الكبيرة الثالثة و الخمسون : أذى المسلمين و شتمهم
قال الله تعالى : " و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً و إثماً مبينا " و قال الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان و من لم يتب فأولئك هم الظالمون " .
و قال الله تعالى : " و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا " .
و قال صلى الله عليه و سلم : " إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه " . و قال صلى الله عليه و سلم : " عباد الله إن الله وضع الحرج إلا من افترض بعرض أخيه فذلك الذي حرج أو هلك " .
و في الحديث " كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه " . و قال عليه الصلاة و السلام " المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله و لا يحقره ، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم " . و فيه أيضاً " سباب المسلم فسوق و قتاله كفر " .
و " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي الليل و تصوم النهار و تؤذي جيرانها بلسانها فقال : لا خير فيها هي في النار " . صححه الحاكم . و في الحديث أيضاً " اذكروا محاسن موتاكم و كفوا عن مساوءهم " . و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من دعا رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله و ليس كذلك إلا حار عليه " . و قال عليه الصلاة و السلام : " مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظافر من النحاس يخمشون بها وجوههم و صدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم " .
( فصل ) في الترهيب من الإفساد و التحريش بين المؤمنين و بين البهائم و الدواب : صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب و لكن في التحريش بينهم " ، فكل من حرش بين اثنين من بني آدم و نقل بينهما ما يؤذي أحدهما فهو نمام من حزب الشيطان من أشر الناس ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : " ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : شراركم المشاؤون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبة ، الباغون للبرءاء العنت " . و العنت المشقة . و صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " لا يدخل الجنة نمام " . و النمام هو الذي ينقل الحديث بين الناس و بين اثنين بما يؤذي أحدهما أو يوحش قلبه على صاحبه أو صديقه بأن يقول له : قال عنك فلان كذا و كذا و فعل كذا و كذا ، إلا أن يكون في ذلك مصلحة أو فائدة ، كتحذيره من شر يحدث أو يترتب . و أما التحريش بين البهائم و الدواب و الطير و غيرها ، فحرام كمناقرة الديوك و نطاح الكباش و تحريش الكلاب بعضها على بعض و ما أشبه ذلك و قد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فمن فعل ذلك فهو عاص لله و رسوله . و من ذلك إفساد قلب المرأة على زوجها ، و العبد على سيده . لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ملعون من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده " نعوذ بالله من ذلك .
( فصل ) في الترغيب في الإصلاح بين الناس ، قال الله تعالى : " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس و من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً " . قال مجاهد : هذه الآية عامة بين الناس ، يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس و يخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ، و هو قوله " إلا من أمر بصدقة " ثم حذف المضاف " أو معروف " ، قال ابن عباس : بصلة الرحم و بطاعة الله ، و يقال لأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها . قوله تعالى : " أو إصلاح بين الناس " هذا مما حث عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال " لأبي أيوب الأنصاري ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم قال : بلى يا رسول الله . قال : تصلح بين الناس إذا تفاسدوا و تقرب بينهم إذا تباعدوا " . و روت " أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله " .
و روي أن رجلاً قال لسفيان : ما أشد هذا الحديث ، قال سفيان : ألم تسمع إلى قول الله تعالى : " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف " الآية . فهذا هو بعينه .
ثم علم سبحانه أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله قال الله تعالى : " و من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً " . أي ثواباً لا حد له .
و في الحديث " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيرا " رواه البخاري . و قالت أم كلثوم . " و لم أسمعه صلى الله عليه و سلم يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاثة أشياء : في الحرب و الإصلاح بين الناس و حديث الرجل زوجته و حديث المرأة زوجها " . و " عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر ، فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلح بينهم في أناس معه من أصحابه " . رواه البخاري .
و " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما عمل شيء أفضل من مشي إلى الصلاة أو إصلاح ذات البين و حلف جائز بين المسلمين " .
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من أصلح بين اثنين أصلح الله أمره و أعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة و رجع مغفوراً له ما تقدم من ذنبه " . و بالله التوفيق .
اللهم عاملنا بلطفك و تداركنا بعفوك يا أرحم الراحمين .