حديث متصل مع الرئيس السادات
قيادة حرب ١٩٦٧ تركت السلاح الجوي بلا غطاء
الصاعقة استولت علي الدفرسوار
والشاذلي أمرهم بالانسحاب
الجزء الأول
فى٢٣ أكتوبر ١٩٧٥
الشجرة عمرها أكثر من مائة عام
.. وتحت الظل الوراف الكثيف ،تشعر بنسمة هادئة .. كالهمس
والورق اخضر .. عريض وأخضر .. يتداخل فلا تميز ورقةمن ورقة .. كآلاف أهل القرية الطيبين ، تتوه قسماتهم في جو الألفة ، ولا يبقي منهمللناظر من بعيد ، الا ابتسامة عريضة ..راضية وصافية
لكن الشجرة ليست أقدم شئ هنا .. في القناطر الخيرية
لقد تخطت الشجرة مائة عام ، لكنها رضيعة .. لاتزال ! وأمام أبيهاتتلعثم ؟ . ربما ! أو تتواري حياء ؟ . ربما ! أو تتخايل ؟ . أو تتمايل ؟ أو تزهو منفرط الاعجـــاب ؟ .. ربما ! وأبوها يتمدد في ثقة واطمئنان ، ويتجدد كل يوم ، فيهاته الصغيرات ، ذوات الأعمار ، بالآحاد أو العشرات أو المئات ، وقد فقد شهية العدوالتعداد ، بعد أن كاد ينسي كم من آلاف السنوات عاش ، وكم من آلاف السنوات سيمتد بهالأجل ليكون له مثل كل هـؤلاء واولئك من الصبايا والصبيات !
.. أنه : النيل العظيم
وألقاه هناك ، تحت الشجرة ، وعيناه عليالنيل .. كأنه الحارس ، في لحظات استرخاء .. يعود بعدها إلي نوبات حراسة متصلة ،ليحرس النهر الخالد ، والزرع الأخضر ، وسنابل القمح ، ونوارات القطن ، ومداخنالمصانع ، وابتسامات الناس
.. هل طالت المقدمة أكثر مما ينبغي ؟
أشعر أنها مقدمة .. ولكنهافي نفس الوقت تقديم
.. الفلاح من إحدي القري المصرية الصغيرة .. أحب الأرضوالشجر ، وحفيف الريح ، وهمس الطبيعة ، وعشق الناس ، فتفاني فيهم ، وعاش لهم وبهم
هرب ذات يوم من البوليس ، فتخفي بين الناس ، واذا هم يلتفون حوله . كورق الشجرة ذات المائة عام ، لا تميز فيها ورقة من ورقة
وحاولت السلطة الانجليزية أن تتعقبه ، فاندس بين طيات البشر ،لتتفتح له القلوب لتحميه من السلطة ، وتفسح له فرص العمل ، شيالا للبضائع المنقولة، أو سائقاً للوري ! وينام مرتاح البال ، مطمئنا إلي صدق الناس
.. ولعل المقدمة بعد هذا أن تؤدي بنا إلي التقديم
إن شخصية أنورالسادات ، تتداخل تداخلا شديداً ، مع أرض مصر ، وقرية مصر .. والفلاح المصري ،الوارث الشرعي للصبر والصمت وطول البال ، منذ آلاف السنين ، ولا ييأس مع هذا .. أبداً
وفي قصة الفلاح الفصيح ، منذ آلاف السنين ، ظلموا فلاحا بسيطاًوألصقوا به التهم ، وتآمر عليه " مدير البيت العظيم" فحبسه ، ثم حاول أن يحول بينهوبين صاحب البيت العظيم ، حتي لا تصله منه شكوي
لكنه لم يسكت ، وظل يرسل كلماته ، مرة هادئة كأنها رجاء ، ومرةهادرة كأنها نذير .. حتي ظهر حقه وانتصر ! وفي قصة مراكز القوي ، منذ أربعة أعوام ،أرادوا أن يستعملوه تكأة لأغراضهم ! وطاولهم مرة بعد مرة ، حتي يطمئنوا تماماً إليسيطرتهم عليه ! .. ولم ييأس ، ولا هو سلم أو استسلم ، حتي وضعوا أنفسهم في سلةواحدة ، هبطت بهم إلي القاع ! من هنا يصبح التداخل في شخصية السادات نوعياً ،فيرتبط بالأرض وبالزرع وبالبيئة .. كما يصبح التداخل زمنياً ، حيث تتداخل مراحلالزمن ، فتشتم عبق التاريخ ، ودخان المصنع وقد تنتشي بحلاوة الاساطير ، تختلطبدراسات المستقبل ! هذه شخصية أنور السادات ، والذين لا يعرفون مفاتيح هذه الشخصية، سيصبح عسيراً عليهم أن يتعاملوا معه
قلت للرئيس ، بعد أن أخذت إلي جواره مقعدي ، تحت الشجرة القديمةوالرضيعة معا - هذه بعض ملامح القرية يا سيادة الرئيس ، وأني لأعرف أنك مفتون بها
قال الرئيس في عشق
هي نبض القرية كما تقول ، أو روح القرية اذاأردت ، وفيها أجد الراحة والهدوء ، وهما من أهم ما أحتاج اليه ، لأستطيع أن أواصلمسئولياتي
ومضي الرئيس يفسر
أنك محتاج بين الحين والحين ، إلي أن تبتعدقليلاً عن قلب الزحام ، وما يسببه للناس من مشكلات ومضايقات لتري المشكلة أوضح ،وفي حجمها الصحيح ، والذين يعيشون في قلب المشكلة دائماً وبإستمرار ، يجدون أنفسهمفي النهاية جزءاً منها ، ويصبح همهم كيف يتعايشون معها ، بينما يكون من واجباتهم أنيحلوها
.. وفي حديثه عن القرية ، أخذ الرئيس يتحدث بأسلوب العاشق .. أن مصربلد أصيل ، لأن روح القرية تسيطر عليها ، بالحب والتسامح والثقة والقناعة والصبر ،والصدق مع النفس ومع الغير .. ولولا هذه الروح لما استطاعت أن تتحمل كل ما تحملتهمن محن وحرمان ، إنها تبذل من نفسها لجيرانها ، وكأنها تبذل ما تبذله لنفسها ، لاتعرف المن علي أحد ، حتي لو من عليها سواها ، ومصر بلد معطاء ، حتي في ظروف الحاجة، وفي قريتنا الصغيرة يكرم الفلاح ضيفه بآخر رغيف عنده ، وقد تجوع زوجته ويجوعأولاده ، لكن عار عليه أن يأتيه ضيف .. ثم يجوع أو أن يطلب منه جار عونا ، ثم يخذلهذا الجار
- سيادة الرئيس انك لا شك تعيش امتع ذكرياتك هذه الأيام في ذكرياتحرب اكتوبر العظيمة فهل تأذن ان أسأل سؤال غبياً أعرف صعوبة الإجابة عليه وشجعتنيابتسامته فمضيت : ان الأيام ذات الأثر في تاريخ الإنسان كأولاده ، ومن الصعب انتسأل والدا عن أحب أولاده اليه ومع ذلك فأذن لي أن أسألك عن أحب أيام حرب أكتوبرقربا منك
قال الرئيس ونظراته العميقة علي صفحة النيل العظيم ليس السؤال غبياكما تظن
ولست أريد ان اتحدث عن ٦ أكتوبر ، فقد تحدثت عنه كثيراً ، وهو بينأيام الحرب باكورة أولادي ، وللولد الأكبر دائما معزة خاصة عند ابيه ، لكني اقول لكبصدق ان أحب أيام الحرب الي قلبي ،
