عرض مشاركة واحدة
  #59  
قديم 16-08-2010, 05:05 AM
عمروعبده عمروعبده غير متواجد حالياً
مدرس لغة عربية
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 4,766
معدل تقييم المستوى: 22
عمروعبده is on a distinguished road
افتراضي

معوقات مفتعلة


يروق النموذج الجاد في التربية لكثير من الناس، ويرى أنه مثلٌ ينبغي أن يتطلع إليه، لكنه يبقى عند بعضهم صورةً مثاليةً لا يمكن أن تنزل إلى أرض الواقع، ومرحلة يتمنى الوصول إليها فيأسره الواقع الذي يعيشه، ويقارن بين النموذج المطروح والصنف الذي يتعامل معه، فيشعر أن هناك مسافة شاسعة لا يستطيع قطعها أو اختزالها.
وحينئذٍ يبدي عوائق ويحتج بمفاهيم مغلوطة يشغب بها على من يطالبه بهذا المستوى من التربية، وهو في ذلك قد ينطلق من مقدمات صحيحة في الجملة، لكنها وضعت في غير موضعها، ومن هذه المعوقات المفتعلة:
1- ساعة وساعة:
لقد قال صلى الله عليه وسلّم لحنظلة -رضي الله عنه-: "يا حنظلة ساعة وساعة". [رواه مسلم 2750]. فيتخذ بعض الناس هذا النص سلاحاً يشهره في وجه من يطالبه بالجدية.
إنه ليس هناك ما يمنع من وجود برامج الترويح، ومن التخفيف عن النفس والإمتاع لها، بل إن هذا يهيئ النفس لتستعيد جديتها مرة أخرى، وقد كان السلف لهم نصيب من ذلك.
وروى المصنفون في أدب الطلب طائفة من أخبارهم في ذلك، ومنهم الخطيب البغدادي في كتابه [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع]. فروى بإسناده عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: "روحوا القلوب وابتغوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان".
وروى عن الزهري أنه كان يقول لأصحابه: "هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثكم؛ فإن الأذن مجَّة، والقلب حَمِض".
وروى عن كثير بن أفلح أنه قال: "آخر مجلس جالَسْنا فيه زيد بن ثابت تناشدنا فيه الشعر". [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 129- 130].
لكن هذا شيء، وإعطاء الزخم للبرامج الترويحية شيء آخر، وحين نحتج بما فعله السلف فلا يسوغ أن ننظر بعين واحدة، فنهمل ما نشاء ونحتج بما نشاء، فليس من الجدية في التربية أن يصبح الشاب يتطلع إلى برامج الترويح، وتظل هي مقياسه وتطلعاته، وليس من التربية الجادة أن يفوق وقت برامج الترويح الوقت المخصص للدروس العلمية لئلا ينفر الشباب ! زعموا.ويدركك الأسى حين تنظر إلى الاهتمام البالغ ببرامج الترويح من خلال بعض الأنشطة الإسلامية، مما يخرج جيلاً يهتم بالتوافه ويعد الترويح من أهم متطلباته.
لقد حددت الشريعة ضوابط هامة تمنع أن يجنح الترويح عن هدفه فيتحول إلى غاية، ومن ذلك نهي الرسول صلى الله عليه وسلّم عن تتبع الصيد، والصيد في الأصل مباح، إلا أن إهدار الأوقات والأعمار الثمينة في البحث عنه ومطاردته من مكان لمكان هو المنهي عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن". [رواه أحمد 2/ 440 وأبو داود 2859، والنسائي 4309، والترمذي 2256].
ومن ذلك أيضاً الشعر كنشاط من أنشطة الترويح والتسرية والترفيه، فهو مباحٌ في عمومه، ولكن حين يصبح هو الهم الأكبر للإنسان، ويصرف كل وقته له فهذا هو الممنوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لأن يمتلئ جوف رجلٍ قيحاً حتى يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً". [رواه البخاري 6155، ومسلم 2257]". أ.هـ. [الترويح التربوي، رؤية إسلامية، ص 66].
