الموضوع: الكبائر
عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 18-07-2010, 11:31 AM
عمروعبده عمروعبده غير متواجد حالياً
مدرس لغة عربية
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 4,766
معدل تقييم المستوى: 22
عمروعبده is on a distinguished road
افتراضي

عقوق الوالدين
الكبيرة الثامنة : عقوق الوالدين
قال الله تعالى : " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " أي براً و شفقة و عطفاً عليهما . " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما " : أي لا تقل لهما بتبرم إذا كبرا و أسنا و ينبغي أن تتولى خدمتهما ما توليا من خدمتك على أن الفضل للمتقدم و كيف يقع التساوي ، و قد كانا يحملان أذاك راجين حياتك و أنت إن حملت أذاهما رجوت موتهما . ثم قال الله تعالى : " و قل لهما قولاً كريما " أي ليناً لطيفاً . " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " . و قال الله تعالى : " أن اشكر لي و لوالديك إلي المصير " . فانظر رحمك الله كيف قرن شكرهما بشكره . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث ، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها ( إحداهما ) قول الله تعالى : " أطيعوا الله و أطيعوا الرسول " . فمن أطاع الله و لم يطع الرسول لم يقبل منه . ( الثانية ) قول الله تعالى : " و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة " . فمن صلى و لم يزك لم يقبل منه . ( الثالثة ) قول الله تعالى : " أن اشكر لي و لوالديك " فمن شكر الله و لم يشكر لوالديه لم يقبل منه . و لذا قال النبي صلى الله عليه و سلم " رضى الله في رضى الوالدين و سخط الله في سخط الوالدين " .
و " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه و سلم في الجهاد معه ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أحي والداك ؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد " . مخرج في الصحيحين ، فانظر كيف فضل بر الوالدين و خدمتهما على الجهاد ! .
و في الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر : الإشراك بالله و عقوق الوالدين " . فانظر كيف قرن الإساءة إليهما و عدم البر و الإحسان بالإشراك و في الصحيحين أيضاً " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا يدخل الجنة عاق و لا منان و لا مدمن خمر " . و عنه صلى الله عليه و سلم قال : " لو علم الله شيئاً أدنى من الأف لنهى عنه ، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة . و ليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار " . و قال صلى الله عليه و سلم : " لعن الله العاق لوالديه " . و قال صلى الله عليه و سلم : " لعن الله من سب أباه ، لعن الله من سب أمه " . و قال صلى الله عليه و سلم : " كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه ، يعني العقوبة في الدنيا قبل يوم القيامة " .
و قال كعب الأحبار رحمه الله : إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقاً لوالديه ليعجل له العذاب ، و أن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان باراً بوالديه ليزيده براً و خيراً . و من برهما أن ينفق عليهما إذا احتاجا . فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله إن أبي يريد أن يحتاج مالي . فقال صلى الله عليه و سلم : " أنت و مالك لأبيك " و سئل كعب الأحبار عن عقوق الوالدين ما هو ؟ قال هو إذا أقسم عليه أبوه أو أمه لم يبر قسمها ، و إذا أمره بأمر لم يطع أمرهما ، و إذا سألاه شيئاً لم يعطهما ، و إذا ائتمناه خانهما .
و سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أصحاب الأعراف من هم و ما الأعراف ؟ فقال : أما الأعراف فهو جبل بين الجنة و النار ، و إنما سمي الأعراف لأنه مشرف على الجنة و النار و عليه أشجار و ثمار و أنهار و عيون ، و أما الرجال الذين يكونون عليه فهم رجال خرجوا إلى الجهاد بغير رضا آبائهم و أمهاتهم فقتلوا في الجهاد ، فمنعهم القتل في سبيل الله من دخول النار ، و منعهم عقوق الوالدين عن دخول الجنة ، فهم على الأعراف حتى يقضي الله فيهم أمره
و في الصحيحين " أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله من أحق الناس مني بحسن الصحبة ؟ قال أمك . قال ثم من ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أبوك ، ثم الأقرب فالأقرب " . فحض على بر الأم ثلاث مرات ، و على بر الأب مرة واحدة . و ما ذاك إلا لأن عناءها أكثر و شفقتها أعظم ، مع ما تقاسيه من حمل و طلق و ولادة و رضاعة و سهر ليل .
رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً قد حمل أمه على رقبته و هو يطوف بها حول الكعبة . فقال : يابن عمر أتراني جازيتها ؟ قال : و لا بطلقة واحدة من طلقاتها و لكن قد أحسنت ، و الله يثيبك على القليل كثيراً .
و " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أربعة نفر حق على الله أن لا يدخلهم الجنة و لا يذيقهم نعيمها : مدمن خمر ، و آكل ربا ، و آكل مال اليتيم ظلماً ، و العاق لوالديه إلا أن يتوبوا ". و قال صلى الله عليه و سلم : " الجنة تحت أقدام الأمهات " ، و جاء رجل إلى أبي الدرداء رضي الله عنه فقال : يا أبا الدرداء إني تزوجت امرأة و إن أمي تأمرني بطلاقها . فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه " . و قال صلى الله عليه و سلم : " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : دعوة المظلوم ، و دعوة المسافر ، و دعوة الوالد على ولده " . و قال صلى الله عليه و سلم : " الخالة بمنزلة الأم أي في البر و الإكرام و الصلة و الإحسان " . و عن وهب بن منبه قال : إن الله تعالى أوحى إلى موسى صلوات الله و سلامه عليه يا موسى وقر والديك ، فإن من وقر والديه مددت في عمره و وهبت له ولداً يوقره ، و من عق والديه قصرت في عمره و وهبت له ولداً يعقه .
و قال أبو بكر بن أبي مريم : قرأت في التوراة أن من يضرب أباه يقتل . و قال وهب : قرأت في التوراة : على من صك والده الرجم .
و عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله أرأيت إذا صليت الصلوات الخمس ، و صمت رمضان ، و أديت الزكاة ، و حججت البيت ، فماذا لي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من فعل ذلك كان مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين إلا أن يعق والديه " . و قال صلى الله عليه و سلم : " لعن الله العاق والديه " و جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " رأيت ليلة أسري بي أقواماً في النار معلقين في جذوع من نار فقلت : يا جبريل من هؤلاء . قال : الذين يشتمون آباءهم و أمهاتهم في الدنيا " .
و روي أن من شتم والديه ينزل عليه في قبره جمر من نار بعدد كل قطر ينزل من السماء إلى الأرض . و يروى أنه إذا دفن عاق والديه عصره القبر حتى تختلف فيه أضلاعه و أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة : المشرك و الزاني و العاق لوالديه .
و قال بشر : ما من رجل يقرب من أمه حيث حيث يسمع كلامها إلا كان أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله و النظر إليها أفضل من كل شيء ، " و جاء رجل و امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يختصمان في صبي لهما فقال الرجل : يا رسول الله ولدي خرج من صلبي ، و قالت المرأة : يا رسول الله حمله خفاً و وضعه شهوة و حملته كرهاً و وضعته كرهاً و أرضعته حولين كاملين ، فقضى به رسول الله صلى الله عليه و سلم لأمه " .
( موعظة ) : أيها المضيع لآكد الحقوق ، المعتاض من بر الوالدين العقوق ، الناسي لما يجب عليه ، الغافل عما بين يديه ، بر الوالدين عليك دين ، و أنت تتعاطاه باتباع الشين ، تطلب الجنة بزعمك ، و هي تحت أقدام أمك . حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حجج . و كابدت عند الوضع ما يذيب المهج ، و أرضعتك من ثديها لبناً ، و أطارت لأجلك وسناً ، و غسلت بيمينها عنك الأذى ، و آثرتك على نفسها بالغذاء ، و صيرت حجرها لك مهداً ، و أنالتك إحساناً و رفداً ، فإن أصابك مرض أو شكاية ، أظهرت من الأسف فوق النهاية ، و أطالت الحزن و النحيب ، و بذلت مالها للطبيب ، و لو خيرت بين حياتك و موتها ، لطلبت حياتك بأعلى صوتها ، هذا و كم عاملتها بسوء الخلق مراراً ، فدعت لك بالتوفيق سراً و جهاراً . فلما احتاجت عند الكبر إليك ، جعلتها من أهون الأشياء عليك ، فشبعت و هي جائعة و رويت و هي قانعة . و قدمت عليها أهلك و أولادك بالإحسان ، و قابلت أياديها بالنسيان و صعب لديك أمرها و هو يسير ، و طال عليك عمرها و هو قصير ، هجرتها و مالها سواك نصير ، هذا و مولاك قد نهاك عن التأفف ، و عاتبك في حقها بعتاب لطيف ستعاقب في دنياك بعقوق البنين ، و في أخراك بالبعد من رب العالمين ، يناديك بلسان التوبيخ و التهديد ( ذلك بما قدمت يداك و أن الله ليس بظلام للعبيد ) :