هو يوم ١٩ أكتوبر من عام ١٩٧٣م .. وحكيالرئيس قصه يوم ١٩ أكتوبر لأول مرة
في هذا اليوم ، كانت ثغرة الدفرسوار هي شاغلنا ، وقد كلفت رئيسالأركان السابق ان يتوجه بنفسه لتصفيتها والقضاء عليها ، وبينما كان هو يدرس ،ويجمع المعلومات ، ويشغل نفسه بإلتقاط الأخبار عنها من مختلف المصادر ، ويضيع الوقتفي تحريات
بينما كان رئيس الأركان مهموماً بالمعلومات التي يتلقاها ، والثغرةتمرر الدبابات في مجموعات ، وتتكاثر مع ضياع الوقت جمعاً للمعلومات ، وتتغيرالمعلومات ، مع كل فرصة انتظار يعطيها لهم
في هذه الأثناء وفي ذلك اليوم ، قرر أولادنا في الصاعقة ان يقوموابعمل فدائي ، وان يغامروا بأنفسهم وبأرواحهم ولايتركوا الثغرة مفتوحة ، تمر منهادبابات العدو
وعندما تلقيت نبأ استيلاء جنود الصاعقة علي الدفرسوار مدخل الثغرة ،وسيطرتهم عليها ، واصرارهم علي ان يسدوها تماماً ، شعرت بعظمة مقاتلينا الأبطال ،واغتبطت أشد الإغتباط لهذه الروح الفدائية الباسلة
لكن رئيس الأركان ، المكلف بالقضاء علي الثغرة ، أعطاهم امراًبالإنسحاب ، حتي يستكمل جمع المعلومات ووضع الخطة اللازمة لمواجهتها ! ولهذا عزلتهيوم ١٩ أكتوبر ، وعينت الجمسي مكانه ، ولم اشأ ان اعلن النبأ ، اثناء المعركة
وبرغم أن الثغرة لم تكن الا تمثيلية تلفزيونية كما قال حتي جنرالبوفر ، الا ان عجز رئيس الأركان عن القضاء عليها في حينها ، كان كافياً لعزله
وأقول له
- وأظنه كان قراراً قاسياً ، في أثناء المعركة ياسيادةالرئيس ، ففي أثناء بعض الحروب ، تجاوز الرؤساء والملوك عن بعض الاخطاء ، لصالحالمعركة
وأقول له وأظنه كان قراراً قاسياً ، في أثناء المعركة ياسيادةالرئيس ففي أثناء بعض الحروب تجاوز الرؤساء والملوك عن بعض الأخطاء لصالح المعركةقال الرئيس : كان صالح المعركة يقتضي التغيير ، مع عدم اعلانه
والذين يتحملون مسئولية أمة تخوض حرب كرامة وشرف ، لايجاملونالأشخاص علي حساب الناس .. علي حساب دماء الشهداء وتضحيات الأبطال .. علي حسابالنصر الذي حقنناه ، ولم اكن اريد ان اجامل ، فقد كلفتنا المجاملة هزيمة ١٩٦٧ ، وماأعقبها من عار
قلت :- هل تعني سيادتك ان تغييراً كهذا كان يجب ان يتم قبل
معركة ١٩٦٧؟
قال الرئيس :عندما تكون القيادة مشغولة بكل شئ الا عملها ،عندما تكون مهمة الجيش نفسها قد انحرفت عن طبيعتها ، واتجه الإهتمام بأشياء أخريغير التدريب علي استعمال الأسلحة في القتال ، والاستعداد الدائم لخوض أية معركةنقررها بإرادتنا او تفرض علينا فرضاً ، فإن تغيير هذه القيادة يصبح ضرورة ، بلويصبح الإبقاء عليها شيئاً غير مفهوم ، وحالة جيشنا قبل ١٩٦٧ ، كانت علي هذهالشاكلة ، يعمل في كل شئ الا عمله الأصلي ! يتولي الحراسات واستيراد مواد التموينوالمساعدة في بعض المرافق ، ومراقبة الأفراد والجماعات ، ومراقبة كل منهم للآخر ! ثم نرسل الجيش علي اعرض الجبهات وسلاحه الجوي بلا غطاء بل مكدس في المطارات لمنيريد تدميره ، الهزيمة اذن نشأت من اكثر من ظرف أحاط بالمعركة ، القيادة لاهية عنالقيادة ! والجيش مدرب علي انشطة رقابية تصرفه عن التدريب ! والخطة مكشوفة ،لايحميها غطاء ! ولم توضع الخطط البديلة عند الضرورة ، ولو وضعت لكان من الممكن انيحتل الجيش الممرات ، فلا تقوي عليه هجمات الاعداء ، كل هذه العوامل ادت الي هزيمة ١٩٦٧
وسألت الرئيس :- وجيش ١٩٧٣ ؟
قال الرئيس : كان جيشاً محترفاً ،وظيفته انه جيش ، يعرف قيمة التدريب ، ويمارس التدريب بكل مشقاته ، ولاينشغل عنوظيفته القتالية بشئ علي الاطلاق
المشير احمد اسماعيل علي كان ضابطاً محترفاً ، لايتدخل في شئلايعنيه ، بل يرفض ان يؤدي شيئاً لايدخل في سلطات وظيفته ، جنود هم ابناؤه ، وضباطههم أهله وأصدقاؤه وأعوانه يعيش بينهم ، لا تشغله عنهم عملية سياسية ، ولاتصرفه عنواجباته ، واجبات أخري ، يقرأ ويتعلم ويطبق ما قرأ ، ويعدل في خطط القتال الي ماهوافضل
هذا هو جيش ١٩٧٣ ، ولايزال تحت قيادة الجمسي ، جيشاً محترفاً ، لأنالجمسي نفسه قائد محترف علي شاكلة سلفه المرحوم احمد اسماعيل
قلت للرئيس :- طالما طرقنا موضوع مراكز القوي ، فهل تأذن ياسيادةالرئيس ان اعود الي ثورة التصحيح في ١٥ مايو ١٩٧١ ؟ ان القصة نشرت عدة مرات ، لكنلابد ان هناك اشياء لاتزال تنتظر النشر . قال الرئيس :طبعاً اقالة علي صبري معروفة
انما الجديد انني حين اقلت شعراوي جمعه ، لم اكن اقصد مجرد اقالته ،لكني كنت اريد ان اقف علي ماقد يكون لذلك من اثر ، ولم يكن في تقديري انهم سيضعونانفسهم جميعاً في سلة واحدة ، ليسلموا لي البضاعة جاهزة . لقد استقالوا جميعاً دفعةواحدة ، فأعطوني الفرصة لأجهز عليهم دفعة واحدة
قلت للرئيس : سيادة الرئيس .. تأذن لي ان اضع تحليلاً لهذا الموقف " لقد غادرت القاهرة يوم ١٢ مايو ١٩٧١ ، لإجتماع محدد في هيئة اليونسكو بباريس ،وعندما بدأت اخبار الإستقالات تصل الي باريس ، ظهرت الصحف في شكل مخيف يوحي بإنهيارالنظام في مصر ، وانزعج المصريون هناك ، انزعجوا علي مصر وعلي المصير الذي ينتظرها، وعلي سيادتك
وكنت الوحيد الهادئ الأعصاب بينهم
