حديث الرئيس محمد أنور السادات
مع مجلة الهلال
عن اسرار هزيمة يونيو وانتصار اكتوبر
فى٣٠ سبتمبر ١٩٧٦
سؤال : ذكرتم أكثر من مرة ان قواتنا المسلحة كانت كبش فداء عام ١٩٦٧و انها لم تحارب معركتها الحقيقية و انها تحملت الظلم الذي وقع عليها بالرغم منها . ما هي في رأيكم تلك العوامل التي جعلت من قواتنا المسلحة كبش فداء في جولة يونيو ١٩٦٧ ؟
الرئيس : لكي أروي هذه القصة لابد ان أعود الي الوراء قليلا . ففيأول يونيو سنه ١٩٦٧ كان واضحا كل الوضوح ان إسرائيل قررت ان تقوم بعدوان علينا و انتدخل معركة ضدنا ففي ذلك اليوم شكلت اسرائيل حكومة ائتلافية دخلها " موشي ديان " كوزير للحربية وكانت هذه الحكومة تعني شيئا واحدا هو الحرب وفي هذا الوقت كانتقواتنا كلها محتشدة في سيناء و كنت أذهب الي القيادة و احضر الاجتماعات التي كانيعقدها جمال عبد الناصر - رحمه الله و قد امتدت هذه الاجتماعات طيلة الاسبوع الأخيرمن مايو وانتهت يوم ٢ يونيو و كنا نراجع كل شيء في هذه الاجتماعات ومعنا قادةالقوات المسلحة و هذا ما جعلني أخيرا أشير علي لجنة التاريخ ان يأخذوا شهادة هؤلاءالقادة العسكريين الذين مازالوا احياء ان هذه الشهادات ستكون مهمة جدا حتي تصبحالمسائل مؤصلة
كنا نجتمع - كما قلت - مع قادة القوات المسلحة و كان واضحا منذ يومالخميس أول يونيو ان المعركة قادمة لا ريب فيها . و كان آخر اجتماع لنا في القيادةقبل الحرب هو الاجتماع الذي عقدناه يوم الجمعة ٢ يونيو و في هذا الاجتماع صدق جمالعبد الناصر بوصفه القائد الأعلي للقوات المسلحة علي الخطة العسكرية الكاملة
في يومي السبت و الاحد لم نذهب الي القيادة . و في يوم الاثنين ٥يونيو صباحا استيقظت من نومي كالمعتاد في وقتي الطبيعي ، استيقظت لأسمع ان اسرائيلهجمت، و عندما سمعت الخبر كنت في قمة السعادة فقد قلت لنفسي " طيب خليهم ياخذواالدرس و العلقة اللي احنا محضرينها لهم "
واستمعت و انا في البيت الي بيانات القيادة المصرية : الطائراتالاسرائيلية تسقط . واعداد هذه الطائرات تتكاثر من بيان الي بيان .. قلت لنفسي مرةأخري " جميل جدا " لقد بدأت اسرائيل تتلقي الدرس و تأخذ العلقة المناسبة . و أكملتبرنامجي الصباحي العادي . ثم ركبت عربتي و ذهبت فورا الي القيادة في العباسية حيثكنت أسكن أيامها في الهرم و علي باب القيادة قابلني أحد الضباط و صحبني إلي الدورالخامس تحت الارض حيث يوجد مقر قيادتنا . وفي الطريق كان الضابط يحكي لي بفخر عناعداد الطائرات الاسرائيلية التي اسقطناها . وقد لاحظت ان هذه الاعداد قد تضاعفت عنالاعداد التي سمعت بها و انا في منزلي في الهرم . أي ان الاعداد الجديدة منالطائرات الاسرائيلية التي سقطت قد تم اسقاطها في الوقت القصير الذي قطعته من الهرمالي العباسية ، شعرت بمزيد من السعادة و الاطمئنان. و قد زادني شعورا بالاطمئنان ماتذكرته في تلك اللحظة عن اجتماعاتنا المتعددة في القيادة و التي استمرت حتي ٢ يونيةأي قبل العدوان بيومين فقط فقد كانت خططنا جاهزة في هذه الاجتماعات و لم يكن هناكما يبرر مفاجأتنا ، فقد كنا ندرك منذ أول يوم في يونيو ان الحرب قادمة . كل هذازادني اطمئنانا و انا في طريقي الي القيادة
ووصلت الي الدور الخامس تحت الارض حيث مكتب المشير عبد الحكيم عامرالقائد العام للقوات المسلحة و دخلت عليه . وجدته واقفا وراء مكتبه ينظر الي الامامبعيون زائغة تائهة . ومرت أكثر من ثلاث دقائق و انا اقف امام عبد الحكيم عامر دونان يراني قلت له "صباح الخير يا عبد الحكيم " لم يرد .. و اخيرا تنبه الي وجودي وقال " صباح الخير يا انور " و كانت عيونه لا تزال زائغة مضطربة
هذه الصورة جعلت الاطمئنان الذي جئت به الي القيادة يهرب من قلبي .. أحسست ان هناك خطأ خطيرا في الأمر و بدأت أشك في احساسي باننا ضربنا الاسرائيليينالعلقة المنتظرة حسب الخطة الموضوعة جلست علي >الكنبة الموجودة في مكتب عبدالحكيم عامر . سألت : ماذا حدث ؟ فسمعت الاجابة التي اذهلتني . قيل لي ان سلاحالطيران المصري كله ضرب علي الارض و ان مدير سلاح الطيران جالس يبكي في القيادة .. وما فائدة دموع قائد الطيران ؟ ما فائدة هذه الدموع ؟ ان المصيبة تكمن في ان قائدسلاح الطيران تكرر منه هذا الخطأ الرهيب فما حدث في ٥ يونيو حدث في ١٩٥٦ و كان قائدسلاح الطيران واحدا في المركزين وقد تمسك عبد الحكيم عامر بهذا القائد رغم ان رأيناجميعا بعد سنة ١٩٥٦ - بما فينا جمال عبد الناصر - هو ضرورة تغيير قائد سلاح الطيران، و لكن عبد الحكيم عامر تمسك بهذا القائد الذي ضربت طائراته علي الارض سنة ١٩٥٦
وها نحن الآن أمام الكارثة نفسها سنة ١٩٦٧ .. الطائرات المصرية تضربكلها علي الارض دون ان تدخل معركة أو ترتفع مترا فوق سطح الارض مكتب عبد الحكيمعامر كان الي جواره صالون .. بعد قليل من وصولي فوجئت بجمال عبد الناصر يخرج منالصالون المجاور و يظهر في مكتب عامر . و كان عبد الناصر قد سبقني الي القيادة حيثلا يبعد بيته عن القيادة اكثر من دقيقتين فبيته في منشية البكري الي جوار القيادة . اما بيتي ففي الهرم ، و لذلك تأخرت عن الوصول بعد سماعي بخبر اندلاع الحرب
خرج جمال عبد الناصر من الصالون و قال يا جماعة اتركوا عبد الحكيميعمل خرجت من المكتب و خرج عدد من اعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانوا حضروا اليالقيادة ايضا صعدت بالاسانسير من الدور الخامس تحت الارض الي ردهة القيادة فوجدتهناك محمد فوزي الذي كان في ذلك الوقت رئيس اركان حرب الجيش ثم اصبح بعد ذلك وزيراللحربية و قائدا عاما للقوات المسلحة .. قلت له " يا فوزي ما هي الصورة الحقيقيةللموقف .. انني لم اسأل كثيرا بعد ما وجدته في مكتب عبد الحكيم عامر من اضطراب ؟قال لي فوزي . الطيران ضرب كله بالكامل . و لكن قواتنا في سيناء متماسكة .. قلت انشاء الله خير .. ارجو ذلك
اخذت عربيتي وعدت الي البيت وتوالت الأنباء بعد ذلك .. علمت انالطيران ضرب والقائد العام في الجو مع قادة القوات المسلحة صباح الاثنين ٥ يونيو . و الادهي من ذلك و الامر . اننا بعد ان تأكدت منذ اول يونيو بان الحرب لم يعد فيهاشك وأنها يمكن ان تقوم في أي لحظة كنا مازلنا في تدريباتنا بالمواعيد والاساليبالمتبعة في وقت السلم.. ففي ساعة محددة يقوم الطيارون بطلعاتهم و ينزلون في الساعةالثامنة والنصف حيث يكونون في هذا الوقت في " الميسات " يتناولون افطارهم . لميتغير هذا الاسلوب و لا هذه المواعيد رغم ان هناك معركة و اعداد للمعركة و اليهودبالطبع كانوا يرصدون تحركاتنا و هذا - كما قلت من قبل مرارا - اصبح امرا سهلا عليناوعليهم . فنحن نستطيع ان نرصد ما يجري داخل اسرائيل . و اسرائيل تستطيع ان ترصد مايجري عندنا . و هكذا لا حظت اليهود ان طائراتنا في الثامنة و النصف تماما تكون عليالارض و ان الطيارين يكونون علي موائد الافطار و لاحظوا ان الطائرات المصرية ليسلها مخابئ ، و لذلك حددوا وقت الضربة في الثامنة و النصف صباحا
