حديث الرئيس محمد أنور السادات
لمجلة اكتوبر
فى١٦ أبريل ١٩٧٨
سؤال : سيادة الرئيس : فى أول حديث لك مع " جيروزاليم بوست " الاسرائيلية أعلنت وانت تشير الى بحيرة ناصر أنك تريد السلام لكى تتفرغ لمشاكلالطعام فى مصر .. وقلت إنك تريد أن تبيع أسماك بحيرة ناصر كما تبيع اسرائيل اسماكنامن بحيرة البردويل وفى نفس الوقت أعلنت أيضا فى مجلة "اكتوبر " أنه ليس عندك أى أملفى ان تعلن اسرائيل مبادىء تحقيق السلام .. فهل كانت مصادفة أن يرتبط الأمن الغذائىبالسلام بمعنى أن يكون السلام شرطا لتحقيق الأمن فى الداخل والخارج ؟
الرئيس : إعلان ذلك فى وقت واحد مصادفة ، ولكن مشاريع التغذية والبناء الداخلى عموما لمتفارقنى لحظة واحدة وقد أعلنت عن آمال مصر سنة ٢٠٠٠ وجاء ذلك فى ورقة اكتوبر وقلت : إن الخطر الحقيقى على أية أمة هو ان تتعثر خطواتها فى الخروج من دائرة التخلف وأنهالمهمة صعبة جدا ولكنها ليست مستحيلة اذا ما نحن نذرنا انفسنا لها جميعا
فعندنارصيد عظيم من التجارب فى كل المجالات ، ولدينا الكفايات والامكانيات .. لو أنناجندنا كل ما لدينا وكل من لدينا من أجل هذه المهمة وفى الاتجاة الصحيح ، فسوف ننجحبإذن الله ولا شىء يضايق الانسان إلا أن يجد نفسه امام مشكلة صعبة او عسيرة الحل ثملا يجد لها حلا أو لا يجد منها مخرجا فاذا عرفنا أن الكثير من المشاكل تتراكم بعضهافوق بعض وتصبح عائقاً امام أى حل او أمل فى الحل ادركنا جسامة الصعوبات الفادحةوفداحة اليأس من حلها
ولكننا عرفنا كيف نجتاز الموانع المادية من اجل التغلبعلى الموانع النفسية ايضا .. وأروع دليل على ذلك عبورنا لقناة السويس مرة اخرى منتحتها الى سيناء .. وفى ذلك اشارة مؤكدة الى اننا اذا عزمنا .. عن علم وايمان .. فسوف نصل الى ما نريد
واسرائيل لم تضيع وقتها فهى الى جانب الاستعداد العسكرىالهائل فانها تستفيد من الارض التى احتلتها ومن البحر والبحيرات .. وهى تستطيع ذلكلأن مواردها من المال والسلاح والخيرات الاجنبية لاتنفد .. بينما نحن مواردنامحدودة .. وهذه الموارد قد استنفدناها فى الاستعداد والإعداد لحرب ضرورية لاستردادحقوقنا بالقوة .. لكن اذا وجدنا سبيلا آخر الى استرداد الحق فى ظل القوة .. فيجبألا نتردد فى ذلك .. فكانت مبادرة السلام أسلوبا نبيلا فى تحقيق السلام بغير حرب ،وتحقيق الأمن بغير دم وتوفير المال والعرق لكى ننفقها جميعا من اجل الطعام .. اطعامأربعين مليونا من المصريين . وابن خلدون هو الذى قال لنا إن العمل هو نهاية الفكرة .. أو بعبارة اخرى أن الامل هو بداية الفكرة .. والعمل نهايتها .. فنحن آمالنا فىالله عظيمة أن نزرع ونطعم شعبنا ، ولذلك فكرنا ودبرنا وحشدنا علماءنا فى كل ارض لكىيفتشوها ، تحتها وفوقها لعلنا نهتدى الى مزيد من الطعام لكل هذه الافواه وسوف تنتهىهذه الافكار العلمية المدروسة بالعمل الجاد استنادا الى احدث ما اهتدت اليه بيوتالخبرة العالمية فقد اعطيناها كل تصوراتنا للارض والماء والمعادن والجو والمواصلاتوالمساكن ولذلك سوف تكون بداية الطريق والطريق نفسه الى الامن من الجوع مشرفةومذهلة ايضا
