المحلل و المحلل له
الكبيرة الخامسة و الثلاثون : المحلل و المحلل له
صح من حديث " ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن المحلل المحلل له " . قال الترمذي : و العمل على ذلك عند أهل العلم منهم عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان ، و عبد الله بن عمر ، و هو قول الفقهاء من التابعين و رواه الإمام أحمد في مسنده و النسائي في سننه أيضاً باسناد صحيح . و " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المحلل فقال : لا ، إلا نكاح رغبة ، لا نكاح دلسة و لا استهزاء بكتاب الله عز و جل حتى يذوق العسيلة " . و رواه أبو اسحاق الجوزاني . و " عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : هو المحلل ، لعن الله المحلل و المحلل له " . رواه ابن ماجه بإسناد صحيح . و عن ابن عمر أن رجلاً سأله فقال : ما تقول في امرأة تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني و لم يعلم ؟ فقال له ابن عمر : لا ، إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها و إن كرهتها فارقتها ، و إنا كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم . و أما الآثار عن الصحابة و التابعين فقد روى الأثرم و ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لا أوتي بمحلل و لا محلل إلا رجمتها . و سئل عمر بن الخطاب عن تحليل المرأة لزوجها فقال : ـ ذلك السفاح ـ و عن عبد الله بن شريك العامري قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما و قد سئل عن رجل طلق ابنة عم له ، ثم ندم و رغب فيها ، فأراد رجل أن يتزوجها ليحلها له . فقال ابن عمر : كلاهما زان و إن مكثا عشين سنة أو نحو ذلك إذا كان يعلم أنه يريد أن يحللها . و عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل رجل فقال : ابن عمي طلق امرأته ثلاثاً ثم ندم فقال : ابن عمك عصى ربه فأندمه ، و أطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا .فقال : كيف ترى في رجل يحلها له ؟ فقال : من يخادع الله يخدعه . و قال إبراهيم النخعي : إذا كان نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الزوج الآخر أو المرأة التحليل فنكاح الآخر باطل و لا تحل للأول و قال الحسن البصري : إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد و قال سعيد بن المسيب إمام التابعين في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول ، فقال لا تحل . و ممن قال بذلك مالك بن أنس ، و الليث بن سعد ، و سفيان الثوري و الإمام أحمد . و قال اسماعيل بن سعيد : سألت الإمام أحمد عن الرجل يتزوج المرأة و في نفسه أن يحللها لزوجها الأول و لم تعلم المرأة بذلك ؟ فقال : هو محلل و إن أراد بذلك الإحلال فهو ملعون ، و مذهب الشافعي رحمه الله : إذا شرط التحليل في العقد بطل العقد ، لأنه عقد بشرط قطعه دون غايته فبطل كنكاح المتعة ، و إن وجد الشرط قبل العقد فالأصح الصحة ، و إن عقد كذلك و لم يشرط في العقد و لا قبله لم يفسد العقد ، و إن تزوجها على أنه إذا أحلها طلقها ففيه قولان أصحهما أن يبطل . و وجه البطلان أنه شرط يمنع صحته دوام النكاح فأشبه التأقيت و هذا هو الأصح في الرافعي . و وجه الثاني أنه شرط فاسد قارن العقد فلا يبطل كما لو تزوجها بشرط أن لا يتزوج عليها و لا يسافر بها و الله أعلم . فنسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه ، و يجنبنا معاصيه ، إنه جواد كريم غفور رحيم .
موعظة : لله در قوم تركوا الدنيا قبل تركها ، و أخرجوا قلوبهم بالنفر عن ظلام شكلها ، التقطوا أيام السلامة فغنموا ، و تلذذوا بكلام مولاهم فاستسلموا لأمره و سلموا ، و أخذوا مواهبه بالشكر و تسلموا ، هجروا في طاعته لذيذ الكرى و هربوا إليه من جميع الورى ، و آثروا طاعته ايثار من علم و دري . و رضوا فلم يعترضوا على ما جرى ، و باعوا أنفسهم فيا نعم البيع و يا نعم الشراء أسلموا إليه سلموا الروح ، و خدموه و الصدر لخدمته مشروح ، و قرعوا بابه و إذا الباب مفتوح ، و واصلوا البكا فالجفن بالدمع مقروح ، و قاموا في الأسحار قيام من يبكي و ينوح ، و صبروا على مقطعات الصوف و لبس المسوح ، و راضوا أنفسهم فإذا المذموم ممدوح . تعرفهم بسيماهم عليهم آثار الصدق تلوح ، قد عبقوا بنشر أنسه رائحة ارتياحهم تفوح ، من طيب الثنا روائح لهم بكل مكان تستنشق ، ممسكة النفحات إلا أنها وحشية لسواهم لا تعبق .