في هذا الوقت نفسه كان القائد العام في الجو و معه قادة القواتالمسلحة .. و الذين لم يكونوا معه من القادة في الطائرة كانوا ينتظرون في المطارالذي كان متوجها اليه و هو مطار المليز في سيناء .. و علي ذلك ضرب اليهود ضربتهم والقائد العام " معلق بين السماء و الارض " و معه معظم قادة القوات المسلحة . و منالطبيعي ايضا انه عندما يكون القائد العام في الجو ان تصدر الاوامر للصواريخ بعدمالضرب حتي لا ينطلق صاروخ ليصيب طائرة القائد العام
و هكذا استطاع اليهود ان يقضوا علي الطيران المصري ببساطة في ضربةواحدة وعندما نزل قائدنا العام من طائرته التي كانت في الجو في ذلك الوقت كان فياستقباله حقيقة محددة هي ان سلاح الطيران المصري انتهي
من يوم ٥ يونيو الي يوم ٩ يونيو لم اعد الي القيادة . و كنت اتصلبعبد الناصر فقط وكنت اتصل به من حجرة مكتبي في البيت . اما انا فكنت في هذه الفترةلا اخرج و لا اري احدا كنت اتحرك ما بين غرفة مكتبي في البيت و حجرة نومي .. كانتأياما قاسية مرة
بعد المعركة جاء الينا " بودجورني " وكان معه " زخاروف" الذي كانرئيسا لاركان الحرب السوفيتي انذاك رحمه الله فقد توفي منذ فترة - و اجتمعنا معبودجورني وزخاروف في قصر القبة و كان الوفد المصري برئاسة جمال عبد الناصر و في هذاالاجتماع الذي اذكر تفاصيله جيدا - قال لنا زخاروف لو ان كل سلاح في القوات المسلحةالمصرية اطلق طلقة واحدة لا نتهت اسرائيل . كان كلام زخاروف صحيحا فلو رجعنا اليتقرير الأمم المتحدة في تلك السنة ( سنة ١٩٦٧ عن التسليح في العالم ، لوجدنا هذاالتقرير يقول ان له أعلي نسبة سلاح الي الافراد توجد في الجيش الامريكي ، و يليالجيش الامريكي مباشرة الجيش المصري . و معني هذا الكلام ان كمية السلاح في يدالمقاتل المصري في سنة ١٩٦٧ كانت كبيرة جدا ، فلو ان كل سلاح عندنا - كما يقول - زخاروف - قد اطلق طلقة واحدة لانتهي الامر
مضي ٢١ يوما بعد ٥ يونيو و انا لا اكلم احدا .. حتي اولادي لم اكناكلمهم .. و كانوا هم من جانبهم مقدرين للكارثة و للموقف الذي اعانية
فوجئت فقط يوم ٩ يونيو بعد ان تنحي عبد الناصر و خرج الشعب و عادعبد الناصر الي تولي سلطته مرة أخري .. و في ٩ يونيو بت الليل في مجلس الشعب ( مجلسالأمة في ذلك الوقت ) و ذلك لاني لم استطع ان اعود الي بيتي
و بعد ان عاد جمال عبد الناصر عدت الي البيت و كانت حالتي النفسيةكما هي كنت حزينا الي أبعد حد ، بل كان ما في نفسي شيء اكبر من الحزن بكثير كنتاذهب الي مكتبي كل صباح و كنت اتصل بعبد الناصر وحده . و كنت في مكتبي اقرأ بعنايةكل ما يكتب في العالم عن المصيبة التي حلت بنا . ماهي ابعادها الحقيقية ؟
و بعد ٢١ يوما بدأت اتمالك نفسي
في هذا الوقت خرجت " جيهان لزيارة المصابين و كان في عملها نوع منالتخفيف ، فقد كانت تحكي لي قصصا عن مشاهداتها . وبقدر ما اعادت الي هذه القصص بعضالآمال فانها كانت احيانا تمزقني . كانت تحكي لي ان اولادنا الجرحي في مستشفيالمعادي كانوا يدخلون غرفة الانعاش و هم في حالة هذيان و " هلوسة " و كانوا يقولون " عايزين نقوم .. عايزين نضرب هكذا حالة الضابط المصري و الجندي المصري و هو يموتفي غرفة الانعاش يريد ان يقوم و ان يضرب .. كانوا جميعا في حالة عصبية فظيعة
و عرفت من جيهان ان كل اولادنا الذين ضربوا و جرحوا يقيمون فيمستشفي " المعادي " .. طلبت مدير المستشفي في التليفون .. قلت له : مين عندك منقادة المدرعات؟ قال لي هنا كمال حسن علي
وكمال حسن علي كان قائد لواء في ١٩٦٧ .. و كان في سيناء . قام بهجوممضاد يوم ٧يونيو باللواء الذي يقوده وكان هجومه بالطبع بعد ان فقدنا الطيران و لوعدنا الي الصحف في تلك الفترة لوجدنا ان " موشي ديان " حاول ان يستغل هذا الهجومالمضاد في الدعاية المعهودة لنفسه ولإسرائيل و جيشها . حاول " ديان " ان يقول انهناك هجوما مصريا مضادا و انه هجوم عنيف و رهيب ، و ذلك لكي يكسب لنفسه امتيازالتغلب علي هذا الهجوم المصري الكبير ، وبذلك يكون قد أحرز انتصار صعبا و ليسانتصار سهلا ، و هكذا حاول ديان ان يبدوا و كأنه "ثعلب صحراء سيناء" الثعلب المنتصرالقادر علي كل شيء .. هذا الثعلب الذي قطعنا ذيله في اكتوبر ١٩٧٣ ففي رابع يوم منايام حرب اكتوبر وقف منهارا أمام الصحفيين و قال و هو يبكي " اننا لم نستطيع اننزحزح المصريين بوصة " و بالفعل لم يتزحزح المصريون بوصة واحدة
بالرغم من الثغرة و من الانهزاميين الذين خافوا من الثغرة هنا ، وفي الامة العربية المهم .. بعد ٢١ يوم من ٥ يونيو اي حوالي يوم ٢٦ يونيو ، سألتمدير مستشفي المعادي علي الضباط الذين يعالجون هناك فقال ان كمال حسن علي - قائداللواء - موجود ، و معه عدد من ضباطه و سوف يدخلون بعد قليل حجرة العمليات لاخرجبعض الشظايا التي دخلت رؤوسهم اثناء المعركة . قلت لمدير المستشفي : هل يمكن اناتكلم مع كمال حسن علي وضباطه ؟ قال ممكن
و اتجهت علي الفور من البيت الي مستشفي المعادي لألتقي بالضباط . ولابد من ان اعترف ان الدعاية الاسرائيلية في ذلك الحين نالت مني انا ايضا كما نالتمن الجميع . و قد كان هدفي من زيارة مستشفي المعادي و مقابلة كمال حسن علي و ضباطةان أعرف شيئا عن سر هذه الكارثة . أسئلة كثيرة كانت تمر بذهني و تبحث عن اجابة عندهؤلاء الذين عاشوا في نيران المعركة علي الطبيعة : هل كان سلاحنا علي مستوي المعركةأم لا ؟
هل كان تدريبنا كاملا أم لا ؟
هل ما تقوله الدعاية الاسرائيلية عن أسلحتها الخطيرة و عنالتكنولوجيا التي لايفهمها العرب و علي قدرتها العسكرية التي لا تقهر هل هذا الذيتردده الدعاية الصهيونية صحيح أم لا ؟ هل نحن عاجزون حقا عن استيعاب الأسلحةالحديثة . أسلحة العصر و تكنولوجيا العصر ؟ هل نحن أقل من سائر المتحضرين في هذاالعالم ؟
و التقيت بكمال حسن علي في مستشفي المعادي .. و اخذت اسأله و كانمعه ضابطان صغيران ملازمان اولان " شابان زي الورد" كانا قد حلقا راسيهما بالموسحتي يفتح الاطباء هذين الراسين لاستخراج الشظايا .
