مهبط الوحي
بسم الله الرحمن الرحيم
مهبط الوحي ومصدر التأسي ..
كلمات قليلة المباني ، كثيرة المعاني ، تنبئ عن أمور عظيمة . فبما أنها مهبط الوحي إذاً فتعظيمها من تعظيمه ، ومصدر التأسي .. منها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا ، فتعظيمها من تعظيمه . وهي كذلك مصدر تأسي القرى ، ولا عجب فهي أم القرى .
وإضافة الوحي إلى مكة إضافة تشريف لها ، كما شُرِّفت بإضافتها إلى الله ،، ففيها بيته وهي مهبط وحيه .
وعلى هذا فلابد من تدبر هذا الوحي الذي يشرف حامله به " أهل القرآن هم أهل الله وخاصته " لماذا ؟ لأنهم حاملوا وحيه .
ويزداد هذا الشرف بقدر تدبر حامله له ، وعمله به ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهنّ )[1] . وقال الحسن البصري : ( نزل القرآن ليُتَدبَّر ويُعمل به ، فاتخذوا تلاوته عملا ) وذلك لاشك فيه ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ولِيتذكر أولواْ الألباب ) .
ومن لا يتدبر أو يتذكر فليس من أولي الألباب ، بل هو من هاجري القرآن ، قال ابن كثير في قوله تعالى : ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) قال : وترك تدبره وتفهمه من هجرانه . يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ( إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع )[2] ، ويقول النووي رحمه الله ( ينبغي للقارئ أن يكون شأنه التدبر والخشوع والخضوع فهذا هو المقصود ، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب )[3] ، ويقول ابن تيمية رحمه الله : ( حاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن ) ، ( فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم ، وأنفع للقلب ، وأدعى لحصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن )[4]
فليست كثرة القراءة ، ولا كثرة الحفظ هما المعيار والمقياس ! بل التدبر ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم الليل كله بقوله تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . وقد كان ذلك التدبر دأب أصحابه الأخيار فكان أحدهم إذا افتتح سورة لا يحب أن يختمها من حلاوة التدبر ولو طُعن بسهم وثانٍ وثالث ، . فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أفضل الصحابة على الإطلاق مع وجود من هم أحفظ وأكثر تلاوة منه ولكن لسبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره له وعمله به . فكان إذا قرأ لا تسمع قراءته من بكائه رضي الله عنه . وهذا عمر رضي الله عنه يحفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة . وما ذلك إلا ليتدبر القرآن .
وعن عكرمة رحمه الله قال : جئت ابن عباس رضي الله عنهما وهو يبكي وإذا المصحف بين يديه في حجره فأعظمت أن أدنو منه ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك ؟ فقال : هؤلاء الورقات ثم قرأ ابن عباس ( فلما نسوا ما ذُكِّروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذابٍ بئيسٍ بما كانوا يفسقون )[5] .
فحاجتنا جد ماسة إلى مثل هذا الجيل الفريد ، نريد جيلاً قرآنياً يعيد لنا هذه المُثُل الفريدة ، نحن والحمد لله لا نعدم الحفظة ولكن أين حفظة القرآن من أدب القرآن ؟؟ .
لذا نهيب بأساتذتنا معلمي القرآن أن يعطوا تدبر القرآن وفهمه والتأثر به وأخلاق حملته أولوية قصوى ولو أدى ذلك إلى تأخر الطالب في الحفظ فترة من الزمن . والفرق واضح بين من يتربى على القرآن وبين غيره .
ولنبدأ بأنفسنا فما المانع أن يتأثر المدرس بآية يقرؤها طالب خلال التسميع أو المراجعة ولها من الأثر ما لا يخفى . وما المانع[6] من تخصيص وقت لتعريف الطلاب بمعاني القرآن وعظمته ، أو التعليق على آية حال قراءة الطالب ، أو درس شهري في ذلك ، أو عمل مسابقات لتفسير بعض الآيات أو الأجزاء بين الطلاب ، أو استغلال المناسبات والنوازل والمواقف المؤثرة وربطها بما في القرآن ، أو عن طريق الحوار بين المعلم وطلابه ، أو بعد أن يختم الطالب القرآن ومن خلال المراجعة يُلزم بمدارسة التفسير ، ،، فما المانع من هذا كله وأمثاله ؟!.
كمال بن سيد اليماني
|