2- حدث الناس كل جمعة ولا تُمِلّهم:
لقد كان صلى الله عليه وسلّم يتخول الناس بالموعظة في الأيام كراهة السآمة عليهم. [رواه البخاري 68، ومسلم 2821].
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- لعكرمة: "حدّث الناس كل جمعة ولا تُمِلّهم". [رواه البخاري 6337].
وهذا صحيح ولاشك، لكن أليس هناك فرقٌ بين عامة الناس الذين يُذكَّرون ويوعظون باقتصاد، وتُنزل هذه النصوص عليهم، وبين الشباب الذين يعدون ليتسنموا ذروة القيادة، ودفة التوجيه؟! فهؤلاء يتطلبون قدراً عالياً من العلم ومن التربية التي تؤهلهم للتأهل لهذه المواقع، وإلا فماذا نصنع بحال السلف وأعاجيبهم في طلبهم للعلم وحفظهم للأوقات، وقد مضى نماذج من ذلك.
وثمة جانب آخر في الموضوع ألا وهو الفرق بين التعليم والإعداد وبين الوعظ الذي يتخول فيه الناس، بل حين يكثر ربما فقد أثره ودوره.
3- لكن الناس لا يتحملون:
يطرح بعض المربين إشكالاً من نوع آخر له وجاهته، وهو جدير بأن نقف عنده قليلاً وصورة هذا التساؤل: إن النموذج الجاد مطلبٌ سليم وأمنية غالية، لكن الشباب لا يتحملون البرامج الجادة، وقد تكون سبباً في خسارة كثير من الشباب ونفورهم، ويكاد يكون هذا الإشكال العائق الأهم لدى القطاع الأكبر من المربين.
وإننا نقدر هذا الحرص من إخواننا، وندرك تمام الإدراك أن أولئك يدفعهم لهذا التوجه النية الصادقة، والخوف على الشباب من أن يكونوا ضحيةً لهذه المثاليات، وأنهم يعانون الصراع بين الحرص والشفقة التي تتقد في نفوسهم، وبين الرغبة الطموحة في رقي هذا النشء مراتب أعلى في التربية، ورجحت الكفة لديهم للاعتبار الأول.
لكنهم أيضاً يوافقوننا أن الحرص وحده غير كافٍ في قياس الأعمال والجهود التربوية.
إننا نوافق أن هناك قطاعاً من الشباب قد لا يتحمل بعض البرامج الجادة، وقد تكون عائقاً له عن طريق الاستقامة أصلاً، لكن هذا شيء، وكون الشاب يصبح ضحية هذا الوجل والتخوف شيء آخر.
إننا لا نجد مبرراً أن يعد عمر الشاب التربوي بالسنوات، وتحجب عنه مع ذلك البرامج الجادة لئلا تكون عائقاً له، ثم ما عسى هذا الجيل الذي يعيش محروساً بهذا القلق والوجل، ويبقى على التأليف والترغيب سنين عدداً، ما عسى من يتخرج في مثل هذه الأجواء أن يصنع أو يواجه المشكلات التي أمامه، فضلاً عن أن تعتمد عليه الدعوة في مراحلها الحرجة؟!.
إننا نرى الشاب حين يسلك بإذن الله طريق الهداية تتحول حياته رأساً على عقب، وينتقل نقلةً هائلةً في جوانب شتى من حياته، فنتساءل حينئذ أيهما أطول مسافة: تلك التي قطعها حين استقام، فتقبل كثيراً من الأعراف، وتخلى عن كثيرٍ من الرغبات، أو النقلة التي نريده أن يصل إليها؟!.
إن تلك النقلة الهائلة التي ينتقلها الشاب حين استقامته، تعطينا دلالة على أن الشاب قادر أن ينتقل نقلة أخرى إلى مستويات عالية من الجدية، لقد كان غاية همه في السابق الرياضة واللهو، وكان لا يفارق الأزقة وأماكن اللعب، فاستبدل الخير بالذي هو أدنى، وصارت طموحاته وأمنياته أعلى وأسمى، أفلا يستطيع وقد انتقل هذه النقلة أن ينتقل نقلة أخرى؟!