قلت لكمال حسن علي: يا كمال يا أبني قل لي حقيقة المعركة . ماذا حدثبالضبط ؟
قال كمال : يا افندم انا عملت هجوم يوم ٧ قلت له ما انا بسألك علشانكده .. هل كان سلاحنا قاصرا ؟ هل كان تدريبنا ناقصا ؟ هل كانت اسلحة اسرائيلية " خرافية " لا استطاعة لكم بفهمها أو استخدامها ؟
قال لي كمال : ابدا يا افندم .. لا شيء من هذا كله علي الاطلاق .. لانقص في السلاح و لا نقص في التدريب و لا أسلحة خرافية عند اسرائيل . انا اروي لكالحكاية كما جرت ؟ من يوم ٥ الي يوم ٧ يونيو و انا في سيناء مع اللواء الذي اقوده .. رايحين جايين .. في سيناء مئات الكيلو مترات كلما وصلت الي مكان وجدت عندي امرابالوصول الي مكان اخر .. و هناك كنت اجد امرا بالعودة مرة اخري الي المكان السابق .. و هكذا قطعنا مئات الكيلو مترات ذهابا و ايابا في سيناء ..و اللواء مائة دبابة .. رايحين علي الجنازير
وهنا اتوقف لاعلق علي كلام كمال حسن علي فنحن عادة نري الدباباتتمشي في شوارع القاهرة فاننا نجدها محمولة علي حمالات لماذا ؟ حتي نوفر " الجنزيرللمعركة وتتوقف قدرة القوات المسلحة و قوتها علي امكان ان تحمل الدبابة الي اقربمكان من المعركة علي حاملة وذلك لتوفير " الجنزير " للمعركة نفسها .. هذا ما يحدثفي كل جيوش العالم
وفي سنة ١٩٧٣ حدث هذا نفسه عندنا .. و لهذا السبب فقد استهلكت كلحاملات الدبابات عندي في المعركة و الآن نحن نستعين بحاملات جديدة .. و من أجل هذاكانت دباباتنا تخوض معركة ٧٣ بقوة و بسالة . الذي حدث في سنة ٦٧ شئ مختلف الدبابات " رايحة جاية " ثلاث ايام " علي جنازيرها".. من يوم ٥ الي يوم ٧ .. اوامر بقطع مئاتالكيلو مترات علي الجنزير .. وهذا عسكريا خطأ . بل هو نوع من التغفيل " و الجنون "
ونعود الي قصة كمال حسن علي كانت دباباته في الحفر استعدادا للقتال . في احد المواقع ، بعد ان راحت هذه الدبابات وعادت في سيناء باوامر متضاربة لامعني لها .. و بعد ان كان كمال حسن علي قد سمع من الاذاعات اخباراً متناقضة .. اذاعتنا تقول نحن نضرب اليهود بشدة . واذاعات تقول ان الطيران المصري قد تم ضربهكله
فوجئ كمال يوم ٧ بكتيبه دبابات اسرائيلية هاجمه عليه .. و لم تكنلديه في تلك اللحظة أي أوامر بأي شيء . و لكنه كأي قائد ممتاز لم ينتظر بل أعطيأوامر لجنوده وضباطه فاخذوا " تشكيل القتال " و في اول طلقة يضربها كمال في المعركةاصاب ثماني دبابات للعدو و لم تصب له أي دبابة
و مثل هذه النتيجة في أي معركة للدبابات تعتبر معجزة و شيئا خارقاًوهو دليل علي البطولة و التدريب الرائع و التشكيل القتالي الرائع و الاستيعابالرائع
ماذا حدث يا كمال بعد ذلك
انسحبت الدبابات اليهودية فورا بعد هذه الضربة العنيفة . و هذا نفسهما حدث سنه١٩٧٣ عندما نضرب نحن كانوا يفرون علي الفور
وبعد انسحاب الدبابات الاسرائيلية اطلقت هذه الدبابات اشارة ضوءاخضر فجاء الطيران الاسرائيلي بعد دقيقتين . و اخذ يضرب دباباتنا و هي فوق الارضلان الدبابات و هي في الحفر لا يستطيع الطيران ان يصيبها بشئ ، لذلك لم يصب مندبابات كمال حسن علي في مشاويرها العشوائية في سيناء سوي عشرين دبابة وبقيت ثمانوندبابة . هي التي هاجمت بها الدبابات الاسرائيلية
والشيء الممتاز الذي عرفته ان كمال حسن علي كقائد لواء مدرع استطاعباسلحته ان يسقط من الطائرات اضعاف ما اسقطته الصواريخ في القاهرة
لقد اعتمد هذا الضابط الشجاع علي اسلحته في مواجهة الطيران . فاللواء المدرع عادة ما يملك وحدة متكاملة فيها مدفعية الميدان و فيها المدفعيةالمضادة للطائرات و الردار
و هكذا - كما قلت لك - خسر كمال حسن علي عشرين دبابة فقط و أسقطعددا من الطائرات الاسرائيلية يبلغ اضعاف ما اسقطته صواريخ القاهرة
علي ان الطيران الاسرائيلي ركز بعد ذلك علي لواء كمال حسن علي واصطادوا دباباته واحدة واحدة حتي قضوا علي كل دبابات اللواء الشجاع و اصيب كمال حسنعلي بصاروخ في جنبه واصيب الملازمان اللذان رأيتهما معه بشظايا في رأسيهما
وقال لي احد هذين الملازمين و اكد كمال علي ما يقول : كان سلاحنا فيمنتهي الكفاءة. وكان تدريبنا سليما وكانت الطلقة الواحدة من دباباتنا تصيب الدبابةالاسرائيلية ومن عنف الطلقة كانت الدبابة الاسرائيلية تنقلب علي جنبها و تتعطل عليالفور
والمشكلة التي واجهناها .. هي اننا لم تكن عندنا اوامر واضحة . و ماوصلنا من اوامر كان تبديدا لجهدنا ووقتنا و سلاحنا .. وكان تناقضا في تناقض .. لمنكن نعرف من أين تأتي الأوامر و لاندرك لها أي مغزي من هذا كله نخرج بما يلي
نحن أبدا لسنا اقل من غيرنا من الشعوب المتحضرة المتقدمة ، بل اناولادنا اثبتوا كفاءة رائعة في ١٩٧٣ و ذلك عندما توفرت لهم الخطة و لديهم الاوامرالسليمة بالطرق السليمة
ما حدث في لواء كمال حسن علي ١٩٦٧ ينطبق علي جميع وحدات الجيشالمصري وفروع
القوات المسلحة الأخري . لم تصدر للجيش المصري في ١٩٦٧ أوامر .. وان صدرت هذه الأوامر فانها تكون أوامر هوجاء متناقضة لم يكن احد يعرف ما يجريحواليه في الساحة كلها
وكان من الضروري نتيجة لهذا الموقف ان تحدث الهزيمة . لكن عندما قامكمال حسن علي هو واولادنا الضباط و الجنود بالهجوم المضاد علي اليهود و استخدموامالديهم من سلاح بالاسلوب السليم تمكنوا من ضرب ثماني دبابات اسرائيلية و جرياليهود امامهم . و لولا ان السيادة الجوية كانت لاسرائيل لتغيرت النتيجة تماما . لقد كان كمال حسن علي يستطيع ان يقوم بهجومه ويستمر فيه محميا بالطيران . وبالمقابل في ١٩٧٣ لم ندخل المعركة ضد اليهود الا و كسبناها و بالذات في معاركالدبابات و ذلك لان الخطة كانت كاملة . كل شخص يعرف دوره وواجبه . و الاوامر واضحةامام الجميع .. كل شيء كان يمضي باسلوب عسكري سليم
واليهود حكايتهم بسيطة جدا انهم يطبقون ما يقرأونه في الكتب لا أكثرو لا أقل .. ولكنهم كانوا يشنون علينا حربا نفسية بالغة الخطورة و ذلك ليشلواتفكيرنا و ليفقدونا الثقة بأنفسنا . وقد حذرت اولادي قبل ٧٣ من هذا كله . و طلبتمنهم ان يكونوا هادئين جدا و ألا يسمعوا لبهلوانيات الدعاية الاسرائيلية و الحربالنفسية التي يشنوها ضدنا و قد قلت في اخر اجتماع للمجلس الاعلي للقوات المسلحة " علي كل واحد ان يتمسك بخطته وهدفه ويقوم باكمالها علي خير وجه ، و عندما يلتزم كلواحد بهذا فالخطط الرئيسية كلها سوف تتحقق و هذا ما حدث تماما
ولهذا نجحنا في معركتنا و انتصرنا . من هذه اللمحات و اللوحات التيرسمتها امامك تستطيعين معرفة النتيجة الرئيسيةالعامة
فقواتنا المسلحة لم تكن في ١٩٦٧ سببا للهزيمة بل كانت ضحية
سؤال : شكرا يا سيادة الرئيس علي هذا التوضيح الدقيق الذي يعيدثقتنا بقواتنا المسلحة . ويعطي لجيلنا الحالي و للأجيال الجديدة تفسيرا واضحالهزيمة ١٩٦٧ . و لا شك ان هذا الوعي الصحيح لديكم بما حدث سنة ١٩٦٧ كان احدالمفاتيح الرئيسية لانتصار ١٩٧٣ المجيد.. واسمح لي يا سيادة الرئيس ان انتقل اليسؤال جديد: فقد تحملتم سيادتكم علي المستوي الشخصي كقائد أعلي للقوات المسلحة وكرئيس للجمهورية مانتج خارجيا و داخليا - من ردود فعل بعد اعلانكم ان عام ١٩٧١ هوعام الحسم . ثم تبريركم لعدم قيامنا بالهجوم بما سميته سيادتكم " بالضباب" و تأثيرهعلي حركتنا.. تحملتم الموقف كاملا وفضلتم مواجهة كل ردود الفعل بشجاعة بدلا منالقذف بقواتنا الي معركة لا يعلم غير الله نتائجها . ألم يحن الوقت يا سيادة الرئيسلاذاعة تفاصيل هذه المرحلة الدقيقة من مراحل الاعداد للحرب و قديما قالوا " انالاعداد للحرب أهم من الحرب نفسها ". ؟
الرئيس : كانت هذه الفترة التي تشيرين اليها فعلا فترة معاناه اليمة . عندما اشرت الي الضباب في اوائل سنة ١٩٧٢ . لم أكن بهذه الاشارة اتهرب منمسئوليتي أو كما قال بعض الاذكياء جدا في العالم العربي انني كنت بهذا الحديث اهربمن المسئولية أو انني لم اكن انوي ان اخوض معركة او ادخل حربا من أي نوع .. واطلقعلينا هؤلاء الاذكياء جدا وصف الانهزامية و التصفوية . و امثال هذا الكلام ظهر فيتلك الايام الصعبة و للأسف وجد هذا الكلام بعض الصدي في مصر و وهذا ما كان يحزننيجدا و يؤسفني و يحز في نفسي
عندما تحدثت عن الضباب في اوائل ١٩٧٢ كنت أخص بهذا الكلام موقفالاتحاد السوفيتي . فقد وعدني القادة السوفيت في اكتوبر بان يرسلوا الي الأسلحةالتي كانت تنقصني
و قد قلت لهم انني ارتبط امام شعبي و امام العالم . بان تكون سنة ١٩٧١ هي سنة الحسم وقال لي السوفيت : سنرسل اليك السلاح قبل نهاية ١٩٧١. و لم يكنهناك فرق كبير بين ان تكون المعركة في أواخر ١٩٧١ أو في أوائل ١٩٧٣ المهم انالمعركة سوف تقوم و ان التحرير سوف يتم
