اممم شممت عطرها ففتنت بها ؛ لكني لا أجد أدني مبرر يمكن أن أتقبله في تبرير كل هذا التعلّق بفتاة لا تعرف عنها إلا ما حدّثتك أمك به عنها ومواقف حصلت في المكتب مرتين أو ثلاث .
إياس : هذا فيمن يريد الجسد يا ريّان ! ولست أريد جسداً ، أرى الجميلات الفاتنات الساحرات تفوح منهن رائحة العطور الآسرة يمشين بتغنج وتكسّر .. أرى الخصور الهيف والتمايل وإبداء المفاتن وكشف أعلى الصدر في المستشفى ؛ لكن ذلك لا يحرّك فيّ رغبة الزواج من إحداهنّ ولا مجرّد تفكير ، لست أريد دمى .. لست أريد أجساداً ملونة ، ربما سأعيش في لذة جسدية شهرين أو ثلاثة وربما امتد ذلك سنة لكني بعدها لن أبالي أنكحتُ امرأةٌ أم جداراً ، إنما أريد ما هو أسمى من لغة الأجساد .. أريد روحاً !
ريّان : روحاً ؟ وهل ستتزوج أمواتاً ؟
إياس : أريد روحاً تغشاني بسكينتها .. بابتسامتها الصادقة المخلصة التي لا تطلب من ورائها نفعاً سوى الحب ، أريد روحاً تملؤني تفائلاً إن أرهقتني صروف الزمان .. روحاً متجددة لي أراها كل يومٍ بملابس الأخلاق الساحرة .. روحاً تغمرني إيماناً بالله وتشجيعاً على الطاعة إن ضعفت أو تكاسلت .. روحاً تدفئني إن أقبلت إليها خائفاً وجلاً أنادي بها زملوني دثروني .. روحاً تريد روحي .. تريد روحي أنا .. تعانقها وتشبعها راحة وطمأنينة وأنساً وسروراً واستقرار وسعادة ، صدقني إن تعانقت الأرواح فلا عليها أتعانقت الأجساد أم تنافرت .
لن أتزوّج مواتاً ولا جثثاً هامدة ، لكني أراهنّ متأثرات بالمسلسلات ، يرين في الزوج شيئاً يُشبع في الفراش ويُشبع على مائدة الطعام ، ولو نقص المصروف ريالاً واحداً لحزمت الحقائب ونادت بصوت يسمعه من في بيت أهلها (اذهب لبيت أهلي ) ، ووالله لو قالت لي امرأة ذلك لما رددتها إليّ ولو توسّط لها من توسط .
لأجلك ذلك كنت أريد رؤى .. لا يهمني أكانت بيضاء أم سمراء .. ناعمة الشعر أو خشنته .. واسعة العين أو صغيرتها .. مليحة الثغر أو مكسورة الأسنان ، عندما تتلبس روحها بروحي سأراها ملكة جمال الدنيا ولن أقدّم عليها أحداً !
ريّان : تعيش في وهم .. كل الفتيات سواء .. طبخ وغسل ثم فراش آخر اليوم .. وهكذا ، لا أجد ميزة لإحداهنّ على أخرى إلا في ما تتخيله أنت عنهنّ ، دعك من الرومانسية التي لا نحسنها نحن العرب .