سؤال : سيادة الرئيس .. كانت لدينا مشاريع اخرى وتعلقت بها أحلامناايضا .. ورأينا فيها تجارب رائدة .. مثل مديرية التحرير والوادى الجديد نفسه ولكنبعد وقت قصير انهارت هذه الآمال العريضة امام التكاليف الفادحة ... فما الذىاتخذناه هذه المرة حتى لا يتكرر ما حدث وحتى لا تصدم الناس فى آمالهم واحلامهم مرةاخرى ؟
الرئيس : اعرف جيداً ويعرف كثيرون غيرى أن مديرية التحرير قد تكلفت اكثرمن ٦٠٠ مليون وجاء عائدها تافها واعرف ايضا ان الوادى الجديد كانت له اخطاء رغم أنهمشروع عظيم ومن بين هذه الاخطاء أن جانبا من المشاريع الزراعية كانت بعيدة عن خزانالمياه الجوفية ، مما أدى الى بوار الارض التى كان مفروضا أن تتحول الى جنات تتفجرمن تحتها عيون المياه الهائلة ومن الاسباب ايضا عدم الاستمرار ، اى عدم المتابعةواغفالها ونسيانها تماما فلم ير ابناء الوادى الجديد لا موظفا كبيرا ولا مسئولافأحسوا وهم معذورون أنهم خارجون عن مصر او انهم ليسوا منها .. لقد كانوا بعيدين عنعيون مصر .. فأصبحت بعيدة عن قلوبهم - مع الاسف - وبزيارتى هذه المرة وزيارات قادمةلن نقع فى نفس هذه الاخطاء وقد درس الخبراء فى وزارات الزراعة والرى والاسكان ومعهدالصحراء مناطق الوادى الجديد التى رأيتها وحسبوها بمنتهى الدقة ووضعوا الخططالعلمية الشاملة واحتمالات النجاح والفشل بل احتمالات النجاح فقط لأن الوفاء بماتعهدنا به ، الارض والمياه شىء مذهل حقا وما نسميه الوادى الجديد الآن هو هذهالمنخفضات المشهورة : واحات الخارجة والداخلة والفرافرة وما بينها من وديان اماواحة سيوة فهى تابعة لمحافظة مطروح وواحة البحرية تابعة لمحافظة الجيزة وهذا الوادىالجديد يساوى بالضبط ٤٠ % من مساحة مصر و٦٥ % من صحاريها .. وهذا الوادى هو كلالارض التى يقل مستواها عن ٢٠٠ متر فوق سطح البحر
أما منخفض القطارة فهو يصل فىانخفاضه عن سطح البحر الى ٨٠ مترا وهذا المنخفض له مشاريع خاصة ولذلك لا علاقة لهبالوادى الجديد وقد مررت على هذه الواحات ورأيت أهلها وأرضها وطرقاتها أو على الاصححاجتها الى مزيد من المواصلات البرية والجوية التى تربطها بعضها ببعض وبالوادىالقديم وبالبحر الاحمر .. وتربطها بطريق الاربعين وهو طريق القوافل بين مصروالسودان واذا ما تيسرت المواصلات أقام الناس وترابطوا
وهناك عبارة تقول : إنالحضارة نفسها هى المواصلات ، وهذه العبارة صحيحة ، ولذلك وجدنا الحضارات الشهيرةتقوم فى وديان الانهار حيث يتولى النهر ربط الناس بعضهم ببعض .. فهو طريقهم البرىوالمائى وهو ايضا مصدر حياتهم وآمالهم .. ولذلك عبدت الحضارات القديمة الانهار وكلمصادر الحياة الاخرى : كالشمس والهواء والماء والارض وحيوانات الحقل
سؤال : سيادة الرئيس .. هناك ما يشبه المزايدات بين بعض المسئولينبمنتهى حسن النية طبعا.. عن مساحات الارض التى تمكن زراعتها حتى نهاية القرن .. فهاك من يقول إنها مليونان من الافدنة ومن يقول ثلاثة واربعة وستة ملايين مع أننالو افلحنا فى زراعة مائة الف فدان فى السنة الواحدة لكان انجازا عظيما .. ألا ترىسيادة الرئيس أن مثل هذه الارقام بدلا من ان تدعو الى الأمل فانها تدفعنا الى اليأسلانها تكرر نفس النغمة القديمة التى لم يتحقق بسببها إلا القليل ؟