ولكنني اكتشفت ان الروس لم يكونوا جادين في وعدهم لي .. كان كلامهمكما نقولفك مجالس و فوجئت ان اكتوبر قد مر ، ثم نوفمبر و ديسمبر ، دون ان يصلني أيشيء .. لم يصلني أي خبر عن أي مركب قادمة الينا بالسلاح و كانوا قد تعودوا انيخبرونا بكل شيء مقدما . و العن من هذا كله انني فوجئت في ٨ ديسمبر بمعركة تقوم بينباكستان و الهند . كان الاتحاد السوفيتي طرفا واضحا في هذه المعركة
وهنا تساءلت : لماذا لم يخبروني و انا كنت عندهم في اكتوبر ١٩٧١ ؟انني لم أكن اطلب منهم ان يخبروني بان هناك معركة بين الهند و باكستان و لكن كان منالممكن ان يقولوا لي انهم مشغولون في هذا العام و لا يستطيعون تقديم شيء لنا .. كنتساقول لهم " خلاص" .. حاضر" و اعيد ترتيب اموري علي هذا الأساس فليس في يدي شيءأفعله في هذه الحالة . ولكنهم لو اخبروني كنت استطع ترتيب كل شيء بما يناسب الظروفالجديدة
ولكنهم وعدوني و اخلفوا عامدين ليقولوا لشعب مصر و الأمة العربية وللعالم .. انه لا يستطيع ان يفعل شيء بدون موافقتنا .. كانوا بيكشفوني
ومع ذلك لم اتردد في ان اعمل علي تغطية
موقفهم السئ في اوائل ٧٢و لذلك تحدثت عن قصة الضباب و مع ذلك فقضية الضباب حقيقية .. و انا لا اكذب عليالشعب أبدا، و حتي و انا احاول تغطية موقف الروس لا يمكن ان اكذب .. انني اكلم شعبيو لا يمكن ان اضع امام شعبي إلا الحقائق هذه طبيعتي مع شعبي بل و مع نفسي و معالناس و مع كل المحيطين بي .. لا أستطيع ان اقول شيئا غير الحقيقة .. قصة الضبابأيضا كانت حقيقة رغم اني استخدمتها في تغطية موقف الروس . و قد كان هناك سابقة لهذهالقصة
في يوليو ١٩٦٧ اي بعد شهرين من هزيمة يونيو .. في هذا الوقت ابلغمحمد فوزي وزير الحربية انذار لجمال عبد الناصر بان هناك لواء اسرائيليا مدرعا وصلالي القنطرة شرق و ان هذا اللواء وصل و معه ادوات العبور . و هذا يعني انه يريد انيعبر الي غرب القناة . و اصدر عبد الناصر امرا الي محمد فوزي ان يضرب اللواءالاسرائيلي شرق القناة و هو في القنطرة شرق و قبل ان يعبر الي الغرب و ذلك حتييمكننا القضاء عليه لانه سيعبر ضعيفا بعد ان تعرض للضرب في نقطة انطلاقه في القنطرةشرق . و خرجت القاذفات المصرية بالفعل الساعة الثانية ظهرا
وكنا في يوليو كما قلت .. و تمت عدة محاولات و لكن الطائرات عادت فيكل مرة دون ان تفعل شيء لان الرؤية كانت مستحيلة فوق القنطرة شرق حيث خيم " ضبابكامل علي المنطقة . و قد ابلغ محمد فوزي عبد الناصر بذلك و انا كنت موجودا مع عبدالناصر في ذلك الوقت .. قال عبد الناصر لفوزي " خلاص يظهر ربنا مش عايزنا نخش معركةالقنطرة .شرق دي .. خلي الطيران يرجع تاني
اذن انا حاولت اغطي موقف الاتحاد السوفيتي بالحقيقة و ليس بالكذب ،. فالضباب كان حقيقة لاشك فيها . و حقيقة لها سابقة في نضالنا ضد اسرائيل
وفي هذا الوقت في اوائل ١٩٧٢ ذهبت الي مجلس الشعب و دافعت عنالاتحاد السوفيتي وكلامي مسجل في مضبطه مجلس الشعب . و قد قلت ان المسئول الذي يريدان يعمل معي يستطيع ان يواصل الطريق . و الذي لا يريد ان يعمل يستطيع ان يستقيل وقلت ان الاتحاد السوفيتي صديقنا و هو يقف معنا
وهكذا كنت اغطي موقف الاتحاد السوفيتي و لم أكن اغطي موقفي انا .. لقد تحملت الكثير علي نفسي قلت " ان معركتي سوف ادخلها في يوم من الايام ، فليقلالاعداء والشامتون ما يقولون ، و لكنني كنت اريد ان اعطي الفرصة للسوفيت
ومع ذلك فلابد ان اذكر هنا ان هذا الموقف من جانب السوفيت كان مقدمةمن مقدمات يوليو ١٩٧٢ و هو طرد الخبراء السوفيت
وعندما قامت المعركة بين الهند و باكستان في ٨ ديسمبر سنة ١٩٧١ وكان من الواضح ان الاتحاد السوفيتي مشتبك كطرف في هذه المعركة الي ابعد حد ، طلبتالسفير السوفيتي وقلت له انني اريد زيارة موسكو قبل نهاية ديسمبر فابعث بهذا الطلبالي القادة السوفيت
لم أقل له ارسلوا احدا من القادة السوفيت الي القاهرة رغم انني زرتموسكو مرتين في مارس ١٩٧١ وفي اكتوبر ١٩٧١ .. و كان المفروض ان يأتي احد من القادةالسوفيت لا ان اذهب انا اليهم و لكنني كنت مقتنع بالتحمل من أجل وطني
وكان المفروض في لقائي مع القادة السوفيت ان اتحدث معهم بعنف وحدةكيف يعدونني ثم يخلفون بهذه الصورة كيف يحاولون ان يهزوا صورتي بهذا الشكل امامشعبي و امام العالم كله ؟
كان من المفروض احتد ، و لكنني أبدا لم اسمح لنفسي بان احتد عليالاطلاق لا مع السفير السوفيتي ولا مع القادة السوفيت عندما التقيت بهم بعد ذلكلانني تعودت ان اتصرف في القضايا التي تخص وطني بعيدا عن أي حساسيات عابرة .. الوطنأكبر من ذلك بكثير ومن حقه علي ان اتحمل
وبدا لي من ناحية أخري ان من الخير تأجيل معركتنا مع اليهود فلم يكنمن المعقول ان تقوم معركتنا في نفس اللحظة مع معركة الهند و باكستان حيث كان العالممشدودا الي المعركة القائمة في شبه القارة الهندية و نحن بحاجة الي ان ينتبه العالملمعركتنا حتي نستطيع الحصول علي حقوقنا لان المعركة ليست معركة عسكرية فقط بل هيأوسع مدي من ذلك
طلبت اذن من السفير السوفيتي ان يحدد لي موعد مع القادة السوفيتلزيارتهم في موسكو قبل نهاية ديسمبر سنة ١٩٧١ و كان أملي ان نصدر معا بيانا نغطيفيه الموقف من عام الحسم وكما قلت لم أكن خائفا علي موقفي بقدر خوفي علي موقفهموحرصي علي تغطية هذا الموقف
هل تعرفين ماذا كان الرد ؟ الطريقة السوفيتية البطئية تواجهني لارد .. استعجلتهم واسأل السفير السوفيتي يقول لي لم يأت الرد بعد . يأتي يوم ١٥ ديسمبرو لارد.. وأخيرا يأتيني الرد يوم ٢٧ ديسمبر ١٩٧١ ويكون الرد هو ان القيادةالسوفيتية مش فاضية الا اول و ثاني فبراير سنة ١٩٧٢ و كان سيئا و له نتائج ضارة
ففي اوائل سنة ١٩٧٢ و بالتحديد في يناير من هذا العام وقف روجرزوزير خارجية امريكا في ذلك الوقت يتهكم علينا و علي سنة الحسم و يقول " لقد اعطينااسرائيل في نوفمبر ١٩٧١ اسلحة كثيرة و سنعطيها مزيدا من السلاح بحيث تتعدي قوتهاقوة العرب مجتمعة
وهكذا كنت في موقف عجيب . الامريكان يعلنون التحدي لارادتنا ويتهكمون علينا .. و المزايدون في بلادنا يتهكمون ويسخرون من سنة الحسم
والقادة السوفيت بعد ذلك كله يقولون لي " مش فاضين " الا في ١و ٢فبراير أدي هذا الي توتر عنيف في داخلي . و لكنني تعودت دائما انني عندما يكونالموضوع مصر ان ابعد ذاتي تماما عن دائرة التفكير و الانفعال .. و لذلك قبلت زيارةالسوفيت في الموعد الذي حدوده لي و هو ١ و فى٢ فبراير ١٩٧٢
صحيح انني قبلت علي مضض .. و لكني من أجل مصر مستعد لان أتحمل كلشيء و تمت الرحلة بالفعل الي الاتحاد السوفيتي في فبراير ١٩٧٢ و في الانتخابات وجهتللقادة السوفيت كلاما مثل الكرابيج واوضحت لهم نتائج موقفهم الخاطئ من تسليح الجيشالمصري و نتيجة موقفهم الخاطئ من تأجيل زيارتي اليهم قبل ١٩٧١ ، وقال برجنيف اناالمسئول وبرجنيف يعلم تماما انني احبه . لانه الرجل الوحيد الذي يمكن التعامل معهمن القادة السوفيت وبيني وبينه صداقة يعلمها هو و يقدرها و قد سارع الي القول انههو المسئول عما حدث حتي لا أدخل انا في معركة مع بقية القادة السوفيت و بالذات معبودجورني أو كوسيجين
قلت لبريجنيف : انت تعلم انك عندما تقول : انا المسئول فانني تقديرالصداقتك لن اتكلم وسوف اسكت قال برجنيف انا المسئول و صدقني انها مسالة روتين حكوميو انها أشياء غير مقصودة أبدا هنا تدخل كوسجين - ليقول انا كرئيس وزراء للاتحادالسوفيتي اقول لك انه منذ الآن - منذ فبراير ١٩٧٢ - لن يكون هناك شئ خاص الا ويصلكمفي موعده تماما
وانا طبعا لم اصدق كلام كوسيجين ووعده بالانتظام في ارسال مطالب مصر .. كنت أشعر انهم يريدون بكلامهم ان يتخلصوا من المأزق الذي وقعوا فيه .. و الحقيقةالتي كانت واضحة امامي تماما هي ان الروس منذ ثورة مايو ١٩٧١ بدأوا يتحفظون فيالتعاون معي وقد وضعوا خططهم السرية علي اساس عدم التعاون معي و كانوا يحاولونالابقاء علي مجرد الشكل حتي يحدث تغيير من وجهة نظرهم . كل هذا كان واضحا امامي .. و لكني كنت اعاملهم بصبر شديد من أجل مصر علي ان هذا كله كان مقدمة لابد لها مننتيجة . هذه النتيجة هي مجرد طرد الخبراء السوفيت في يوليو ١٩٧٢
سؤال : لاشك انكم يا سيادة الرئيس واجهتم عقبات كثيرة و مواقف معقدةخلال نشاطكم واتصالاتكم المختلفة بعد ان طرحتم علي جماهير الشعب شعار الصبر والصمتعام ١٩٧٢ و قد أخذ البعض يتناول هذا الشعار بالسخرية و النقد حتي وقعت مفاجاةالسادس من اكتوبر سنة ١٩٧٣ .