وكان منطقي واضحاً تماماً ،هؤلاء ناس اتصلوا بالشعب من خلال السلطة ، وعرفوا الشعب من التقريرات ، ولم يرتبطوابالشعب إلا ارتباطا عكسياً أساسه الكراهية والخوف ، لهذا كانت استقالاتهم موضعترحيب الشعب ، لأنه كان تواقا الي ان يتخلص منهم ، وعلي الجانب الآخر كنت انتياسيادة الرئيس .. وميزتك انك لم تدخل الحكومة ، ولم تمارس السلطة التنفيذية أبداً، وظلت صلتك بجماهيرك مفتوحة ومتصلة > من خلال " جريدة الجمهورية " ، أو " المؤتمر الإسلامي " أو الجهاز السياسي ، أو مجلس الأمة ، إن كل المناصب التيتوليتها يا سيادة الرئيس قد كانت مناصب تحتم طبيعتها أن تتصل بالجماهير ، وأن تعرفنبض الناس ، وأن تتعامل معهم ، حتي لو اختلفوا مع السلطة . وهذا بالقطع هو التفسيرللرؤيا الشاملة التي تري بها الأمور العامة
ومضيت أقول للرئيس :- ولك في كل عام قرار هام وتاريخي
وأخذت أعدد والسيد الرئيس يشجعني علي المضي أو يتدخل لتصحيحمعلوماتي
أن عام ١٩٧٠ ، كان عام رفع الحراسات والظروف الإستثنائية
وعام ١٩٧١ ، كان عام ثورة التصحيح
وعام ١٩٧٢ ، كان عام التخلص من الخبراء السوفييت
وعام ١٩٧٣ ، كان عام المعركة في ٦ أكتوبر
وعام ١٩٧٤ ، كان عام الإنفتاح
وعام ١٩٧٥ ، كان عام فتح قناة السويس
ولما انتهيت قلت للسيد الرئيس
- فماذا عن قرار عام ١٩٧٦ ، اذا لم يكن هذا السؤال .. سخيفا
وضحك الرئيس الساداتوهو يقول : * عام ١٩٧٦ وما بعده ، مرحلة من العمل شاقة ، .. فقد أصبح علينا أن ندعممكاسبنا بالتعمير .. بالبناء والتعمير . ان الناس تعاني من أشياء كثيرة في حياتهاتعاني من المسكن ومن المواصلات ومن سوء الخدمات وإني لأفكر ليل نهار في تجدد الحياةعلي هذه الأرض الطيبة ، وتسهيلها للناس . لأنهم أصحاب حق حرموا منه سنوات طالت ،وأصبح من حقهم أن يستعيدوا هذا الحق . لكن تعمير الإنسان يسبق أي تعمير آخر . لهذافقد حرصت دائما علي تحقيق مبدأ سيادة القانون . قلت- منذ تصفية الحراسات
قال الرئيس : * وإلغاء الأوضاع الإستثنائية في نفس الوقت
ومضيالرئيس السادات يقول :* ان الإطمئنان الي العدالة ، والي الأمن ، والي الرزق ، والياليوم والغد .. كل ذلك يجب أن يسبق كل شئ ، لأنه يمثل تعمير الانسان من الداخل ،وتحرير علاقتـه بالمجتمع ، ومن هنا يستطيع أن يشارك في البناء ، وفي التصدي للوضعالقائم ، بمزيد من الإنتاج ، ليتخطي هذه العقبات أولا ، ثم يعبر الي مرحلة الإكتفاء، ومنها ينتقل الي مرحلة الرخاء . لهذا فإني أتمني أن يشهد العام القادم استكمالمظلة التأمينات ، لتشمل كل عاجز أو مسن أو محتاج أو يتيم أو أرملة ، حيث تكون ، حتيولو كانت في أطراف الصحراء
وإستدرك السيد الرئيس فقال : * هذه أمنيتي ، ولكن من يدري بمتفاجئنا به الأيام
وشعرت أن الفرصة قد واتت لحديث عن مفاجآت الأيام ، فسألت الرئيس
- أو تنتظر سيادتك .. مفاجأة ؟ حربا خامسا مثلا ؟ قال الرئيسالسادات :* لقد أقمت سياسيتي علي ان اكون دائما علي استعداد ، وأيا كان جو السلام ،فإن السلام لايعيش ولا يستقر الا بالإستعداد للدفاع عنه ، بالقتال اذا لم يكن منذلك بد ولقد كان قدر مصر ، ان تتحمل مسئوليتها عن نفسها ، وعن هذه المنطقة منالعالم ، ولم تضق مصر ابداً بهذا القدر ، وهي تشعر بأن هذه المسئولية جزء منطبيعتها ، وأيا كانت الظروف المحيطة بها ، ومهما تنكر البعض لدورها في قيادة حركةالتحرر ، ومهما حاول آخرون ان يعزلوها عن انتمائها العربي ، فإن ذلك لن يغير منطبيعتها ، ولن يصرفها عن دورها المقدور عليها ثم ان لنا مبادئنا الأساسية ، وهيلاتتغير بكلمة تصدر من هنا أو من هناك ، أو مزايدة حزبية يراد من ورائها التعميةوالكسب الحزبي في الظلام ، ان سياسة مصر ثابتة وهي غير قابلة للإهتزاز ، لكن ذلكلايمنعها من ان تتأثر احيانا بالجحود ، متمنية ان يكون الجميع علي شاكلتها صرحاءوأوفياء
.. وطال الحديث وامتد . وأشعر اني أمام جزء حي من التاريخ ، وان منالوفاء لهذا التاريخ ، ان ابسط له مساحات أخري
الوقفة في حديث ، كالنقطة علي صفحة
والنقطة عند الكاتب ، جزءمما يكتب
الجزء الثاني
... كلحظات الصمت ، في تكوين موسيقي .. أن لحظةالصمت بدورها .. موسيقي! ... وبعد الوقفة عند قدر مصر ومسئوليتها التاريخية عننفسها ، وعن هذه المنطقة من العالم ، قلت للرئيس السادات : هل كان في تقديرك ، كلما حققته قواتنا المسلحة من بطولة علي أرض سيناء ؟ وقال الرئيس : كنت متفائلا مرتاحالنفس . لقد خططنا للمعركة تخطيطا علميا مدروسا بكل ما تقتضيه الخطة من تفصيلات ،وواجبات ومهام . كانت خريطة سيناء أمامي بكل معالمها . كل تفصيل علي أرض سيناء كانموضوعا في الإعتبار . وكل قائد وكل مقاتل كان يعرف واجباته ، ودرب عليها ، واستعدلها استعداد هائلا
لهذا فقد كنت متفائلا ومرتاح النفس
أولادي في القوات المسلحةكانوا علي أعلي درجات التأهب والاستعداد . وكنت في نفس الوقت أعرف أولادي من أبناءشعبنا الطيب ، أصلاء ورجالا وأبطالا عند الشدة . ثم كان في تقديري أن أبناء الأمةالعربية جميعهم مشوقون الي معركة شرف وكرامة وكبرياء ، وأن مثل هذه المعركة ستلهبمشاعرهم وستستبد بكل ما يملكون من الحماسة والطاقات . ولم يكن لدي أدني شك فيالانتصار . وكان تخطيطي للمعركة أن تستمر أطول وقت ممكن ، وقد التقي معي في هذاالتخطيط المغفور له جلالة الملك فيصل ، فقد طلب مني أن تطول المعركة بالقدر الذييمكن من تكوين رأي عام عربي
قلت للرئيس : وكان هذا موضع اتفاق مع الرئيس الأسد ؟
قال الرئيسالسادات : طبعا .. كل هذه التفصيلات كانت موضع اتفاق ، ولهذا كانت دهشتي بالغةعندما أبلغني الروس بطلب سوريا وقف إطلاق النار ، بعد ست ساعات فقط من بدئها ،وجنودنا يقتحمون أرض سيناء ، بعد المعجزة التي حققوها باقتحام خط بارليف . وزادتدهشتي ، عندما علمت أن السوريين تقدموا بطلبهم للروس قبل بدء المعركة ، وقد حكواهذه الحقيقة للرئيس تيتو