الرئيس : ولذلك فأنا ادعو الى الاحتراس الشديد فى اعلان مثل هذه الارقام وأرى أنه يجب الاننساق وراء آمالنا فنجنى بذلك على آمال الناس فالمشكلة التى امامنا خطيرة وجليلةفنحن فى ٢٥ عاما لم نصلح سوى ٩٠٠ الف فدان فى حين أن اسرائيل ارتفعت بارضهاالمزروعة من ٧٥ الف فدان الى ٤٠٠ الف فدان مع الفارق الهائل فى مساحة ما لديناواحتياجاتنا وعددنا والكفاءات المتوافرة لدينا
ولذلك يمكن أن نقول دون مجازفةإن من آمالنا زراعة مليونين ونصف فدان حتى نهاية القرن او اكثر قليلا وهذا فى حدذاته إنجاز عظيم جدا ، وليس هذا فقط بل أن هناك مشاريع اخرى تتعلق بالمعادنوالمساحات المائية وكذلك الخدمات كل ذلك من الضرورى أن يتساند بعضه على بعض وأنيأخذ بعضه بيد بعض من أجل تحقيق الوفرة والرخاء لشعبنا فاذا نظرنا الى واحةالفرافرة وحدها نجد أن سكانها ١٢٠٠ نسمة وبها ثلاثة ملايين ونصف المليون من الأفدنةوالصالح منها للزراعة ٧٠٠ الف فدان بينما المزروع حاليا حوالى ١٥٠فدانا
وواحة الداخلة بها مليون وربع مليون فدان والصالح منها ٤٠٠ ألف ،والمزروع تسعة آلاف فدان فقط والمسافة واسعة بين الارض التى تصلح للزراعة وبيناصلاحنا لها فعلا فهذا الاصلاح يحتاج الى مجهود فردى وجماعى هائل ويحتاج الى خبرةوالى مال والى وقت والى خدمات وما دمنا قد اخترنا التكنولوجيا المعاصرة فيجب أننحترم العلم الحديث ووسائل تطبيقه لآمالنا فلن يذهب الفلاحون الجدد الى هذه الارضبدون مواصلات ولن يذهبوا دون أدوات زراعية حديثة ولن يقبلوا ولا نحن نقبل أن يكونوافى عزلة عن مصر وعن العالم بل إن الملاحظ الآن أننا كلما مددنا طريقا من الاسفلتبين الواحات اقام البدو والفلاحون على جانبيه وهذا طبيعى ، وربما أدى ذلك الى تفسيرلماذا نجد واحة البحرية التابعة لمحافظة الجيزة لا لشىء الا انها على صلة برية بهاوكذلك واحة سيوة وارتباطها بريا بمطروح ولنفس السبب يجب أن ترتبط كل هذه المناطقالرائدة لثورتنا الخضراء بالوادى القديم والبحر الاحمر وكل مصر والعالم ايضا
سؤال : سيادة الرئيس ألا ترى أن هذا الامتداد او هذا التوسع الزراعىوالصناعى الى الغرب معتمدا على احدث اساليب العصر يقتضينا أن نعيد النظر فى مضامينكثيرة من بينها العناية بالتعليم الزراعي او الفنى والتوسع فى ذلك او ما يسمىبقانون " الخدمة العامة " الذى هو شرط اساسى يسبق تعيين اى خريج جامعى فى أى مكانوأن تكون الخدمة العامة فى مثل هذه الاماكن الجديدة من مصر وأن تكون الخدمة العامةواجبا قوميا للمساهمة فى بناء وزراعة الوادى الجديد وفى بحيرة ناصر وما حولها وعندشواطىء البحر الاحمر ؟
الرئيس : إن هذه قضايا واردة وسوف يعرض على مجلس الوزراءأن يعيد النظر فى قانون الخدمة العامة وإن كنت ابادر الآن فأدعو ابناء مصر لزيارةهذه المناطق من بلادهم لمعرفتها على حقيقتها ولكى تأخذهم روعة المناظر الجميلةوالارض المزروعة والمناجم الغنية واعظم من ذلك أن يجدوا مواطنين قد تفرغوا دون صورةاو صوت لهم لخدمة مصر وهم سعداء بذلك إننى ما ازال اتغنى باستاذ كبير فى واحةالبحرية أقام لنفسه مزرعة نموذجية وهو سعيد بها - وأنا أيضا - كما أننى رأيت احدابناء الوادى تخرج فى الجامعة وقرر أن يعيش ليزرع وينتج وهو بذلك نموذج يجب أنيحتذى وأن يتكرر ومصر فى حاجة الى الأيدى العاملة والعقول المفكرة فمشاريعنا كثيرةوآمالنا عريضة وليس من المستحيل أن نحقق كل ما نتمناه لانفسنا ولشعبنا