هل يمكننا ان نعرف صورة لما واجهكم في هذه الفترة من مشاكل ؟
الرئيس : والله كانت فترة مليئة بالمعاناه و المرارة و لكنني - كماقلت و اقول دائما - انني اخرج بنفسي و ذاتي من دائرة التفكير و الانفعال حتي لايكون قراري مشوبا بأي غضب أوا انفعال شخصي فالقضية هي قضية مصر و هي عندي أكبر منكل شيء .. و أكبر من كل انفعال أو غضب
عندما أعلنت شعار الصبر و الصمت واجهتني ألوان من السخرية والتريقةولم يكن امامي سوي أمر من اثنين
اما ان احكي قصة الاتحاد الاسوفيتي و موقفه كاملا و اكشف كل شيءامام الرأي العام المحلي و العالمي .. و لم يكن هذا الموقف في مصلحة مصر .. لقد كنتأتمني أن اكشف السوفيت حتي يعرف الناس الحقيقة فقد كان موقف السوفيت في سنة الحسممتعمدا للاضرار بي و للاساءة الي
واما ان اكتم انفعالي و ان اتحمل وحدي
واخترت الأمر الثاني و هو السخرية و التريقة . ولم أقم اعتبارا لهذهالصغائر و هذا خط سيري دائما لاشيء يستطيع ان يجرفني أو يشدني الي معركة شخصية أومواقف انفعالية فانا انظر أولا الي الصالح العام وأضع امامي المعركة الوطنيةالاصلية في مبادئها المختلفة و لا أبدد جهدي في معارك جانبية ابدا
ونتيجة هذا الموقف هو الشماته التي ملأت الصحافة الغربية حيث كانوايقولون ان سنة الحسم انتهت بدون نتيجة . وقد كان الحديث عن سنة الحسم نوعا منالجعجعة ومصر لن تفعل شيئاً و ها هو الشعار الجديد الصبر والصمت يظهر في الأفق ليدلعلي ان مصر ليس عندها شيء و لان الأمة العربية عاجزة و لان الشعب المصري اصبح جثههامدة
و للأسف انتقل الوباء من الصحافة الغربية الي الصحافة العربية و خرج " جهابذة " التحليل السياسي في العالم العربي و اشتركوا في حملة التشهير بي و بمصر، ثم انتقلت العدوي الي بعض المثقفين عندنا في مصر ، وبين الصحفيين علي وجه الخصوص، و اخذ هؤلاء المثقفين و الصحفيين المصريون يكررون نفس التعليقات المسمومة فيمجالسهم و كانت هذه الصورة مؤسفة جدا
ولقد كان مما يزيد أسفي ان الذي كان يغذي المراسلين بهذه المعلوماتالخاطئة والافكار و التعليقات هم صحفيون مصريين و كان وراء هؤلاء الصحفيين منيحركهم ويغذيهم ممن كانوا يحاولون تغطية موقفهم - بالكتابات المختلفة و التحليلات .. و قد انكشف هؤلاء المحركون .. و انتهت صفحتهم
ماذا فعلت انا امام هذا الموقف ؟ لقد قمت بعملية عزل مؤقته لمائه وعشرين صحفيا .. لم ارسل واحدا منهم الي مؤسسات الدواجن أو اللحوم أو الاخشاب ، ولكني نقلتهم الي الاستعلامات . و لم اقطع مليما واحدا من مرتباتهم قلت ؟ فلياخذوارواتبهم ويتوقفوا عن العمل فترة " و كان هذا انذار ا مني .. كان معناه انني اقوللهم " عيب" كانت صرخة "عيب" من جانبي لهؤلاء الذين يشوهون وجه مصر بغير حق و فيظروف عصيبة
و لو انني فتحت المعتقلات في اول ١٩٧٣ ووضعت فيها هؤلاء بتهمة انهمدعاه هزيمة وتخاذل في وقت الحرب ثم قامت المعركة بعد ذلك في اكتوبر ، كان الشعب كلهايدني وقال لي " معك حق " لانك قمت بالمعركة .. و هؤلاء كانوا يهزمون و يسخرونوينشرون روح الهزيمة .. انهم يستحقون هذه المعتقلات
ولكنني لم افعل ذلك لم افتح المعتقلات و لم اضع فيها أحدا لانني لاانوي الرجوع فيما قررته بيني وبين الشعب في ان تعود لمصر و المصريين حرية كاملةلاشبهة فيها
وهناك حقيقة أخري يجب ان يعرفها الجميع هي انني و انا في مكانيوموقعي هذا لم تكن ولن تكون هناك خصومة بيني وبين أي مصري واحد .. ان ما يربطنيبالجميع هو مصر ومصلحة مصر و حب مصر و لذلك لم أتصرف مع الصحفيين الا بنقلهم اليالاستعلامات لبضعة شهور ثم انتهي الأمر بان اعدتهم الي عملهم قبل المعركة بايام أيفي ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٧٣ ، و هذا طرف من اطراف المعاناه التي شعرت بها قبل المعركةسؤال : فلنترك هذه الذكريات الحزينة يا سيادة الرئيس و يكفينا ان نتذكر دائما موقفكالعظيم الذي تعلن فيه انه لن تكون هناك خصومة بينك و بين أي مصري علي الاطلاق .. ولتسمح لي ان ننتقل الي موضوع آخر فقد قيل ان خبراء حلف الاطلنطي وحلف وارسوا اخذوامن المهندسين المصريين بعض انجازاتهم و ابتكاراتهم الهندسية المنفردة في بناء قواعدالصواريخ ودشم الطائرات وممرات الطائرات الحربية .. كما قيل ايضا ان المهندس أوالفني في قواتنا المسلحة اضاف ابتكارات واضافات للسلاح الشرقي والغربي علي مستويالبر و البحر و الجو كل هذا قيل في حرب ٧٣ و بعدها .. نأمل ان تتفضل بشرح الخلفيةالخاصة بهذه الانجازات
الرئيس : حقا ان اولادنا في القوات المسلحة يستحقون كل مجد و كلخلود . الطائرة الميج ٢١ والتي استخدمناها في المعركة اشترك اولادنا من الضباطالمهندسين في تطويرها في الاتحاد السوفيتي .. الطائرات الأخري غير الميج ٢١ حدث لهاتطور كلي باشتراك اولادنا ايضا .. وكان ذلك قبل المعركة و جديد لا يعرفة احد اليالآن .. لقد كانت كباري العبور التي اعطاها لنا الاتحاد السوفيتي هي كباري الحربالعالمية الثانية و هذه الكباري يتم تركيبها في مدة ٥ الي ٦ ساعات و قد استخدمناهافعلا في الحرب .. ولكن الذي لا يعرفه أحد الي اليوم و هو ان ٦٠% من معدات العبور منالكباري و المعديات و غيرها صنعت في مصر وتتم تصميمها بأيد مصرية والـ ٤٠% منالمعدات كانت هي هذه الكباري التي اخذناها من السوفيت .. كباري الحرب العالميةالثانية التي يتم تركيبها في مدة ما بين ٥ و ٦ ساعات . وقد جاء كوسجين الي مصر ١٤اكتوبر حيث طالب بوقف اطلاق النار للمرة الخامسة وكانت المرة الاولي يوم ٦ اكتوبربعد مرور ٦ ساعات علي بدء المعركة و بالتحديد في الثامنة مساء حيث جاءني السفيرالسوفيتي ليطلب مني وقف اطلاق النار بناء علي طلب الرئيس حافظ الاسد
وقد تبين ان الاسد قد طلب وقف اطلاق النار من السوفييت حتي قبل انتبدا المعركة : طلب ذلك يوم الخميس ٤ اكتوبر فقد كنا اتفقنا انا و الاسد علي انيقوم الاسد بابلاغ السوفيت بموعد المعركة بالضبط و ذلك لان علاقتي بالسوفيت كانتسيئة منذ طرد الخبراء
في يوليو ١٩٧٣ بالاضافة الي ان الخبراء السوفيت كانواموجودين بالجيش السوري فعلا لابد انهم علي علم بتحركات الجيش السوري و لذلك قررناان يقوم الاسد بابلاغهم بموعد المعركة بعد ان ابلغتهم انا بقرار المعركة
و لكنني فوجئت بعد ذلك ان الاسد ابلغ السفير السوفيتي في دمشق بموعدالمعركة وهو يوم السبت ٦ اكتوبر ، و طلب منه أيضا وهو يبلغه بالموعد بضرورة و قفالقتال بعد ٤٨ ساعة علي الأكثر
هذه هي الحقيقة المذهلة التي اكتشفتها بعد الحرب و عندما جاءكوسيجين الي مصر في ١٤ اكتوبر طلب الموافقة علي وقف اطلاق النار بناء علي طلبالسوريين .. هذه كانت المرة الخامسة التي يطلب فيها مني وقف اطلاق النار .. و كانتالمرة الرابعة عندما ايقظني السفير السوفيتي فجر يوم ١١ اكتوبر و كان هذا الطلبالرابع لوقف اطلاق النار يسلك طريقا غريبا ، ذلك لان كيسنجر كان قد اتصل بهيث رئيسالوزراء البريطاني و قال له ،، اتصلوا بالسادات لاني لاصلة لي به . فقد ابلغنيالاتحاد السوفيتي ان السادات وافق علي وقف اطلاق النار و يجب ان نسارع الي عملالاجراءات مع الاتحاد السوفيتي لوقف المعركة .. و عن هذا الطريق الغريب الذي يمربكيسنجر و هيث ثم الاتحاد السوفيتي جاءني السفير السوفيتي يوم ١٣ اكتوبر ليطلب وقفاطلاق النار
قلت للسفير السوفيتي : آسف انا لم أوافق علي وقف اطلاق النار . ولماوافق الاتحاد السوفيتي علي الطلبات الثلاثة السابقة لوقف اطلاق النار
ثم جاء كوسجين ليطلب نفس الطلب .. وقف اطلاق النار يوم ١٤ اكتوبر ولكنني لم أوافقه.. انني لم أحقق اهدافي من المعركة . و لذلك فلا معني لوقف النارالان
وبقي كوسيجين في مصر .. جاء يوم ١٦ اكتوبر و كانت الثغرة قد حدثت . هنا حاول كوسيجين ان يستغل الثغرة في الضغط لكي أقبل وقف اطلاق النار . قلتلكوسيجين .. انت لست رجلا عسكريا و الثغرة لا تعني شيء .. انما كلام فارغ و هذهالثغرة لا تقوم علي اساس استراتيجي عسكري علي الاطلاق .. انها معركة هدفها الدعايةالعسكرية فقط
و انا استطرد قليلا حيث اتذكر ما قاله لي بعد ذلك " الجنرال بوفر " مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن عندما زارني بعد حرب اكتوبر و كان معهرئيس تحرير الاهرام في ذلك الوقت . قال لي " بوفر وكانت الثغرة لاتزال قائمة : ارجوألا تكون هذه الثغرة قد ازعجتك انها عمل لا اساس له من الناحية الاستراتيجيةالعسكرية. انها معركة تليفزيونية و اذاعية لها هدف سياسي . فقط و اضيف انا . في هذاالاستطراد ان الاسرائيليين كانوا يريدون بالثغرة ان يغطوا مركزهم في الحرب . وكانوايريدون ان يحتلوا السويس و يقولوا انهم احتلوا السويس .. و يكون لذلك اثر كبير فيدعايتهم السياسية بل انهم ركزوا علي بورسعيد و حاولوا الاستيلاء عليها ..