قلت للرئيس : سيادة الرئيس .. كانت هناك قيادة مشتركة أفلم تكتشفهذه القيادة شيئا من هذا ؟ قال الرئيس السادات : علي العكس . لقد كان المرحوم أحمدإسماعيل علي قائداً عاما للقيادة المشتركة ، ولقد ذهب الي الجبهة السورية قبلالمعركة ليضع خبرته تحت تصرف الجيش السوري . وقد فوجيء الرجل بأن الضباط السوريينيقولون له أنهم سيستولون علي كل الجولان ، خلال ثمان وأربعين ساعة من بدء القتال . لكن المشير رحمه الله قد كان جنديا محترفا ، وكان دقيقا في أحكامه ، فنبههم الي خطرالإسراف في التفاؤل علي هذا النحو ، وقال لهم ان الاستيلاء علي الجولان علي وثبات ،مع تحطيم قوات العدو فيما يسمي بمناطق قتل في كل وثبة ، كما نقول في التعبيرالعسكري . لكنهم أصروا مؤكدين أن ذلك تخطيطهم
قلت للرئيس السادات : إن طلب وقف إطلاق النار بعد ثمان وأربعين ساعةأذن ، كان قائماً علي هذا التوقع ، يستولون علي الجولان في جولة واحدة مدتها ثمانوأربعون ساعة ، وتتدخل الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن لوقف القتال ، بعد أن يكونهذا الاستيلاء قد تم كما قدروا هم
قال الرئيس السادات : .. ربما . لكن المشير أحمد إسماعيل علي كانيعرف قوة العدو ، كما كان يعرف أن قواد إسرائيل قد كسبوا خبرة الحرب العظمي الثانية، وأنهم بالقطع ليسوا قطعا من الشطرنج ولكنهم مدربون . وخبراء مزودون بأحدث الأسلحةالإلكترونية الأمريكية . وليس عيبا أن تعرف قوة عدوك . وانما العيب ألا تستعد لهابما تستحقه من تدريب وتسليح واستعداد للتضحية
قلت للرئيس السادات : هل تأذن لي أن أسأل ، هل حققت حرب أكتوبرأغراضها ، كما خططت لها ؟ قال الرئيس : بنصف معركة تحققت الأهداف التي استهدفناهامنها بينما كان تقديرنا أن نحقق هذه الأهداف بمعركة كاملة
ورآني الرئيس محتاجا الي مزيد من الإيضاح فقال وهو يضحك : رب ضارةنافعة
ومضي الرئيس يشرح : عندما وصلت أول أخبار عن الحرب الي الولاياتالمتحدة ، أيقظ كيسنجر الرئيس نيكسون من نومه ، ليبلغه النبأ . ثم أتصلت تل أبيببأمريكا لتقول : أننا سندق عظام العرب خلال يومين ، وسنعطيهم درسا لن ينسوه أبدا
وبعد يومين عادت إسرائيل فإتصلت بأمريكا لتقول لهم أننا قضينااليومين الماضيين في التعبئة ، خاصة بعد عيد الغفران وموسم الأجازات ، ولا نحتاجإلا ليومين آخرين ، لندق عظام العرب ونعيد عقولهم الي رءوسهم
وسأل المسئولون الأمريكان : وهل تريدون أسلحة أو عتادا ؟ وردالإسرائيليون عندنا كل شيء الآن ، وسنحتاج الي تعويض مانخسره مستقبلا
ومضي اليومان ، ولم يستطيعوا أن يدقوا عظامنا ، وإنما ظلوا مهزومينينسحبون في هلع . وقد انهار ديان في الميدان وبكي أمام الصحفيين الأجانبوالإسرائيليين ، لأنه أيقن أنه خسر الحرب ، وقال بالحرف الواحد : لن نستطيع أننزحزح المصريين بوصة واحدة
وهنا انطلق شعار : انقذوا إسرائيل
حملة سفير إسرائيل في واشنطن ، فاتصل كيسنجر مرة أخري بجولدا مائير، فإعترفت بأن الموقف يحتاج الي انقاذ ، وأدرك كيسنجر بعقله الاستراتيجي أن إسرائيلقد فقدت هذه الجولة ، فكلف البنتاجون بإتخاذ إجراءات انقاذ إسرائيل ، وبدأ القمرالصناعي الأمريكي يعمل لتحديد صورة الموقف ، وعلي أساسها تتحدد كمية المعونةالأمريكية وحجمها
قلت للرئيس : إذن لم تصور الأقمار الصناعية الأيام الأربعة الأولي . قال الرئيس لم تصور الموقف إلا بعد اليوم الرابع
قلت للرئيس : خسارة .. كان يمكن أن نسجل للتاريخ صورا رائعة عنمرحلة من أهم مراحل التطور في حربنا مع عدونا
قال الرئيس السادات : كان الإنطباع الذي أكده القادة الإسرائيليونأنها ليست الا نزوة عربية ، ستردها إسرائيل الي صدور العرب في قسوة وحسم ، فلم يهتمأحد بتسجيلها ، ولم يدركوا حقيقتها بناء علي تقريرات إسرائيل الرسمية . المهم أنالولايات المتحدة بدأت تدخل المعركة ، من خلال جسر جوي أقاموه بسرعة ، وبدأوايرسلون طائراتهم بطياريها ، ودباباتهم بأطقمها .. يهبط كل ذلك في مطار العريش ،ويتجه علي الفور الي الميدان
من يوم ١٧ أكتوبر وأنا أحارب أمريكا ، وأسلحة أمريكا ، وعتاد أمريكا . ولم يكن هذا ممكنا ، الا إذا كنت أغامر بحياة أبنائي المقاتلين الأبطال ، وهمعندي أغلي عنصر من عناصر القتال الشريف
لكن تدخل أمريكا في جانب إسرائيل ، قد خلق موقفا جديدا ، وأديبالتالي الي موقف أمريكي جديد ، والي الفصل الأول للقوات ثم الفصل الثاني ، لتتحققأهداف المعركة بوصولنا الي الممرات ، ولم نكن قد أنجزنا من خطة المعركة إلا نصفها . هم إذن الذين اختصروا معركتنا الي النصف ، لكن نصف المعركة قد حقق أهداف المعركةالكاملة
قلت للسيد الرئيس : ... ولو لم تتدخل أمريكا ؟
قال الرئيس : كناقد مضينا نتمم معركتنا حتي الممرات ، وحقول البترول ، ثم تصبح بقية أرض سيناء ،بساطا مكشوفا في قبضة أيدينا عندما نريد
قلت للرئيس : وخسائر المعركة الكاملة كانت ستكون الضعف
قالالرئيس السادات : الحمد لله أن خسائرنا محدودة ، حتي لاتكاد تقارن بما كسبناه . ولقد كانت تعليماتي للمشير إسماعيل والقادة العسكريين منذ البداية ، هي أني لا أريدلقواتي أن تتحطم ، ولا لعتادي أن يتبدد ، في مغامرة تؤدي الي استنزاف قوانا وتتركنا - حتي ولو كنا منتصرين - في حالة ضعف قد يفتح احتمالات الهزيمة ، لو استطاع العدوإعادة تجميع قوته ، أو لم صفوفه
