... صمَتَ الجميع ، وهدأت أنفاس الرئتين ، وأطفأت دوائر العيون أضوائها ، وانضمت محطات الإستقبال والحواس الخمسة إلى جمهور المستمعين ، فالكل في حالة انتظار لما ستؤول إليه نتائج الحوار ، حتى العضلات والعظام والشرايين كلها في حالة من الصمت والتنصت لما يدور بين أهم مركزين في مملكة الجسم ، جلالة العقل الحاكم ، وولي عهده القلب ..
وبدأ الحوار ....
العقل : ليس من الحكمة والمنطق ان تتجاهل أوامري وتتخذ قرارتك دون الرجوع إليّ لأبيّن لك ما يجب أن تفعله وما لا يجب أن تفعله حسب ما أراه مناسباً لمملكتنا .
القلب : عفواً سيدي ، فمقامكم محفوظ ، لكن مهما علا مركزي ، أبقى قلب ، أعيش على الإحساس والشعور فبدونها لا أستطيع أن ألبي رغبات بقية أعضاء مملكتنا .
العقل : و إذا طغت الأمور الشاذة ، وكنا جميعاً في أوضاع سيئة ، فما تعمله لا داع لتكراره ، فهل من مصلحتنا أن نزيد من الهموم ، هَم وهَم وهَم ... !؟ .
القلب : وهل تسمي الحُب هَم ؟! .
العقل : هو أكبر هَم بالنسبة لنا ، فبالإضافة إلى المجهود الفكري المصحوب بالتعب النفسي الناتج عن حالات الضغط العصبي والتي تكمن أسبابها في كوننا نعيش في عالم المكابرة والمجاهدة على كافة الأصعدة ، فهل تريد مني ان أزيد ذلك المجهود الفكري بوجود الحُب ، فهو أمر مليء جداً بالهموم ، ويحتاج إلى منظومة فكرية مستقلة من أجل الوصول على حلول مناسبة .
القلب : وكأنكم يا سيدي تريدون أن تجعلوا مملكتنا مملكة جامدة لا يسودها الحب ولا التعامل ولا الشعور ! .
العقل : أنا لم أقل ذلك ، ولكن دوافع الحب إذا لم تبنى على مقومات الحب ، هو حب يسير إلى الفشل ، والحب الذي هو في هذا الوقت بل في هذه الساعة نحلله بانه حب سابق لأوانه ، فحالما نتحد جميعاً ونصل إلى المقومات حينها سأقبل لأوانه ، فحالما نتحد جميعاًَ ونصل إلى المقومات حينها سأقبل منك أن نُدخل إلى مملكتنا ألف شعور وألف حب ز
القلب : صدقني يا سيدي ومع اختلاف ماهية عملي عن عملك ، إلا أني أحس بما تريد أن توصله لي ، وأشعر بأسباب هذا الاعتراض ، فهي أسباب فيها من طرق الإقناع ما قد تأثرتُ بها وأخذت بها وجربتها على الكثير ، وصدقني أني لا أعي مصالحنا جيداً ، وأعلم أن بعض ما أفعله مُضر بنا كأسرة واحدة نعمل في سبيل مملكتنا . وهذا ما ترجمته على أرض الواقع عندما رفضتُ العشرات من دعوات الحُب ليس لنقص في شعوري أو لبرود في إحساسي ، لكني وعيتُ تماماً أن العواطف يجب أن تكون مجهضة بالنسبة لعلاقات الحب إلى أجل غير مسمى ، حتى تامروني بما اريد ان أفعله ، لكن يا سيدي مهما تفاديت الوقوع ومهما تجنبت أن أقع في شباك الحُب ، ستأتي لحظة أكون فيها ضعيفاً ومحباً وهاوياً للجمال سواء كان جمال الجسد أو الروح .
العقل : إذن ماذا تُفسر حبك الحالي الذي جعلني مرتبكاً في عملي وحائراً في أوقات راحتي ؟.
القلب : هل أنا حجر لا أحس ، هل أنا صنم لا أتحرك ، أم ميت لا أنبض ، هل تريد مني يا سيدي أن أسبب لمملكتنا الهلاك الناتج عن أوامركم التي توصي بالكبت والجمود ، هل عشت للحظة تبحث في عالم الحُب عن حبيبة ، ثم تجدها بعيدة يأمرك أحدهم بضرورة الابتعاد .