فهذه ارضمصر لابنائها فليملكوها وبذلك تكون مصر قطعة منهم كما أنهم قطعة منها وسوف نعطى لكلفلاح أرضا لا تقل عن عشرين فدانا وسوف نساعده على زراعتها وحمايتها وسوف نفجر لهالمياه من الارض واذا اراد احد او شركة او هيئة مصرية او اجنبية أن تختار مساحاتأكبر فسوف تضع تشريعا خاصا يرفع الحد الاقصى للملكية تشجيعا على التنافس من أجلرفاهية مصر
ولقد صدق الله العظيم عندما قال : " وجعلنا من الماء كل شىء حى " فالوادى الجديد ليس فى حاجة الى شىء : التربة حمراء قوية والماء متوافر تحت هذهالتربة فهناك خزان للمياه الجوفية يكفينا لمدة ٧٠٠ سنة والمياه تخرج من الخزانبالدفع وليس بالرفع - اى بالدفع الطبيعى فترتفع الى اربعين مترا وليس بالدفع بواسطةالمضخات وهناك عيون حفرها الناس وهناك آبار عميقة
ومن الغريب ان الفراعنة قدعرفوا ذلك من الوف السنين ، فعرفوا كيف يصونون مياه النيل اى يقيمون هناك أدلةأثرية على أن الفراعنة عرفوا العيون وخزانات المياه ومستودعات الغلال بل إنالمؤرخين اطلقوا على مصر اسم " سلة خبز " الامبراطورية الرومانية وقصة النبى يوسفعليه السلام تؤكد أنه عندما حدثت مجاعة الغلال فى فلسطين جاء ابوه واخوته يشترونالقمح من مصر ورمسيس الثانى طلب ان ينقش على معبد ابى سمبل أن الالهة قد وعدوه بأنتتغطى الارض بالقمح - وان ترتفع سنابله الى السماء ، ولكن عرفت مصر الجوع بسبب قحطالنيل - أى انخفاض منسوبه ولذلك قرأنا انه فى عهد رمسيس التاسع حدثت قصة مضحكة أناحد لصوص المقابر ضبطوه يسرق قمحا فاعترف بأنه دخل المقبرة وسرق القمح وقال لولاأنهم ضبطوه لتركه فى مكانه ولكن شخصا آخر هو الذى غرر به وشجعه على ذلك والقصةمليئة بالمعانى فهى تصور ما الذى يفعله الجوع بالناس وفى نفس الوقت تصور ان التنصلمن الغلط وإلقاء اللوم على الآخرين قديم ايضا ؟ ومحافظة الوادى الجديد عندما اختارتلنفسها شعار سنبلة القمح على ارضيه بيضاء فوق موجات زرقاء فقد اكدت هذه المعانى : إن الصحراء تنبت القمح الممتاز من خزانات المياه الجوفية ومن الواجب أن نحتاط وأننتحفظ فى إطلاق كثير من الاحكام - وليس معنى ذلك أن الأمل الذى نعطيه نسترجعه مرةاخرى بالطبع لا : فقد ذهب العهد الذى تكلفنا فيه جميعا بتأميم آمال الناس .. وانمااردت أن ادعو الى أن نطيل السمع الى الخبراء فى الزراعة والرى والاسكان والصناعة
سؤال : سيادة الرئيس .. هل المقصود بالتحفظ هنا أن تراجع بياناتالزراعة او بيانات الرى .. او التخطيط الاقليمى للمنطقة كلها .. او التهجير السكانىاو زراعة القمح دون سائر الغلات الاخرى ؟