وسألت الرئيس : هل أعرف من سيادتك أحد أسرار الموقف ؟ علي أي وضعخرجت قواتنا بعد ٢٢ أكتوبر عام ١٩٧٣ ؟ هل كانت علي نفس الدرجة من الاستعدادلاستئناف القتال ؟
قال الرئيس في ثقة : لقد خرجت قواتنا أقوي كثيرا بخبرة القتال ممادخلت المعركة . وبالنسبة للسلاح والعتاد ، كانت درجة استعدادنا بعد المعركة أكبربرغم فقدنا لبعض الأسلحة وخاصة في الطيران . أما معنويات الرجال ، فقد كانت فوقالسحب . لقد استعادوا تاريخهم المجيد ، وعادت اليهم الثقة في قدراتهم ، ولم يعودوايخافون العدو ، أو يصدقوا دعاياته ، أو يقعوا تحت تأثير المقالات المثبطة للهمةالداعية لليأس
قلت للرئيس السادات : الحرب نوع من اختبار القوي ، وأيام الاختبارتسفر عن مفاجآت - مهما يكن الحساب - فهل لم تكن هناك مفاجآت خلال أيام القتال ... مفاجآت حرجة ومخيفة؟ قال الرئيس ، ونهر النيل أمام عينيه : ما أصعب أن تكون مسئولاعن أرواح آلاف الآلاف ، وهي تقاتل . إن القائد الأعلي الذي يصدر قرار الحرب ، لايفكر في نفسه ، ولكنه يحسب حساب كل قطرة دم تسيل علي أرض المعركة . كل لحظة خوف قدتزعزع الثقة في قلب مقاتل كل ومضة خطر تحيق بمغامر يقتحم المواقع دفاعا عن شرفالتاريخ . معاناة قاسيـة علي النفس ، لولا أنها من أجل هدف أسمي وأبقي وأخلد . منأجل جموع الفلاحين البسطاء ، ممن يريدون أن يزرعوا أرضهم آمنين . من أجل ملايينالعمال ، ممن يريدون أن ينتجوا وأن يكسبوا ليعيشوا ويربوا أبناءهم حتي يفرحوا بهم ،ويزوجوا بناتهم مطمئنين . من أجل كل صاحب مهنة أو حرفة . هذه الرغبة في إستقرارالحياة آمنة ورغدة علي أرض الوطن ، هي التي تبرر كل ما يتحمله المسئول عن إصدارقرار الحرب . هذا الي جوار الحرية - وهي عزيزة - والكرامة - وهي غالية - واستقلالالارادة - وهي مظهر كرامة الإنسان
وبرغم كل ذلك ، فإن اللحظة الحرجة التي لا أنساها ، هي تلك التيحدثت عقب اختراق ثغرة الدفرسوار ، واقتراح الفريق الشاذلي أن يسحب المقاتلين منسيناء ، ليواجه بهم آثار الثغرة . ساعتها تصورت أفظع نتائج يمكن أن تسفر عنها الحرب . إن هذا لو تم ، لتكررت مذبحة ١٩٦٧ ، بصورة أقسي وأمر . كان معني هذا الاقتراح أنأقدم أولادي للمذبحة فضلاً عن تعريض قواتي كلها لدمار كامل . وبينما كان رئيسالأركان يقترح هذا ، كان الجنود والقادة ينتظرون القرار وهم في أوج روحهم المعنوية . لم يكن فيهم واحد مستعد لأن يخلي مكانه علي أرض سيناء . ولم يكن فيهم واحد يريدأن يتزحزح عن موقعه
وكان قراري عزل رئيس الأركان الفريق الشاذلي ، وتعيين الجمسي فيمكانه ، وألا يترك أحد موقعه أبدا . لحظة اختبار كانت في غاية الدقة والحرج والخطركذلك ، لكن الله وفق الي اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب تماما
قلت للرئيس : وكان هناك تخوف من أن تمتد قوات الثغرة الي عمق الوادي .. والي القاهرة مثلا ؟
قال الرئيس السادات وهو يبتسم : هل يجرؤون علي دخولالقاهرة ؟ اذا كانت السويس ، وهي مدينة هاجر أهلها ، ولم يبق فيها أكثر من بضعةآلاف ، قد أذاقتهم الويل ، واستولت علي كل دبابة دخلت ، وأسرت كل جندي من جنودالأعداء غامر بالدخول . اذا كانت السويس قد فعلت هذا ، فماذا كان يحدث لو اقتربوامن القاهرة ؟ اني لم أتصور لحظة أن ذلك ممكن ، أو أن الجنون قد وصل بهم الي هذاالحد . الثغرة قد كانت معركة تليفزيونية أستغلت للدعاية ، أكثر منها عملا عسكريايحسب له حساب . بل لقد وضعنا خطة للقضاء عليها نهائيا وتصفيتها ، لولا أن كيسنجرقال لي أن ذلك لو تم فستدخل أمريكا الحرب ضدنا ، بصورة واضحة ومكشوفة . وهذا وحدهكاف لإثبات أن الثغرة قد كانت مخططا أمريكيا ، لحفظ ماء وجه اسرائيل أمام العالم لاأكثر ، ولتستعمل بعد ذلك كنوع من الدعاية المكشوفة
قلت للرئيس السادات : بمناسبة كيسنجر ياسيادة الرئيس .. هناك سؤاليراود الناس .. وبعيدا عن التعصب لشيء . فهو وزير خارجية أمريكا ، ولكن ديانتهيهودية ، ففي أي الجانبين يقف ؟
قال الرئيس : كيسنجر يقف مع مصالح بلاده ، ويعمل لتحقيقها . والسؤالهو: أين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الصراع ؟ أن استراتيجية أمريكاقائمة علي المحافظة علي وجود اسرائيل وهنا تلتقي الاستراتيجية الامريكية معالاستراتيجية السوفيتية . ولكن أمريكا دأبت علي أن تطلق يد إسرائيل في المنطقةتعربد فيها كما تشاء ، وكانت تؤيدها بالنفوذ السياسي ، وبالدعم الاقتصادي ،وبالسلاح والعتاد . لكن حرب أكتوبر خلقت موقفا جديدا ، بدأ يهدد استراتيجية أمريكافي المنطقة ، لو ظلت تطاول اسرائيل وتؤيدها علي طول الخط . ومن خلال واقع جديد ،أحست أمريكا أنها لاتخدم استراتيجيتها هي ، لو ظلت تتبع نفس الصيغة القديمة فيإطلاق يد اسرائيل تفعل في المنطقة ما تشاء . ولكي تحافظ أمريكا علي خطوطالاستراتيجية الأمريكية كما هي ، فقد صار عليها ، أن تضع قوة العرب في الاعتبار ،وفي مقدمتها روعة الأداء العسكري للمقاتل المصري . وهنا تزحزحت أمريكا عن موقفالتأييد المطلق وبلا حدود لإسرائيل ، وبدأت تفهم أن من صالح اسرائيل نفسها ، أنتواجه الحقائق الجديدة ، من أرض الواقع . ان حرب أكتوبر تمثل واقعا علي أرض هذهالمنطقة ، وقد تركت بصماتها علي اقتصاد العالم ، وعلي ما أصاب المجتمع الاسرائيليمن تمزق وانهيار ، وعلي إدراك العالم للحقائق الجديدة . وقد كانت تصرفاتنا بعدالحرب منبثقة من الثقة بالنفس . أعلنا سياسة الانفتاح دون حذر أو خوف ، تأكيداًلقدرتنا علي حماية هذا الانفتاح ، وفتحنا قناة السويس ، دون أن نلقي بالا للتحذير ،لأننا لم نعد ننظر الي الوراء ، بعد أن صار هذا "الوراء" ماضيا لن يتكرر