وظلوا ثلاث ايام يحاولون الاستيلاء علي بورسعيد . و حاولوا ثلاثمرات ان ينزلوا فيها و لكن محافظ بورسعيد الممتاز عبد التواب هديب - الذي هو الآنمحافظ الاسكندرية لم يعطهم أي فرصة . لقد كان في الأصل ضابط مدفعية ممتاز ولو انهماستولوا علي بورسعيد لكانوا قد استخدموا ذلك في دعايتهم السياسية أيضا و علي نطاقواسع
المهم .. نعود الي موضوع كوسيجين .. حاول ان يضغط بالثغرة حتي أقبلوقف اطلاق النار فرفضت . فعاد يقول " نحن نقيم الآن بيننا و بينكم جسرا جويا " وكأنه بذلك يقول " ان لنا الحق في ان نطلب منكم و تستجيبوا لنا " قلت له - و كنا فيمكتب قصر القبة - استني مكانك . الكباري التي ارسلتموها الينا هي كباري الحربالعالمية الثانية التي يتم تركيبها في وقت يمتد الي ٦ ساعات و انتم عندكم كبارييمكن تركيبها في نصف ساعة ، واولادي رأوا هذه الكباري عندكم في الاتحاد السوفيتي واسم هذه الكباري بالامارة " بي . ام . بي " ولوعندنا هذه الكباري كانت قواتنا قداستولت علي الممرات أول يوم في المعركة .. و بذلك كانت قد انتهيت من الجزء الاساسيمن خطتي في معركة اكتوبر وكان يمكننا الآن ان نتحدث حديثا آخر
وسكت كوسيجين و لم يعلق
هذه الحقيقة الكبري التي يجب ان يفخر بها شعب مصر ٦٠% من معداتالعبور هي كباري ومعديات مصرية صممها مصريون بايد مصرية
هناك نماذج أخري للاضافات العديدة التي اضافها المصريون في حرباكتوبر عملية الساتر الترابي لها قصة مضحكة .. ذهبنا الي ألمانيا و طلبنا مضخاتمياة قوتها كبيرة جدا : ضحك الألمان لان القوة المطلوبة للمضخات لاتناسب أي حريق فيالدنيا .. فأكبر حريق في العالم لا يحتاج الي هذه القوة الرهيبة قلنا لهم " نحننريدها بهذا الشكل " و هذا هو ثمنها هل توافقون
قالوا : نوافق و انتم احرار
ارسلنا التصميم المصري للمضخطات ونفذه الألمان و هم يضحكون ويعترضون ثم طلبنا نقل هذه المضخات في سبتمبر بالطائرات و عاد الألمان يضحكون مضخاترهيبة لامعني لها ومطلوب نقلها علي وجه السرعة بالطائرات ما هي القصة ؟لقد جعلوها " نكتة " و لكن عرفوا مغزاها بعد اكتوبر
فقد استطاعت هذه المضخات ان تسقط ١٧ متر هي ارتفاع الساتر الترابي " اكلته اكل " وكان تصميم هذه المضخات مصريا .. و قد اخذناه من فكرة سابقة للمهندسينالمصريين اثناء السد العالي فقد كان هناك سد رملي ضخم اثناء السد ازلناه بمثل هذهالمضخات و في حرب اكتوبر تذكرنا التصميم القديم لمضخات السد العالي و طورناه . واستطاعت هذه المضخات ان تزيل الساتر الترابي الذي اقامه اليهود علي الضفة الشرقيةللقناة . وقد كانت هذه المضخات بتصميمها الخاص معجزة مصرية خالصة هناك قصة أخري هيقصة صعود الساتر الترابي من جانب جنودنا الابطال
لقد تسلق اولادنا هذا الساتر بطرق بدائية لا شك انها جعلت اليهودينفجرون من الغيظ.. لقد استخدم اولادنا سلالم الحبال التي نراها في السينما ،و التيكانت تستخدم أيام القرون الوسطي .. أي و الله ، أي والله . كان بعض اولادناالمدربين تدريبا خاصا يصلون الي الساتر الترابي ثم يفردون السلالم الي تحت ويربطوها "بوتد" من فوق . فتصبح هذة السلالم صالحة للصعود يتسلقها الجنود بعد ذلك " زي القرود زي العفاريت و قد استطاعوا ان يجروا معهم في صعودهم مدافع للدبابات ثقيلةجدا .. فراعنة .. هم الذين بنوا الهرم .. جروا هذه المدافع الثقيلة بان ربطوها فيالحبال وهذه الاحبال جعلوا وتدا في اعلي الساتر الترابي ايضا و من جانب السلم شدواهذه المدافع.. عندما يصعد العسكري السلم يجد مدفعه جاهزا فيدخل المعركة علي الفور
و هكذا ترك النبوغ المصري بصمته علي كل شيء واخترق الصعوبات و انتصرعليها بابتكاراته الجزئية واحب ان اذكر لك هنا ان قاذفات اللهب التي استخدمناها فيالمعركة كانت كلها مصرية مائة في المائة .. وقاذفات اللهب هذه كانت من أخطر الأسلحةالتي استخدمها المقاتل المصري و التي هاجم بها خط بارليف و حطمه و قضي عليه
وبتوع بارليف " من جنود العدو و ضباطه ماشافوش الويل من شويه .. لان أخطر شيء عليمن يختبئ في موقع دفاعي هو قاذفات اللهب فالمقاتل في موقعه الدفاعي اما ان يخرج منموقعه فتقتله رصاصة أو يبقي فيحترق .. و لهذا السبب وبفضل الابتكار المصري لقاذفاتلهب خاصة بنا ، لم يتحمل خط بارليف وقتا فقد اقتحمناه وحطمناه بسرعة
وهناك أيضا دشم الطائرات .. العالم كله بدا بدشم الطائرات بعد ضربةيونيو ١٩٦٧ ولكن كل جيش كان يبني هذه الدشم حسب اجتهادات خاصة بمهندسيه .. و قدقمنا نحن بمجهود جبار في هذا المجال و لابد ان اذكر فضل " المقاولين العرب " فيتصميم هذه الدشم و تنفيذها مع المهندسين العسكريين . لقد كان تصميمنا المصري للدشمو مواقع سام ٣ من أروع الانجازات . و قد حاول اليهود مرارا ان يسرقوا هذه التصميماتو لكنهم فشلوا و لم تنجح محاولاتهم لان مخابراتنا كانت وراءهم بالمرصاد ولم تمكنهممن النجاح في هذه المحاولات
تفتق الذهن المصري أيضا عن أشياء رائعة فيما نسميه باسم " التكتيكاتالصغري " هناك ضابط نابغ اسمه " حسن ابو سعده " و هو الذي استولي علي اللواء ١٩٠اليهودي . لواء عساف ياجوري المشهور . حسن ابو سعده .. قضي علي لواء مدرع بأكمله ،يضم ١٢٠ دبابة ، قضي علي هذا اللواء بكل دباباته في عشرين دقيقة اللواء المدرععندنا مائة دبابة عند اسرائيل مائة وعشرين .. واللواء المدرع فيه دبابات و مدفعيةميدان و مدفعية مضادة للطائرات . كل هذا قضي عليه ابو سعده في عشرين دقيقة مائة وعشرين دبابة مجهزة بأدق التجهيزات العسكرية .. قضي عليها ابو سعده في عشرين دقيقة
وقد ذهل " عساف ياجوري " قائد اللواء الاسرائيلي المدرع عندما نزلمن دبابته وكانت اخر دبابة في اللواء ، فوجد كل دباباته المائة و العشرين محطمة ومحترقة تماما .. ذهل الضابط الاسرائيلي وكاد يجن .. و مازالت دبابة عساف ياجوريموجودة مكانها في رمال سيناء حتي الآن ذكري لهذه المعركة المجيدة
أكبر معركة دبابات في الحرب العظمي كان اسمها معركة " كورسك" فيروسيا و كان في هذه المعركة ٥٠٠ دبابة نحن قضيناعلي مائة و عشرين دبابة في عشريندقيقة .. هذه معجزة
وبهذه المناسبة كانت معارك الدبابات بيننا و بين اليهود عنيفة وكانت خسائر الدبابات في هذه الحرب ثلاث آلاف دبابة .. و للعلم خسائر الدباباتالمصرية ٥٠٠ دبابة فقط اما الخسائر الباقية و هي الفان و خمسمائة فهي موزعة بيناسرائيل و سوريا .. هذه حقيقة لم اكن أود اعلانها الآن ،.. لكنني اقولها لاولادنا وللتاريخ .. فهذا واجبي ألا اخفي هذه الصفحات المجيدة من تاريخنا . سؤال : هذه حقائقعظيمة جدا يا سيادة الرئيس و هي حقائق مشرفة تذاع لأول مرة .. و يجب ان يعرفهاشعبنا ليعرف قيمة الانجاز العظيم الذي تم في اكتوبر ١٩٧٣ تحت قيادتكم و علي يدجنودنا و ضباطنا الابطال
ارجو ان تسمح يا سيادة الرئيس ان اسألكم عن مشاعركم - ادق مشاعر - يوم ٥ اكتوبر وصباح يوم ٦ اكتوبر و قبل ذلك بعشر ايام حين ذهبت قواتنا البحرية اليمهامها في حرب اكتوبر يوم ٢٦ سبتمبر ١٩٧٣ عبر البحر الاحمر الي باب المندب كمااعلنتم سيادتكم من قبل
الرئيس : كان شعورا عاديا جدا و مطمئنا جدا
يوم ٢٨ سبتمبر كانت ذكري عبد الناصر ، القيت فيها خطابا و أعدت فيهاالصحفيين المائة والعشرين الي عملهم . فقد تم ما قصدته بابعادهم لبعض الوقت .. كنتاريد ان اقول لهم " عيب " و في هذا الوقت خرج من يقول ان السادات يقوم بعمل مصالحةوطنية لانه لا ينوي ان يخوض المعركة بأي شكل . مصالحة وطنية مع من ؟
كما قلت من قبل ليس بيني و بين أي مصري خصومة و لن يكون ذلك أبدا .. ليس هذا مفهومي للحكم أبدا لن اخاصم احدا من المصريين أو ادخل معه في صراع .. انااب للجميع كما قلت من قبل
يوم ٤ رمضان دعيت مجلس الأمن القومي المصري للاجتماع و هذا المجلسيتكون من رئيس الوزراء و نوابه ووزير الحربية ووزير التموين و مدير المخابرات وأمين الاتحاد الاشتراكي ومستشار الأمن القومي و هو المنصب الذي كان يشغله حافظاسماعيل في ذلك الوقت . واستمر هذا الاجتماع ٤ ساعات سمعت فيها آراء الجميع ثم قلتلهم " احب ان اوضح لكم شيئا .. ان اقتصادنا تحت الصفر و ليس عندي العيش لسنة ١٩٧٤ " و كنا في اكتوبر ١٩٧٣ أي ان امامنا شهرين فقط.. و مع ذلك فليفعل الله مافيه الخير..