لأمك حق لو علمت كثير كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي لها من جواها أنة و زفير
و في الوضع لو تدري عليها مشقة فمن غصص منها الفؤاد يطير
و كم غسلت عنك الأذى بيمينها و ما حجرها إلا لديك سرير
و تفديك بما تشتكيه بنفسها و من ثديها شرب لديك نمير
و كم مرة جاعت و أعطتك قوتها حناناً و إشفاقاً و أنت صغير
فآها لذي عقل و يتبع الهوى و آها لأعمى القلب و هو بصير
فدونك فارغب في عميم دعائها فأنت لما تدعو إليه فقير
" حكي أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه و سلم شاب يسمى علقمة و كان كثير الإجتهاد في طاعة الله في الصلاة و الصوم و الصدقة ، فمرض و اشتد مرضه فأرسلت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن زوجي علقمة في النزع ، فأردت أن أعلمك يا رسول الله بحاله . فأرسل النبي صلى الله عليه و سلم عماراً و صهيباً و بلالاً و قال : امضوا إليه و لقنوه الشهادة فمضوا إليه و دخلوا عليه فوجدوه في النزع ، فجعلوا يلقنونه ( لا إله إلا الله ) ، و لسانه لا ينطق بها فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبرونه أنه لا ينطق لسانه بالشهادة . فقال النبي صلى الله عليه و سلم : هل من أبويه أحد حي ؟ قيل : يا رسول الله أم كبيرة السن ، فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال للرسول : قل لها إن قدرت على المسير إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و إلا فقري في المنزل حتى يأتيك . قال : فجاء إليها الرسول فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : نفسي لنفسه فداء ، أنا أحق بإتيانه . فتوكـأت و قامت على عصا ، و أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلمت فرد عليها السلام و قال لها : يا أم علقمة أصدقيني و إن كذبت جاء الوحي من الله تعالى ، كيف كان حال ولدك علقمة ؟ قالت : يا رسول الله كثير الصلاة ، كثير الصيام كثير الصدقة . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فما حالك ؟ قالت : يا رسول الله أنا عليه ساخطة . قال : و لم ؟ قالت : يا رسول الله كان يؤثر علي زوجته و يعصيني . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة . ثم قال : يا بلال انطلق و اجمع لي حطباً كثيراً . قالت يا رسول الله و ما تصنع ؟ قال : أحرقه بالنار بين يديك . قالت : يا رسول الله ولدي لا يحتمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي . قال : يا أم علقمة عذاب الله أشد و أبقى ، فإن سرك أن يغفر الله له فارضي عنه فوالذي نفسي بيده لا ينتفع علقمة بصلاته و لا بصيامه و لا بصدقته ما دمت عليه ساخطة . فقالت : يا رسول الله إني أشهد الله تعالى و ملائكته و من حضرني من المسلمين أني قد رضيت عن ولدي علقمة . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : انطلق يا بلال إليه وانظر هل يستطيع أن يقول لا إله إلا الله أم لا ؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياء مني . فانطلق فسمع علقمة من داخل الدار يقول : لا إله إلا الله ، فدخل بلال فقال : يا هؤلاء إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة ، و أن رضاها أطلق لسانه . ثم مات علقمة من يومه ، فحضره رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمر بغسله و كفنه ثم صلى عليه و حضر دفنه ، ثم قام على شفير قبره و قال : يا معشر المهاجرين و الأنصار من فضل زوجته على أمه فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً و لا عدلا إلا أن يتوب أن يتوب إلى الله عز و جل و يحسن إليها و يطلب رضاها ، فرضى الله في رضاها و سخط الله في سخطها . فنسأل الله أن يوفقنا لرضاه ، و أن يجنبنا سخطه ، إنه جواد كريم رؤوف رحيم " .
رد مع اقتباس