
18-05-2011, 08:34 PM
|
|
عضو لامع
|
|
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 1,413
معدل تقييم المستوى: 18
|
|
فستان الفرح ستة عشر عامًا تفصلني عن أختي ، ساهمت في توجيهها و شاهدتها تنمو أمام عيني زرعاً طيباً و نباتاً عبق الرائحة حتى تخرجت من الجامعة . بقي أيام على زفافها الذي نترقبه بحب و لهفة ، نخطط له، و قد خرَجت العروس الليلة للتسوق مع زميلة لها .
يأتي أخي بعد عمله فيسأل عن حبيبة قلبي .
أخبره أنها لازالت في السوق. فينفعل ، لماذا لم تخبره أمي حين خابرها بالتليفون أن الفتاتين لازالتا بالسوق فيمر لإحضارهما و قد كان قريباً من مكان تسوقهما؟ يا للنساء كيف ينسين كل الأمور الأساسية،حساباتهن غير مرتبطة بأرض الواقع لا يستطعن تقدير المسافة و الزمن و الجهد اللازم لأي فعل أو مشوار!
تقطع رنات الهاتف كلمات العتاب ، تلك أختي تخبرنا أنها انتهت من التسوق ، و أنها تنتظر أحد وسائل المواصلات للعودة للبيت .أمر يزعجني فلا يهنأ لي بال ، فلازالت حادثة اختطاف إمرأة و ******ها في سيارة أجرة في نفس هذا الشارع التجاري عالقة بالأذهان.
في الواقع خروجها زاد أمي توجسًا رغم دعواتها لهما بالحفظ و السلامة ، أخبر أختي أنني سأكون لديها في الحال ثم أغلق الخط على عجل ، لا تخبرني أنها بحاجة لشيء، لا أدري لماذا، لعلها نسيت، تلك الذاكرة المثقوبة كالمصفاة لا يستقر بها شيء ، لا أسألها إن كانت تحتاج شيئاً ، لعله نفس السبب .
تصحبني أمي في هذا المشوار، متنفس لنا أن نخرج فنرى الشارع و المباني و الأحياء فرصة لا تتكرر كثيراً ففنحن محبوستان في قلعة شاهقة الأسوار لا نتجاوز أسوارها كثيراً ، سجن مادي و معنوي فرضه السكنى في مدينة سكنية جديدة خدماتها شحيحة . تشعرك أحياناً أنها مدينة أشباح .
الطريق مزدحم و الوقت متأخر و الكل متلهف لإجتياز الطريق عودة لبيته فهو شارع سكني و تجاري، ينافس المتسوقون سكان العمارات على أماكن إيقاف السيارات و مواطئ الأقدام.
في السوق ، استقبلتنا الفتاتين ، الأفكار تتوارد على أذهاننا، مؤتمر نسائي مصغر ، يوجد في المركز التجاري فستان أبيض مناسب للزفاف ، به مشكلة صغيرة، هل بوسع الخيّاط أن يصلحها؟ لعلنا نجد أفضل منه في محل آخر، ألدينا المال الكافي لشرائه؟ لم نتهيأ لهذا الموقف. ربما بإمكان صاحب المحل أن يقبل دفعة أولية ثم نعود بباقي الثمن فيما بعد ، أيقبل؟ الآراء تؤيد كلتا الفكرتين فلا معلومات أكيدة نبني عليها حكمنا. هيا إذاً نتأكد من الأمور العالقة.
تجرب أختي الفستان ، مؤتمر نسائي آخر ، ثلاثة نسوة حول العروس يتأكدن من تفاصيل الثوب ،
_ قياسه غير مضبوط ،
_جربي غيره،
_لا وقت فالمحل على وشك الإغلاق و كذلك السوق برمته،
_ بل جربي هذا ، إنها بضعة دقائق، ما رأيك فيه ، ماذا عن ذلك الفستان؟
الثاني ضيق أما الثالث .... لا هناك شك في صلاحيته لندعه إذاً لغيره ، لا يوجد أفضل منه.
