الموضوع: الكبائر
عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 18-07-2010, 11:26 AM
عمروعبده عمروعبده غير متواجد حالياً
مدرس لغة عربية
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 4,766
معدل تقييم المستوى: 22
عمروعبده is on a distinguished road
افتراضي

الجدل و المراء و اللدد
الكبيرة الستون : الجدل و المراء و اللدد
قال الله تعالى : " و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله على ما في قلبه و هو ألد الخصام * و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد " .
و مما يذم من الألفاظ : المراء ، و الجدال ، و الخصومة .
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله : المراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله و إظهار مزيتك عليه . و قال : و أما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب و تقريرها . قال : و أما الخصومة فلجاج في الكلام ليستوفي به مقصوداً من مال غيره و تارة يكون ابتداءً و تارة يكون اعتراضاً و المراء لا يكون إلا اعتراضاً . هذا كلام الغزالي .
و قال النووي رحمه الله : اعلم أن الجدال قد يكون بحق و قد يكون بباطل ، قال الله تعالى : " و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " ، و قال الله تعالى : " و جادلهم بالتي هي أحسن " ، و قال الله تعالى : " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " ، قال : فإن كان الجدال للوقوف على الحق و تقريره كان محموداً ، و إن كان في مدافعة الحق أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً ، و على هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته و ذمه . و المجادلة و الجدال بمعنى واحد . قال بعضهم : ما رأيت شيئاً أذهب للدين و لا أنقص للمروءة و لا أشغل للقلب من الخصومة .
( فإن قلت ) لا بد للإنسان من الخصومة لاستيفاء حقوقه ، ( فالجواب ) ما أجاب به الغزالي رحمه الله : اعلم أن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل و بغير علم كوكيل القاضي فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب هو فيخاصم بغير علم .
و يدخل في الذم أيضاً من يطلب حقه لأنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد و الكذب و الإيذاء و التسليط على خصمه ، كذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي و ليس له إليها حاجة في تحصيل حقه ، كذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم و كسره فهذا هو المذموم .
و أما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد و إسراف و زيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد و لا إيذاء ، ففعل هذا ليس حراماً و لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا ، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الإعتدال متعذر ، و الخصومة توغر الصدور و تهيج الغضب ، و إذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر و يحزن لمسرته و يطلق لسانه في عرضه . فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات ، و أقل ما فيها اشتغال القلب حتى أنه يكون في صلاته ، و خاطره متعلق بالمحاججة و الخصومة فلا تبقى حاله على الإستقامة ، و الخصومة مبدأ الشر و كذا الجدال و المراء فينبغي للإنسان ألا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها .
روينا في كتاب للترمذي " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كفى بك إثماً أن لا تزال مخاصماً " .
و جاء عن علي رضي الله عنه قال : إن الخصومة لها قحم . قلت القحم بضم القاف و فتح الحاء المهملة و هي : المهالك
( فصل ) " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط حتى ينزع " .
و " عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدال ثم تلا " ما ضربوه لك إلا جدلاً " الآية " .
و قال صلى الله عليه و سلم : " أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم و جدال منافق في القرآن و دنيا تقطع أعناقكم " . رواه ابن عمر .
و قال النبي صلى الله عليه و سلم : " المراء في القرآن كفر " .
( فصل ) : يكره التغيير في الكلام بالتشدق ، و تكلف السجع بالفصاحة بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون ، فكل ذلك من التكلف المذموم ، بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظاً يفهمه جلياً و لا يثقله .
روينا في كتاب الترمذي " عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة " . قال الترمذي : حديث حسن و روينا فيه أيضاً " عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون . قالوا : يا رسول الله قد علمنا الثرثارون و المتشدقون ، فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون " . قال الترمذي حديث حسن . قال : و الثرثار هو كثير الكلام ، و المتشدق من يتطاول على الناس في الكلام و يبذو عليهم .
و اعلم أنه لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب و المواعظ إذا لم يكن فيها إفراط و أغراب ، إلا أن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى و لحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر ، و الله أعلم .
رد مع اقتباس