قلت : معني هذا أن كيسنجر يخدم إسرائيل
قال الرئيس السادات : ويضع قوة العرب في الإعتبار ، بعد أن لم تعد اسرائيل هي القوة الوحيدة في المنطقة ،كما أشاعت في الدنيا كلها ، طوال ربع قرن
قلت للسيد الرئيس : ... والاتحاد السوفيتي ياسيادة الرئيس ؟
قالالرئيس السادات : لقد حكيت مدي المعاناة التي تحملتها من صيغة التعامل التي يتخذهاالاتحاد السوفيتي ، لكني رغم كل هذا ، لا أغلق الباب معه ، ولا أظن أن من الحكمة أنتتدهور علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتي وقادته . ولعلهم أن يكونوا قد أدركوا الآنمفاتيح الشخصية المصرية ، فنحن لسنا تابعين لأحد ، ولن نقبل التبعية لا لهذا ولالذاك ، وطالما أن إرادتنا حرة ، وأن الاحترام بيننا متبادل ، فإن الأمور يمكن أنتسير في طريقها الطبيعي
حدث مثلا أن ذهب بودجورني ، رئيس الاتحاد السوفيتي لزيارة تركيا ،وهناك أدلي بتصريحات ضدنا ، حملت كثيرا من الهجوم الرديء
وعندما رغب بعد هذا في الحضور الي مصر لمقابلتي رفضت أن ألقاه أوأقابله لأنه أباح لنفسه أن يهاجمنا بأسلوب غير لائق ، وأنا لا أقابل من يوجه اهانةلمصر
والحديث مع هذا متصل وممتد .. وزاخر
... كنهر النيل
ابن خلدون فيلسوف التاريخ ، اتخذ من الحاضر
وحدة تاريخية ، تصلحللقياس
الجزء الثالث
ذلك أن الحاضر ، قد كان في أمس " أملا " .. وهو للغد " أساس "! والإسراف في تقدير الماضي ، قد يجر الي اراجيف الأساطير " والإسراف فيتصورات المستقبل ، قد يصبح نوعا من احلام الشعراء ! والشئ المحقق دائما ، هو ما بينيديك : الحاضر
وعلوم التخطيط كلها - وهي تستهدف المستقبل - تجد نفسها معتمدة عليالحاضر
... بل ان كلمة تخطيط نفسها قد صارت قديمة عند العلماء ، بعد انظهرت دراسات المستقبل ، وصارت هذه الدراسات علوما متكاملة الأركان ، وصارت لها فيجامعات العالم المتطور كراسي ، يحتلها أساتذة أجلاء
ومع هذا ، فإن دراسات المستقبل ، لا تقوم علي خيال ، ولكنها تستندالي واقع
والواقع هو ابدا هذا الحاضر
ما أصدق ابن خلدون في تحليله للتاريخ ! وأقول للرئيس السادات : بوديان انقل لقراء " الجمهورية ": وهي جريدتك ، رؤياك للحاضر الذي نحياه .. كيف ياسيادةالرئيس تراه ؟ وقال الرئيس السادات وعيناه تدوران بين مناظر الطبيعة الفسيحة فيالقناطر ومجري النهر العظيم : بودي ان تعيش اجيالنا في الحاضر بمنطق الحاضر ، وفيحدود احكامه وما طرأت عليه من تغيرات
وأنا ممن يحبون التاريخ اقرؤه ، وأستمع اليه ، وأستمتع به ، واستفيدمن عبره ، لكني أوثر أن أعيش يومي ، بكل مقاييس اليوم ومقتضياته
وجمال التاريخ انه تاريخ يروي للناس في صدق ، لكن ان يقيدهم ، ويحددسلوكهم ، فإن ذلك إذن يصبح نوعا من الأسر ، يشل حركة الفكر ، كما يشل حركة السلوك
ولقد تجاوزنا أوضاعا كثيرة جدا ، يجب ان نلقيها وراء اكتافنا
تجاوزنا الهزيمة ، وكانت نوعا من الكابوس الثقيل ، يصبغ كل تصرفاتنابالتوجس والخوف من المجهول ، وأخذ الأشياء بإحتياط وحذر .. والريبة في كل ما نسمع ،والتشكك في كل ما يقال
كنا وقتها معذورين ، فحجم الهزيمة قد كان فوق ما كنا نتوقع ، اماوقد حطمنا هذا الحاجز ، فقد صار علينا أن ننظر الي الحياة بمنظار آخر تماما ، أساسهالثقة والتفاؤل والعمل علي زيادة الإنتاج . وكما كانت الهزيمة عبئا علي نفوسنا ،ألقت كثيرا من الإنطواء علي النفس ، فإن النصر لا يعني أن نتصور ان الدنيا يمكن أنتتغير في يوم وليلة ، اننا نحن الذين سنبني المستقبل ، والبناء محتاج لجهد ولمالولعرق ولصبر ، وإلا سنقع في خطأ تفاؤل مسرف ، في مقابل ما كنا نعانيه من تشاؤم مسرف، والإسراف خطأ في التفاؤل أو التشاؤم علي حد سواء
لقد درجنا مثلا علي تقديس بعض القوالب . وربما كان لنا عذرنا في هذاالتقديس ، لكن ماذا يمنعنا الآن من التفكير الحر في كل هذه القوالب القديمة ، لنصححما يحتاج منه التصحيح ، ونبقي علي ما ثبت لنا استمرار صلاحيته ، ونستنبط صيغا جديدةللعمل اذا كان ذلك ضروريا لدعم حياتنا
هذا كلام اظننا نستطيع ان نتفق عليه . انما العبرة دائما بالتنفيذ ،ففي احيان نقتنع بشئ لكنا عند التطبيق نجد انفسنا نطبق شيئا آخر ألفناه واعتدناعليه . اننا محتاجون الي تغيير نمط حياتنا ، بما يتناسب مع أوضاعنا الجديدة وفكرناالجديد
قلت للرئيس : والأفكار التي انتشرت بعد حربين عالميتين مدمرتينياسيادة الرئيس ؟.. أعني ما يسمي بالتقدمية أو اليسار ، او الاشتراكية بمفاهيمهاالمختلفة ؟
قال الرئيس السادات : اننا نطبق الاشتراكية في بلادنا ، ونتخذهاطريقا لحل مشكلاتنا ، لكنها اشتراكية تنبع من مجتمعنا . وترتبط بقيم المجتمعومقدساته ، وتحترم الأديان وتستوجبها كذلك وبهذا فإن اليسار ، في ضوء هذا التطبيقلا يكون غريبا عن أرضنا . اما التطرف في التطبيق ، أو التبعية لأحزاب خارج بلادنا ،فذلك ما نرفضه تماما ، لأن اضراره ستنصب أولا علي ارادتنا ، فتصبح هذه الإرادةمشلولة ، وقد دخلنا كل مراحل الصراع تحريرا لإرادتنا . هذا مبدأ اساسي مقرر منذقامت الثورة . علي أن هذا لا يعني أن نكون خصوما لمن يطبقون مبادئ أخري غير مبادئنا . انهم يستوحون مبادئهم من واقع مجتمعاتهم ، وإذا كنا نرفض ان يتدخل أحد في توجيهارادتنا ، ان علينا ان نعطي الآخرين حق رفض تدخلنا في توجيه اراداتهم ، ولو سلبا .. أعني بمعاداتهم واتخاذ موقف الخصومة منهم