مولاي ، ضع نفسك مكاني ، وتخيل شعور يجذبك مثل الجاذبية الارضية نحو صاحبة جاذبية ، هل تملك أن تكابر وتكابر من أجل ما تسميه مصالح المملكة .
( يرفع القلب صوته ويضيف قائلاً ) : هل تخيلتَ بصفتك مصدر الخيال كم هي روعة العالم الذي تعيشه تلك الحبيبة ؟ ، هل فكرت بصفتك مصدر التفكير والعقلانية لماذا أنا أحببتها ؟ ولماذا أنا مشغول بها ومستعد للتضحية من أجلها ..
العقل : لا ترفع صوتك عليّ ، فانا المسؤول عنك ، ورأيي هو الصواب ، فأنت تحكمك العاطفة ، وأنا لا أرضخ للعواطف .
القلب : عذراً سيدي ، ومع كامل احترامي وتقديري لك أقول أن رأيك لا يكون دائماً هو الصواب ، فاسأل دوائر العيون ، وهي الآن تسمعنا ، سلها كم مرّة أبصرت من أحبها وق انشغلت بالنظر والإعجاب ، وسلها أيضاً هل بكت يوماً لغيرها . وكم مرة أحسسنا جميعاً بانها الوحيدة التي تستطيع أن تغير مجرى حياتنا ، وكم هي في وضع وحالة جمالية وأخلاقية رائعة .
ألم تسهر يا جلالة العقل وأنت تفكر بها وتؤلف بها القصائد والخواطر ، ألم تطلب مني ذات يوم أن ازداد تعلقاً عندما رأيت أن حاشيتك ومستشاريك قد شُغفوا بهذه الحورية الرائعة ، ثم تطلب مني بعد ذلك أن ألغيها من قاموسي ، ألم تجد فيها إحساس غريب ونظرات غريبة مليئة باللغز الأقرب إلى الحب منذ أكثر من ثلاثة أعوام ، وبكل سهولة تطلب وتأمرني أن أبتعد عنها .
العقل : كلامك صحيح ، لكنها كانت هواجس ليل عابرة ، فبعد ان عقَدَ مجلس أمن مملكتنا وجدنا أن الإستمرار في انشغالنا نحن أيضاً ، وبالتالي نسير جميعاً في قصة مجهولة ، قد تكون مثل الحَما الكاذب بنهاية أشبه بالصدمة . فلم أكن لأرغب أن تبتعدوا عنها إلا لحسابات منطقية أملتهَا عليّ خبرة السنين والوضع الحالي ، لكن في حالة تحسن الواقع سأفتح لها أبوابنا جميعها ، وسترى أنك ستعيش في عالم أشبه بالجنة ، ومع ذلك كله عذراً فإني ما زلت مصمماً على رأيي ولن أتراجع عنه .
القلب : هذا التصميم على رأيك لن يثنيني عن حبها ، فهي مثل القيثارة والموسيقى ، وهي الأمل وهي المعنى لحياتي ، ارتحت لها منذ اول نظرة ، وشعرتُ بنشوة لم اشعر بها طيلة عمري ، وكانها باب من أبواب الجنة ، فأنا قد أدخلتها حجراتي ، فهي من اسرار وجودي ، في كل قطرة دم انبضها لها فيها ألف حالة شوق ، وفي كل شريان ووريد ألف إحساس لها بالحب ، فان القلب الذي لا يقسو ، وأنا المفتون في عينيها وان المعذب في سحر وجهها ، فكلماتها مثل النسيم الذي يُشعرني بالأمل الذي افتقدته طويلاً .
العقل : لا اعرف ماذا أقول لك ، لقد غلبتني هذه المرّة .
القلب : اعترف بأني على حق .
الغقل : نعم أنت على حق .
وانتهى الحوار في حالة اشبه بانتصار القلب على العقل ، فيما صفّق الجميع طويلاً للقلب ، وعاد الجميع إلى أماكن عملهم وهم مستغربين من هذا الحوار ..