هل للمحل فرع آخر؟ أجل في نهاية الشارع فرع آخر به نفس التصميمات لكن ليس به المقاس المطلوب ، لكن البائعة تؤكد أننا لن نجد طلبنا هناك ، لماذا؟
أوهام تملأ رؤوس النساء ، أحكام مبنية على الرغبات و الإنفعالات و الحدس، كم فيها من حقيقة؟
كم من هذه الإستنتاجات مبني على المعلومات الفعلية؟
كم أحسد أخي على ذاكرته المحسوبة، ثابتة و منطقية تنجز الأمور ببساطة و سلاسة ، ما باليد حيلة ، ثم أنني أنجز أمورًا أخر بطريقة مختلفة ، إحساسي بالزمن و الأشياء و الأشخاص له نكهته الخاصة.
ثم من يضمن ما سيكون؟ هو عالم في حالة تغيير مستمر.
مؤتمر نسائي آخر، أ نذهب أم نؤجل المشوار ليوم آخر؟ مؤكد أن المحل الآخر قد أغلق فالساعة قد تجاوزت الحادية عشر،
بوسعنا أن نجرب بسلامة نية ، يحدونا الأمل أن ننتهي من هذه المهمة الليلة ، لعلنا نحوز جائزة سعينا المنشودة.
في المحل الآخر، استقبلتنا بائعة ظريفة نشيطة، أجل هم على وشك الإغلاق، لكن تفضلن يا مرحباً بكن.
بادرت بإحضار كرسي للأم الكبيرة، و أغدقت كلمات الثناء على العروس و ناولتنا فساتين متنوعة.
ارتدت العروس الفستان الذي أعجبها، كأنه صمّم لها خصيصاً.
مؤتمر نسائي جديد، النساء تعصف بإذهانهن أفكاراً نسائية مشوشة و لطيفة. هل تشتريه أم تنتظر؟ الوقت ينفد و لازال أمامنا الكثير من المشتروات ، هيا على البركة. هل معنا نقود كافية فنحن لم نتوقع هذا رغم أن الأمر كان مشروعاً للتسوق منذ أن بدأ ؟ لا ليس مع العروس ما يكفي ، تعرض عليها صاحبتها قدر من المال كسلفة، أمي معها مبلغ آخر، هذا كله يفي بالمطلوب.
فتحت حافظة نقودي، معي عشرة جنيهات فقط، ياللهول ظننت أن بها أكثر من ذلك. كيف أخرج بلا نقود؟ عادة مزمنة لا أدري كيف أتعافى منها ، بسرعة و رشاقة كان الثوب ملفوفاً في غلافه. آخر عشرة جنيهات في جيبي و في خزانة المالية المشتركة دفعتها بقشيشاً للبائعة الشاطرة حلوان هذا الفرح و الرضا و التوفيق، و أكملنا المسيرة بلا نقطة مال (حسناً لن أكرر ذلك مستقبلاً ) .
كم استغرقنا ؟ ساعة واحدة، تفوقت على أخي هذه المرة فالتسوق لفستان الخطبة كان من نصيبه. مهمة طالت أسبوعاً مما أرهقه.
عالم النساء أعمدته حدس و بصيرة و الكثير من المعونة الإلهية و ينقصه الإنضباط الذي يفرضه الحساب و الذاكرة الحادة.
آه، نسينا أمراً هاماً! الطرحة ، ما العمل؟ خطتها بيداي قبل الفرح بساعتين و زخرفت حافتها كما خطت لها ثيابها منذ أن كانت طفلة، عقبال كل العرايس الحلوة.
إلهي الواحد الأحد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد، إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت و إذا سئلت به أعطيت و إذا استرحمت به رحمت أن تفرج همومنا و كروبنا و أن تزيل من أنفسنا الهم و الحزن و تبدلهما انشراحاً للصلاة و الإيمان و العلم و الصدقة، عدد خلقك و رضا نفسك و زنة عرشك و مداد كلماتك. اللهم آمين.
*********
|