الرئيس : اقصد أن هناك اجتهادات بينخبراء المياه فيما يتعلق برى التربة : فالوادى الجديد سوف يعتمد فى الدرجة الاولىعلى المياه الجوفية وليس على مياه نهر النيل بل إن المياه الجوفية لا علاقة بهابنهر النيل مطلقا لأن هذه المياه تجيء من تشاد وتجىء من اواسط افريقيا .. وهى علىمسافات متباعدة من سطح الارض والمستوى القريب منها هو الذى تصل اليه الآبار التىيحفرها الاهالى والمستوى البعيد تبلغه الآبار التى تقوم بحفرها الدولة فالبئرالواحدة كانت تتكلف من عشرين عاما ثلاثين الفا من الجنيهات
أما التحفظ فسببه أنلنا عادات فى رى الارض غير علمية تقوم على الاسراف الشديد فى غمر الارض بالمياه دونأن تكون الارض فى حاجة الى ذلك وهى فى الحقيقة ليست فى حاجة الى ذلك ، فمتوسط مايروى به فدان القصب مثلا هو ٢٥ الف مترمكعب والحقيقة أن ما يحتاجه هو نصف هذهالكمية بينما نجد أن الأرض فى اسرائىل مثلا تحتاج الى نصف النصف .. بل لو اننااستخدمنا المعدل الاسرائىلى فى رى ارضنا لروينا ٣٥ مليون فدان ولذلك فأكثر مياهناتتجه الى المصارف ومنها الى البحر بينما يمكن استخدام مياه الصرف مرة اخرى بخلطهابالماء الحلو أو دون خلط ولكننا لا نفعل ثم أننا سوف نستخدم الرى بالرش او التنقيطويذهب بعض الخبراء الى أن أحد أسباب ضعف التربة وانهيارها فى الصعيد اسرافنا فىاستخدام الماء مما أدى الى ارتفاع منسوبه السطحى والجوفى فأضعف التربة وأمات النباتايضا
ولقدتحولت بعض الاراضى فى النوبارية وفى الوادى الجديد الى مستنقعاتبسبب الاسراف فى استخدام مياه الرى وربما كان هذا تحفظاً شديداً ولكن لابد منالاحتياط فى استخدام الكثير ، حتى لا يصبح قليلا بعد ذلك إن الماء مشكلة الشرقالاوسط كله ولكنه ليس مشكلة عندنا فاسرائيل تضخ مياهها وترفعها من بحر الخليل فىانابيب تحت الارض قطرها ١٠٨ بوصات وتستخدم كل قطرة ماء بل إنها تستخدم المياهالشديدة الملوحة فى رى التربة وانواع من النباتات وتشرب من المياه التى قامتبتحليتها كما تفعل دول عربية كثيرة
بل إن هنا مشروعا فرنسيا فادحا لنقل جبالالجليد من القطب الجنوبى الى السعودية عبر المحيط الهندى والبحر الاحمر ويقال إنهذا المشروع سوف ينقل جبالا حجمها ثمانون مليون متر مكعب وسوف تتعرض هذه الجبال الىاشعة الشمس والى الموج والرياح والتيارات البحرية ورغم انها ستكون مغطاه بالبلاستيكالذى سمكه عشرون بوصة فسوف يصل نصفها الى الموانىء السعودية وسوف يتكلف لتر الماءبعد ذلك نصف دولار - وهو مشروع خيالى وفادح الثمن وليست عندنا مشكلة مياه نهرية اوجوفية .. وانما المشكلة هى : الانسان او جهد الانسان ولكن مع الامل والعمل وحرصناعلى أرضنا ورخائنا ومستقبل اولادنا ، سوف ننتصر على أنفسنا : على الخوف من الجوعوالمرض والبطالة فالذى حققناه لانفسنا ولمصر وللامة العربية ليس بالقليل وان كان قدتحقق فى وقت قليل
سؤال : سيادة الرئيس أعود الى أسماك بحيرة البردويل التى تصيدهااسرائىل وتصدرها .. فرغم أننا نعلم هذه الحقيقة وان لدينا بحيرة أكبر وأضخم وأننافى حاجة الى مزيد من الاسماك فإن الذى قيل عن مشروعات بحيرة ناصر كثير جدا والذىتحقق قليل أو لم يتحقق شىء حتى الآن .. وما زلنا نسمع عن الاسماك المتوحشة التى لايصيدها احد واذا صادها فلن يتذوق لحمها الجاف