في اليوم الثاني جمعت المجلس الأعلي للقوات المسلحة لاعطاء الأمرالاخير مني ، و في جلسه امتدت ٦ ساعات قام كل قائد بتقديم خطته امام جميع القادةالاخرين ،و اصبح كل قائد يعرف نصيبه في الخطة بدقة ووضوح قلت : مبروك بااولادي " واعطيتهم الأمر الأخير
بقي في المعركة امران - حسب ارقي العلوم العسكرية في العالم - الاولهو التوجيه الاستراتيجي و يكون من رئيس الجمهورية . و قد صدر مني هذا التوجيهللمشير احمد اسماعيل قبل المعركة بشهر و هو موجود و محفوظ في وزارة الحربية وهذاالتوجيه الاستراتيجي هو الذي اعطاه تشرشل في الحرب العالمية الثانية لايزنهاور
الأمر الثاني : هو أمر القتال و قد أصدرته قبل المعركة بثلاث ايام وسلمته للمشير احمد اسماعيل و هذا الأمر ايضا محفوظ في سجلات المعركة للتاريخ
يوم الاربعاء : أي قبل حوالي ٧٢ ساعة من المعركة طلبت السفيرالسوفيتي و أبلغته بقرار الحرب و قلت اريد من موسكو إجابة عن هذا السؤال .. ماذاسيكون موقف الاتحاد السوفيتي من المعركة ؟ سألني عن ساعة الصفر قلت له لم تحدد بعدو كنت قد اتفقت مع حافظ الاسد علي ان يقوم بابلاغ السفير السوفيتي بساعة الصفر و هيالساعة ٢ يوم السبت ٦ اكتوبر
يوم الخميس ٤ اكتوبر فوجئت بان السفير السوفيتي عاد يطلب مقابلتي ،و دهشت لان السوفيت لا يجيبون علي الرسائل بسرعة بل يتلكأون . و قد تتأخر الاجابةشهورا بعد شهور . ووافقت علي مقابلة السفير السوفيتي بعد دقيقتين من طلبه في بيتهبجوار بيتي في الجيزة . وكنت اتصور انه يحمل رد الحكومة السوفيتية و لكنني فوجئت بهيطلب مني الاذن بنزول اربع طائرات سوفيتية في مطار حربي مصري لنقل العائلاتالسوفيتية يوم ٥ اكتوبر ووافقت علي طلبه فورا و حددت له مطارا عسكريا غرب القاهرة وكان معني كلام السفير وطلبه نقل العائلات السوفيتية من القاهرة اننا سوف نخسرالمعركة و لذلك فهم يريدون سرعة الرحيل و مع ذلك وافقت و تم نقل العائلات الروسيةفي الوقت المحدد
و قبل ان يخرج السفير من مكتبي سألته عن الرد علي رسالتي الخاصةبموقف السوفيت من المعركة . فقال بعد ثلاث سنوات من المعركة
يوم الخميس ٤ اكتوبر انتقلت من بيتي في الجيزة الي قصر الطاهرة الذيكان قد تم تجهيزه بحيث يمكنني منه ان اتصل بجميع انحاء جمهورية مصر ، و بكل مسئولفي البلاد فيما لو انقطعت التليفونات . فقد كان في تقديري ان اليهود يمكن ان يركبوارؤسهم و يهاجموا المدن ويقطعوا المواصلات . علي ذلك فقد كان في قصر الطاهرة غرفةعمليات متصلة بغرفة عمليات الجيش و كل ما يتم في المعركة ينقل اليها فورا بأحدثالوسائل
يوم الجمعة كنت عادي جدا ..بل كنت اسعد انسان مع ان المعركة كانت لاتزال في كف القدر ، ولكن حساباتي كانت علي الوجه الآتي " لو نجحنا في المعركة كانبها و الحمد لله . وان فشلنا فانني ساكون بين جنودي في القتال و اموت معهم شهيدا معالشهداء " المهم انني اتخذت القرار و كانت البحرية قد بدأت يوم ٥ اكتوبر عملهاوانتهي الأمر .. و انتهي الاضطراب و البلبلة .. انتهت اللاحرب و اللاسلم ... و هذاكان مريحا لي الي أبعد حد
و في يوم الجمعة هذا قمت بالصلاة في زاوية صغيرة في منشية الصدر هيالزاوية التي تعلمت فيها الصلاة و انا صغير عندما جئت الي القاهرة مع أبي لأول مرةفلاحا بسيطا : حيث كنا نسكن في كوبري القبة . في ليلة ٦ اكتوبر نمت ملء جفوني وصباحالسبت يوم المعركة استيقظت و انا في غاية الراحة و السعادة و كما قلت لك لم يكنامامي الا النجاح أو الاستشهاد حتي تقول الاجيال القادمة ان السادات لم يقبل الذلوالانتظار و اللاحرب و اللاسلم .. ثم يكملون من بعدي . جاءني المشير احمد اسماعيلفي الواحدة و النصف و ذهبنا معا الي القيادة ووصلنا قبل ساعة الصفر بدقائق
غرفة القيادة التي ارجو ان تشاهديها ان شاء الله في ٦ اكتوبر .. وقد رآها بعض زملائك الصحفيين هذه الغرفة أشبه بغرف العمليات التي تشاهدينها فيالسينما عن الحرب العالمية الثانية ، و غرفتنا بهذا الشكل و مجهزة بأحدث الأجهزة ،وكانت الخطة معلقة علي الحائط كله . شيء رهيب مثير للانتباه .