وها هو مصعب بن عمير -رضي الله عنه- كان أعطر فتيان مكة وأنعمهم وأشدهم ثراءً، ومع ذلك مات وليس له إلا بردة إن غطي بها رأسه بدت قدماه، وإن غطيت قدماه بدا رأسه، وعاش هذه الحال راضياً مطمئناً، لقد نقلته التربية النبوية إلى مراتب من الجدية والحزم مع النفس تجاوز معها ما اعتاده في جاهليته من ثراء وترف.
لقد كانت تُتَصور هذه الحالة من غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ممن كان يعيش حالة متواضعة، لكن أن يكون مصعبُ -رضي الله عنه- كذلك فهذا خير دليل على أن التربية الجادة قادرة على أن تنقل الرجال مراحل أقوى مما قد نظن.
4- ضريبة التربية الجماعية:
قد يجتاز بعض المربين العقبة السابقة، ويوافق أن الشاب قادر على أن يرتقي إلى مراتب تربوية أعلى، لكنه جزء من منظومة، والتربية الجماعية ضرورة ملحة، ومن ثم فلابد لها من ضحايا، فنحن إما أن نرتقي بهذا الشاب وهذا يعني أن نضحي بمن هو دونه ممن لا يطيق التفاعل مع هذه البرامج، أو أن نقبل بوجود من هو دونه ولو أدى ذلك إلى النزول بالمستوى التربوي له فهو الآن لا يمثل نفسه، وليس هو المقياس الوحيد لمدى ملاءمة البرامج التربوية.
وهي صورة تتكرر كثيراً، فتحجب مراتب تربوية عمن يستحقها لأنه ضحية ارتباطه في صف دراسي، أو برنامج تربوي بمن لا يتحمل، ويصبح الضعيف حينئذٍ أميرَ الركب والناس من ورائه تبعاً له.
ومع تقديرنا للرفق بالضعيف، وتجنب القفزات المحطمة معه، نتساءل:
ما ذنب غيره ممن سار مراحل، ويحمل مواهب وقدرات؟!.
ألا نملك عقولاً ناضجة، وتفكيراً مستقلاً يدعونا إلى حل هذه المشكلات؟!.
ولست أدري: لماذا تظل الأوضاع التربوية القائمة والوسائل الموروثة سوراً لا يجوز تسلقه ولا ينبغي تخطّيه؟!.
اعتدنا في مجتمعاتنا الإسلامية أن يسير ثلاثون طالباً في فصل واحد وفيهم النابغ واللبيب الذي تفهمه الإشارة، ومن دون ذلك، والضعيف، ومع ذلك يبذل لهم جهد واحد، ومدرس واحد، ومنهج واحد لسنوات عدة.
وقل مثل ذلك في سائر البرامج التربوية، ولئن كان الوضع الدراسي يحول دون تحويره عقبات كثيرة، ويحتاج لتغيير في البنية التعليمية، وقد يصطدم بآراء، ووجهات نظر، لئن كان هو كذلك فالبرامج التربوية الأخرى دونه بكثير.
وجيل الصحوة مدعو للمراجعة الجادة لوسائله وأن لا تكون هذه الوسائل حاجزاً وعائقاً دون تحقيق أهداف طموحة يسعى إليها، وأن تنطلق الوسائل، وتحكم بالاقتناعات والمناهج التربوية، لا أن يكون العكس فتصبح المناهج خاضعة لها.
ونستطيع أن نحافظ على البنية الجماعية في البرامج التربوية، مع الارتقاء بها إلى قدر أعلى، ثم مع ذلك نبذل جهداً آخر لفئة تحمل الطموح والتطلع.
ولن يكون الغرب الذي يخصص مدارس ومناهج وبرامج خاصة للموهوبين والنابغين، لن يكون أحرص منا على نشئنا وجيلنا.
رد مع اقتباس