الرئيس : إننى اجد للناس الف عذرفهم فى حاجة الى الرغيف والى السكر والى اللحم والى الكساء والمسكن وأعرف الصعوباتاليومية واعرف تماما جنون الاسعار صاعدة دائما واعرف الطرق الملتوية التى يسلكهاالتجار ويستدرجون اليها المستهلكين وينفردون بهم
ولذلك فالناس ينتظرون الخلاص منهذا العناء الذى ليس محليا ولكنه عالمى ايضا وربما كان وصف هذا العناء بأنه عالم لايخفف كثيرا من وقعه على الباحث عن الرغيف والسكن ولكننا يجب ان نحاول وان نتجملبالصبر ونحن فى الطريق الصحيح الى حل هذه المشاكل سواء فى الوادى الجديد او بحيرةالسد العالى او المناجم او على الشواطىء او تحت مياه خليج السويس
فالصيد فىبحيرة ناصر ما يزال بدائيا وما يزال الصيادون يعيشون كما ترى فى الافلام القديمةيأكلون وينامون فى زوارقهم وينتظرون السفن التى تنقل لهم الطعام والشراب وتأخذصيدهم فى الوقت المناسب فاذا تأخرت عنهم ألقوا بالسمك فى البحيرة ، انهم مثل عمال " التراحيل " وفى الامكان التوسع جدا فى صيد اسماك البحيرة ونقلها الى القاهرة اذااستخدمنا الأساليب الحديثة فى صيد السمك وحفظه ونقله او تنظيفه وتخليصه من الاطرافوالاحشاء التى نجعلها علفا للدجاج اذا ما وفرنا السكن والخدمات لعمال البحيرة وانهلشىء طريف حقا أن نجد فى احدى الواحات بحيرة مساحتها عشرون فدانا قد زرعوها بالسمكالبلطى إنه نوع من الاكتفاء الذاتى وقد لجأت كثير من الدول الاسيوية حتى المطلة علىالمحيط الى هذا الاسلوب فنجد كل فلاح قد جعل امام بيته حوضا للاسماك يزرع فيه السمكلاستهلاكه الخاص ومن الغريب حقا أن هذه الاسماك الآسيوية اسمها " الاسماك النيلية " نسبة الى نهر النيل
وصحيح أن هناك قطارات تنقل الاسماك الى القاهرة ولكن حتىهذه الطريقة ما تزال بدائية لانهم يملأون احدى الضربات بالثلج فتصل اسوان بعد انيكون قد ذاب نصف الثلج ويملأون النصف الباقى بالسمك ولذلك قدمنا مشروعا مدروساوطرحناه فى عطاء عالمى وتقدمت اكثر من ستين دولة لصيد السمك وتصنيعه وبناء ميناءعلى البحيرة وسوف نشارك نحن ايضا بتقديم الخدمات والتيسيرات الاخرى وربما بدت هذهالمشاريع كلها مساحات صغيرة على الخريطة ولكنها اعباء هائلة على الدولة يجب أنيساهم فيها الشعب والهيئات المصرية والاجنبية
فليس بالحكومة وحدها يمكن إصلاحكل اجهزة ولا زراعة كل الارض ، ولا صيد كل السمك واعود أنا أيضا الى أن اقول إنانشغالى بأسماك بحيرة البردويل التى استولت عليها اسرائيل لن ننساه بسبب انشغالناباسماك بحيرة ناصر والبحر الاحمر وانما سوف نتذكر ذلك دائما وخير لاسرائيل أن تتذكرايضا أننا استعدنا مساحة صغيرة من أرضنا ولكن كثيرا جدا من كبريائنا اما اسرائيلفقد استولت على كثير من أرضنا ولا يعادل الارض التى استولت عليها ، إلا القلق الذىاستولى عليها فالارض لم تعطها الامان واسماك البردويل لم تحقق لها الأمن الغذائىولا الأمان فهى تعيش على رغيف امريكا وزيتها وصاروخها وفلوسها ايضا وحتى لا نعتمدعلى غيرنا فى أكثر ما نحتاج اليه من الضروريات نحن فى حاجة الى تكثيف الجهد لنضاعفالانتاج وقد افلحت دول كثيرة فى زيادة انتاجها اليابان ضاعفته ست مرات وبلغارياضاعفته اربعين مرة فالعلم لا يعرف المستحيل ، ولكن لا علم بغير انسان او بغير جهدانسانى وفى ذلك فليتنافس المتنافسون