قلت للرئيس:وكيف تري سيادتك تعدد المنابر داخل التنظيم السياسي؟
قال الرئيس السادات : ان حرية التعبير مكفولة داخل التنظيم السياسي ، وأظن انعلينا ان نبدأ بداية طبيعية غير مصطنعة . ولو اننا اقمنا منابر ، وأطلقنا عليهامثلا ، اسماء اليسار والوسط واليمين ، فإن هذه الأسماء ستصبح مجرد لافتات مفروضةعلي اعضاء الإتحاد الاشتراكي ويصبح عليهم ان يصطفوا تحت لافتة منها . وهذا ما لمترده ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي أو تقصد اليه . انما الطبيعي ان يترك لكل عضوحرية التعبير عن رأيه في اية مشكلة مطروحة فإذا تلاقت آراء عدد منهم ، في عديد منالقضايا ، فإن الأمر الطبيعي هو أن يندرجوا تحت منبر يقررونه هم ، ويشاركون منخلاله ، في القضايا العامة ، ويساهمون بالرأي وبالتجربة ، في اثراء خطط التنميةورفع معدلات الأداء
قلت للرئيس : ستكون المنابر اذن متحركة
قال الرئيس السادات : فيالبداية ، حيث آراء الناس لا تزال غير محددة حول المسائل المطروحة ، فإن تركها هووسيلة تحديدها والتعرف عليها والالتفاف حولها
قلت للرئيس : فإذا استقرت ياسيادة الرئيس .. أليس هناك احتمالتحولها الي أحزاب ؟ أو في القليل الي كتل سياسية داخل التنظيم ، لكنها كالأحزابفيما تحدده لنفسها من مبادئ ومناهج وبرامج عمل ؟ قال الرئيس السادات : إن تكونتبالصورة الطبيعية ، وبالصيغة التلقائية ، وبمنطق التطور السياسي المدروس ، وبإقتناعكامل من جماهيرها ، فما الضرر في أن تتشكل في شكل سياسي ما ، أو في صورة احزابصريحة وواضحة . انني أومن بالتطور ، وبأن تقييد الفكر خيانة للتقدم ، وبأن الناس - والناس وحدهم - هم اصحاب الحق في اتخاذ القرار ، طالما يلتزمون في اتخاذه بالحوارالديموقراطي المستنير وبإحترام الشرعية الدستورية ، وبالاسلوب الوطني الذي يرفض فرضارادة الغير علينا ، أو شق الصف الوطني تنظيم عميل
قلت للرئيس : وقد كان هذا واضحا منذ ثورة التصحيح في ١٥
مايو ١٩٧١ .. لكن لماذا لم نقطع الشوط الي نهايته منذ ذلك التاريخ ياسيادة الرئيس ؟ لقدكانت جماهير الأمة معك ... أفلم تكن هذه فرصة لتنفيذ المخطط الديموقراطي الشاملالذي وضعته منذ تحملت المسئولية ؟
وقال الرئيس السادات : في ١٥ مايو ١٩٧١ ، كان يكفي أن أتخلص منمراكز القوي ، حتي لا تكون عقبة في سبيل المعركة وكنت قد انتهيت معهم من معركةالغاء الحراسات والظروف الاستثنائية .. وكان من الضروري أن تتقرر حرية الصحافة ،لكني أثرت أن أرجئ ذلك لما بعد المعركة
وقلت للرئيس : سامحني أن سألتك بصفتي صحفيا ، يتحدث إلي صحفي كبيرورائد ، وصل الي رئاسة الجمهورية ، لكني واثق انه لايزال يعتز بصفته الصحفية .. هلترون ان حرية الصحافة كان يمكن ان تكون عقبة في طريق المعركة ؟
قال الرئيس السادات وهو يضحك : سأروي لك حكاية ، بعد اطلاق حريةالصحافة ، جاءني صديق يسأل في براءة : متي ستقوم الثورة في مصر ؟
وإستغربت السؤال بطبيعة الحال ، لكن الصديق كان قد لاحظ ان الصحافةبعد الحرية ، انطلقت تعدد الاخطاء ، حتي خيل لمن يقرأ الصحف بعد الغاء الرقابةعليها ، ان كل شئ في مصر خطأ ، وفاسد ومرتبك ، وان الحياة لم تعد تطاق ، وان ملايينالمصريين ثائرون علي هذه الأوضاع ، فلم يعد باقياً الا ان تقوم ثورة تصحح الأوضاع
لكني ضحكت لملاحظة الصديق ، ولم اضق بها ،
وقلت له : ايا كانتنتيجة حرية الصحافة ، وايا كانت درجة اندفاع الصحف في النقد ، حتي ولو كان جارحاً ،فهي أسلم من الكبت وحبس الرأي ، ومنع الأقلام عن التعبير ، ان التنبيه الي الخطأ ،مهماً يكن قاسياً ، فهو في النهاية نوع من الرقابة الشعبية ، لابد ان تكون لهنتائجه الايجابية
وقلت للرئيس : كذلك فإن بعض المسئولين يضيقون بحرية الصحافة ياسيادةالرئيس
قال الرئيس السادات : هذا شئ طبيعي ، الصحافة خرجت من كبت طويل فأسرفت ،وبعض المسئولين خرجوا من صمت طويل فضايقهم الضجيج ، لكن الممارسة كفيلة بالوصول اليصيغة مناسبة تؤكد الحرية بمفهومها الصحيح ، وتشجع المسئولين علي التعرف علي الحقائقمن خلال مايذاع
قلت للرئيس : وقد نري نفس الظاهرة في تعدد المنابر ، حين تبدأالممارسة داخل التنظيم السياسي
قال الرئيس : لكن الممارسة كفيلة بتصويب الخطيعلي الطريق السليم والمشروع
قلت للرئيس : فإن حاولت التيارات الحزبية القديمةان تستغل هذه المنابر ؟
قال الرئيس: انا واثق من وعي الاتجاهات الأخري ، التي تؤمن بالتحالف، وتتخذه وسيلة الي تفادي الصدام الدموي بين طبقات الشعب ، وأظن ان أحدا لايرضي بأنتدخل تجربة كتجربة البرتغال مثلاً ، حتي يتطور الصراع الحزبي ، الي مايشبه الحربالأهلية
قلت : ومايدور حول القطاع العام ياسيادة الرئيس ؟
قال الرئيسالسادات : القطاع العام هو قاعدة الاقتصاد المصري ، وهو يمثل وسائل الانتاجالرئيسية ، لكن مصلحة هذا القطاع تقتضي تخليصه من عيوبه ومعوقاته ، وليس معنيالاهتمام بالقطاع الخاص ، ان ذلك سيكون علي حساب القطاع العام ، فلكل له مجاله ،وله طبيعته ، وله اختصاصه ، وقد تكون المنافسة بينهما وسيلة لتطور كل منهما وجودةماينتجه كلاهما ، اننا منذ اقمنا القطاع العام ، لم نفكر في الغاء القطاع الخاص ،فإن هذا مستحيل ، وتشجيع الكفايات الفردية ، دعم لجوانب الخلق والابتكار ، وكماستمضي سياستنا في تشجيع القطاع الخاص ، فستمضي في نفس المستوي نحو دعم القطاع العاموتطويره
قلت للرئيس : هذه النظرة للواقع الوطني ، تحتاج الي نظرة للواقعالعربي ، فإنهما واقعان متكاملان ياسيادة الرئيس
قال الرئيس السادات : لقد طلبتمن امريكا ضماناً كتابياً لإجراء فك اشتباك ثان علي الجولان ، ولهذا-فبعيدا عنالتأثر بالأصوات العالية التي شوشرت علينا - فإن هذا الموضوع منته ، كذلك فإنالتعرض لمشكلة حلول لقضية فلسطين ، لن يكون في غيبة ممثلي الشعب الفلسطيني ، ونحنلن نهدأ ولن نستقر الا اذا حلت قضية فلسطين حلا يرضاه شعب فلسطين ، وجبهة التحريرالفلسطينية ، بإعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لهذا الشعب
طلبت ايضا من امريكا ضمانا بإشتراك الفلسطينيين في التسوية لأنهبدون حل مشكلة فلسطين لن تكون هناك تسوية
اني اعتبر هذه الموضوعات كلها مقررة وواردة في اية مشروعات تستهدفالحل
انما الشئ المزعج حقيقة هو مايدور في لبنان ، انه شئ خطير ومخيف ،ان تتعرض لبنان لهذه الأعمال الدموية علي ارضه ، وبقدر حرصي علي حركة الفدائيينالفلسطينيين داخل لبنان فإني ، اعتقد انه لو تخلصت لبنان ، من ألوان التدخل فيشئونه ، واستغلال الأطراف المتنازعة لزيادة الخلاف وإذكاء روح الصدام لتمكن الاطرافمن التفاهم وحل مابينهم من مشكلات ، ان هذه الأطراف تعيش علي ارض واحدة ، واضطرابالأمن تدفع ضريبته كل الأطراف ، ولو ان الأمر اقتصر علي مابين السلطة اللبنانيةوالمقاومة ، لما تصاعد الخلاف كل يوم علي هذا النحو ، ولست ادري كيف يفكر الحزبيونفي ترجيح مصالح حزبهم ، علي المصالح القومية في لبنان ، ان الأحزاب لن تتحملمسئولية الدمار لو وقع ، وستتهرب من المسئولية ، لو تفجر الموقف ، وأخذ يهدد بكارثةأشد هولا من كارثة الهزيمة في سنة ١٩٤٨ ، ان مسئولية الأمة العربية كلها عما هو جارفي لبنان يحتم عليها ، ان تحول بين القوي الخارجية وتخريب بلد عربي شقيق وعزيز ،وتشتيت جهوده ، وانصراف اهله الي الهروب من الخوف والفزع والخطر المستمر ، فلايعودلهم بعد ذلك جهد يبذل في سبيل لبنان وخدمته وتطويره
قلت للرئيس : ولهذا كان نداء سيادتك صريحاً برفع الأيدي من لبنان .. لكن أية أيد ياسيادة الرئيس ؟ قال الرئيس السادات : ان اصحاب الأيدي يعرفون انفسهم، لأن ايديهم مضرجة بدماء الأبرياء، وبالنهب والسلب والتشويه
قلت للرئيس : هل نمد بصرنا صوب المغرب العربي .. أو بصراحة نحوليبيا ؟
قال الرئيس السادات : كلهم أبنائي ، وليس بيني وبين أحد سوء ، وبقدرمايحتفظ الأخوة في لبييا بحسن الجوار ، والإلتزام العربي ، فإني لا احتفظ لهم الابالود والتمني بأن يوفقوا في خدمة شعبهم وبلادهم
قلت للرئيس : وهذا العالم الواسع الذي نعيش فيه ياسيادة الرئيس ؟
قال الرئيس السادات : انه عالم متغير ، سريع الحركة ، متيقظ لمصالحه ، عامل عليصيانتها ، وليس هذا شأننا ، يكفينا من العالم ان يتبادل معنا الإحترام ، وان يؤمنبقضيتنا ، وان يعطينا بقدر ما يأخذ وألا يرجح اعداءنا علينا ، وان تكون نظرته لهذهالمنطقة ولقضية فلسطين ، نظرة موضوعية تؤدي الي الحل الشامل الذي نريد ان نصل اليه، ونحن فوق هذا جزء من العالم الثالث ، وقضايا الحرية والتحرير هي قضيتنا ، والذينيعملون للتحرير ، ينتصرون للثوار والأحرار والمناضلين من أجل أوطانهم في كل مكان .. ولاشك ان لقادة افريقيا مكانة خاصة في قلوبنا فقد تابعنا حركات التحرير فيها حركةبعد حركة وشعورنا الدائم والمتصل ان تحرير اي شبر في افريقيا اضافة الي حصيلةالحرية وزيادة في اعداد الأحرار علي وجه الكرة الأرضية
وفي مجال الصراع بين الكتل الكبري ، فنحن نشعر اننا لسنا طرفاً فيه، وليست لنا مصلحة في الإنتصار لهذا ضد ذاك اننا دولة محايدة ، تؤمن بعدم الإنحياز، لكن حيادها الإيجابي لايمنعها من ان يكون لها رأي ، وليس معني الرأي ان تترتبعليه خصومة ، او تقوم من أجله صداقة علي حساب الآخرين
اننا احرار ، وارادتنا حرة ، ومهمتنا لم تنته ، وتحرير كل شبر منأرضنا المحتـلة لم يتم ، وسنمضي نتخذ كل وسيلة لتحرير أرضنا ، واقرار حق شعب فلسطينوسيادته علي أرضه
وإني لعلي ثقة من ان العرب هم دائما عرب ، يختلفون حينا ، ويتفقونحينا ، لكنهم في أول الأمر وآخره عرب فيهم شهامة ونخوة ومروءة ، وطبيعة اغاثةالملهوف جزء من تقاليدهم ، فمن باب أولي ، ان يتحدوا في نضال يعرفون انه طويل ،لكنهم يعرفون كذلك انه حتمي وضروري ، وليس عنه بديل
قلت للرئيس السادات والحديث متصل : سيادتك حرصت علي زيارة مقهيللسائقين في الاسماعيلية ، كنت تجلس عليه أيام شبابك وأيام نضالك ، لتستعيد ذكرياتعزيزة عليك وغالية
وضحك ، وانا امضي أقول : واظن ان مكتبك في جريدة الجمهورية يحملأيضاً ذكريات عبقة وشذية ، وفيه تركت لحظات معاناة ، وانت تكتب ، وانت توجه ، وعليكراسيه طالما جلست تتحدث الي المحررين
افلا يكون من العدل ، ان تختلي في مكتبك القديم لحظات ، تراجعالبروفات ، وتقرأ البرقيات وتملي ماتشاء من تعليمات ، استعادة لهذا التاريخ القديم؟ وظل الرئيس يضحك ، وهو يستعيد الذكري
ولم يرفض سيادته الدعوة علي كل حال
ولاتزال في الجعبة تصريحات أخري عزيزة ، ولكن اعلانها لم يحن بعد
وستستمر الشجرة ذات المائة عام ، تتسمع الي أقوال القروي الفلاح ،أين البيئة ، وابن القرية ، وعاشق طبيعة مصر ، البسطاء الطيبين من ابناء مصر
وسيظل انور السادات يسترخي لحظة ، تأهبا لنوبات حراسة لاتنقطع .. للأعواد الخضر ، والنهر الخالد ودخان المصانع ، وابتسامات الأمل ، علي وجوه أرقهاالصبر