و اذكر انني عندما وصلت الي غرفة العمليات وجدت اولادي في الغرفةصائمين .. كنت قد اعطيت أمرا بالافطار لانه لا يحارب احد و هو صائم وحربنا ضد العدوعبادة وليس بعدها عبادة ، و نحن لا نريد ان تحدث أي غلطة .. انا صائم لانني تعودتالالتزام بالصوم في جميع الأحوال .. في السفر في المرض في كل الاحوال أصوم فقد اصبحالصيام عندي له معني خاص منذ أيام القرية بالاضافة الي معناه الديني انه مرتبطبمعني الرجولة
و لكنني عندما وجدت من في غرفة العمليات صائمين ، و شعرت انهمصائمون احتراما لي طلبت : البايب " وكوبا من الشاي و افطرت في الثانية الا عشردقائق
في الساعة الثانية ميكروفون غرفة العمليات أعلن " الطيران المصريعبر الي سيناء " بعد عشرين دقيقة اتصل حسني مبارك بغرفة العمليات ليقول " ضربةالطيران حققت ٩٩% من اهدافها و هذه روعة حسني مبارك .. روعة حقيقية لقد قال السوفيتان ضربة الطيران الاولي لن تحقق الا ٣٠% و اننا سوف نخسر ٤٠% من سلاح الطيران كله
و هذا كله سجل للتاريخ ومكتوب وعليه شواهد ثابتة . من ثلاثين قاعدةجوية و بين ثلاثين مطارا علي مسافات مختلفة خرجت طائراتنا في وقت واحد و عبرتالقناة في مظلة من ٢٢٢ طائرة و عندما رأي اولادي هذه المظلة من طائراتنا تعبراصيبوا بنوع من " الهستيريا العظيمة " اذا صح هذا التعبير .. هستيريا عظيمة حقالانهم لم ينتظروا امر العبور فاندفعوا للعبور . كانت خسائرنا في الطيران في الضربةالاولي ٥ طائرات من ٢٢٢ طائرة . نتيجة رائعة بل مذهلة و كان من بين الطيارين الخمسةالذين سقطوا عاطف السادات اخي الله يرحمه . أصر ان يخرج في الطلعة الأولي و لم يكنفيها فسمح له القائد بذلك ،وكان نصيبه الاستشهاد
في غرفة العمليات بعد ما ابلغنا حسني مبارك بنتيجة ضربة الطيرانحدثت فرحة كبيرة حقا .. لقد تذكرت ما قرأته عما حدث في غرفة العمليات في الحربالعالمية الثانية عندما قامت ألف طائرة بضرب برلين لأول مرة و حققت الضربة اهدافها .. و في غرفة العمليات في لندن جري هناك ما جري عندنا بعد نجاح ضربتنا لليهود .. صرخة فرح و سعادة تملا الغرفة .. وبعد اربعين دقيقة سلاح المدفعية ضرب ضربته و حققاهدافه بقيادة الماحي كبير الياوران الآن .. ان الماحي خلي اليهود يشوفوا الويل ودكخط بارليف علي من فيه . و بدأت الاخبار بانتصارات الجيش والعبور وكان اول لواء عبرووضع العلم علي سينا هو اللواء السابع .. بعد اربع ساعات تأكدت من النصر . وكنت قدسجلت في اجتماع المجلس الأعلي للقوات المسلحة ان ال ٢٤ ساعة سوف تحدد مصير المعركة . و الآن تحدد مصير المعركة في الساعات الأربع الأولي
سؤال : هل ترك القمر الصناعي و نشاطة فوق مناطق حدودنا العسكريةاثرا من الخوف والحذر لديكم ؟ الرئيس : أبدا أبدا .. هنا لابد ان اقول ان القمرالصناعي مازال الي يومنا هذا يخدم اسرائيل والقمر الصناعي الامريكي هو الذي كانأساسا للثغرة في التخطيط و التنفيذ .. ان الثغرة قد صنعها الامريكان بقمرهم الصناعيو بأسلحة لم تخرج من امريكا إلا إلي سيناء .. أسلحة لم تعط لأي دولة في العالم حتياكتوبر ١٩٧٣ و من بينها قنبلة " المافريك " التي رأيتها بعد ذلك في مناورات ايران . و بالمناسبة فان القمر السوفيتي لاعلاقة له بنا و لا يقدم لنا أي شيء . بينما القمرالامريكي كان و مازال في خدمة اسرائيل
سؤال : لو كان العدو قام بضربة اجهاض لنا قبل تحركنا فهل كان هذايمكن ان يمثل خطرا علي حرب اكتوبر ونتائجها أم كان في امكاننا و في تخطيطنا ان نردالضربة بضربة مضادة؟
الرئيس : ضربة الاجهاض لو انها وقعت قبل ثلاث أيام من المعركة كانيمكن ان تسبب متاعب لنا . رغم اننا وضعنا مثل هذه الضربة في الحساب و كنا سوف نردعليها بقوة و عنف.. و لكن في الأيام الثلاثة السابقة علي المعركة لم يكن لمثل هذهالضربة من جانب العدو أي قيمة لقد قيل ان قادة الجيش الاسرائيلي اتصلوا بجولدامائير صباح السبت ٦ اكتوبر لكي يقوم الجيش الاسرائيلي بضربة وقائية . كل هذا كلاملاقيمة و لا أهمية له.. و لم تكن ضربتهم تجدي شيء لا يوم السبت ٦ اكتوبر و لاالجمعة ٥ و لا الخميس ٤ اكتوبر
سؤال : سيادة الرئيس هل كان هناك خوف من انتكاس الوقفة العربيةالجماعية الواحدة بعد قيام الحرب نتيجة التناقض بين القول و الفعل عند بعض الزعماء؟
الرئيس : في حياة الأمة العربية للأسف توجد دائما هذه الخلافات والمشاحنات و رغم ذلك فانا استطيع ان اقول و بكل ثقة ان اخواني و اصدقائي الملوك والرؤساء العرب قد تجاوبوا معي كل التجاوب اثناء التجهيز للمعركة و ذلك باستثناء بعضالخوارج مثل القذافي مجنون ليبيا وبعض الاصوات الاخري التي لم يكن لها قيمة
وهنا اود ان اسجل دهشتي البالغة من بعض العرب الذين يريدون انيملاؤا حياة امتنا بالمرارة بالتمزق و الخوف من المستقبل المجهول .. لقد صدرنا هذاكله الي اسرائيل بعد اكتوبر . لماذا يريد هؤلاء ان يستوردوا هذا كله من جديد اليالوطن العربي ؟ ان المواقف السورية و المواقف الليـبـية تعني استـرداد القلقوالتمـزق الي صفـوف الأمة الـعربية ، نحن نـرفض هذه المواقف واغلبية الامة العربيةترفض هذه المواقف .. والامة العربية بخير و مانراه هو ظواهر فوق السطح و لا يجوز انتزعجنا مزايدات سوريا و لا جنون الحاكم الليبي
سؤال : قيل ان بعض قوات الجيش اندفعت لتطوير الهجوم يوم ١٤ اكتوبرلتخفيف الضغط علي الجيش السوري و ان هذه القوات استطاعت بلوغ المنطقة المواجهه لمصرمثلا .. نريد ان نعرف من سيادتكم بعض التفاصيل عن هذه المهمة للحقيقة والتاريخ
الرئيس : بالفعل اندفعت قوات من الجيش الثاني و هي الفرقة ٢١المدرعة الي الشرق و قد كان ذلك تحت الحاح سوريا . فلم يكن في خطتنا ان ندفع بهذةالفرقة الي الشرق ، كنا قد اعددنا " منطقة قتل " في و كان تقديرنا ان اليهودسيندفعون الي هذه المنطقة من باب الغرور العسكري لان المفروض عسكريا ألا يأتي احدالي " منطقة القتل " ففي هذه المنطقة كل ما يظهر ينبغي القضاء علية .. وكل شيء حتيلو كان نمل . لذلك كل اليهود يندفعون الي هذه المنطقة و قد تعرضوا لضرب عنيف جدافيها . كما اشرت في جانب من الحديث هناك لواء مدرع بأكمله هو لواء عساف تم القضاءعليه في عشرين دقيقة . و كان المفروض ان مثل هذا اللواء يستمر في الحرب سنة اوسنتين و في الأيام الاولي من المعركة كانت نسبة خسائر اليهود الي خـسائرنا هي ٣ الي ١ أي ان خسائر اليهود ٣ و خسائرنا واحد
ثم استغاثت سوريا لانها كانت في اليوم الثالث قد بدأت تخرج من الحربو كان اليهود علي بعد عشرين كيلو من دمشق ، و امام الحاح السوريين وافقت للمشيراحمد اسماعيل علي انتقال الفرقة ٢١ من الغرب الي الشرق حيث اشتبكنا مع اليهودواصبحت خسائر اليهود بالنتـيجة لنا ٢ الي ١ بعد ان كانت ٣ الي ١ أي ان اليهود كانوايخسرون دبابتين كلما خسرنا نحن واحدة .. و كانت النتيجة ان خسائري في الدبابات بلغت ٥٠٠ بينما بلغت خسائر سوريا ١٤٠٠ دبابة وخسائر
اسرائيل اكثر من الف دبابة . وقد خسرت سوريا ١٢٠٠ دبابة في يوم واحد
اشتباك الفرقة ٢١ من الجيش الثاني مع اليهود عطلنا عن تحقيق بعضاهدافناسؤال : قمنا بتسليم ٣٩ جثة من جثث ضباط وجنود العدو في الصيف الماضيو قالت الصحافة العالمية انها " ضربة معلم " من الرئيس السادات و قيل ان مصر تحتفظبعدد آخر من الجثث الاسرائيلية عالجها المصريين كيمائيا حتي لا تتحلل ، و انها بعضخسائر اسرائيل في منطقة الثغرة و هي الخسائر التي بلغت أكثر من ألف قتيل ماصحه هذهالمعلومات
الرئيس : لقد بدأ الاسرائيليون هذا العام فقط في تسمية .. الثغرة " باسم " وادي الموت " لأن اكبر خسارة لليهود كانت في الثغرة . و في زيارتي لعمان قبللقائي بفورد في "سالزبورج " ألقيت خطابا تحديت فيه اليهود ان يذكروا خسائرهم فيالثغرة .. و لكنهم لن يفعلوا ذلك لان هذه الأرقام سوف تفتح قصة الثغرة كلها . هناطيار يهودي من الذين كانوا ينقلون القتلي من الثغرة ضربنا طائرته و أسرناه و قدأعطانا هذا الطيار بيانا كامل بخسائر اليهود بالاضافة الي ما نملكه من بيانات دقيقة . و عندما فشلت مفاوضات فض الاشتباك الثاني لأول مرة في مارس ٧٥ اتخذت قراري بفتحقناة السويس
و تسليم اليهود ٣٩ جثة . و قد كان من بينهم ضباط كبار جدا . وقداقيمت لهم جنازات ضخمة في اسرائيل و تجددت أحزان اسرائيل مع تسليم هذه الجثث وبعدان رفضوا فض الاشتباك الثاني في المرة الاولي عادوا فقبلوا ،و هذا ما قد يوضح صحةتقديري تماما
لقد تذكروا ما أصابهم في حرب اكتوبر .. و عرفوا ان العناد لن يفيدهمكثيرا فهذه جثثهم شاهد علي هزيمتهم
أما بالنسبة لبقية الجثث فقد اعطيت تعليماتي بالبحث عنها و اذاوجدنا جثثا اخري فسوف نسلمها لليهود ليس عندنا أبدا نية التمثيل بالجثث .. و ليستهذه اخلاقنا او عقائدنا
سؤال : هل يمكن يا سيادة الرئيس ان نتحدث بشئ من التفصيل عن الثغرة؟ الرئيس : انا سعيد اننا اعددنا دراسة كاملة عن الثغرة تكشف كل الحقائق وقد تم عرضهذه الدراسة في ندوة اكتوبر العالمية التي عقدت في جامعة القاهرة العام الماضي
الثغرة عبارة عن ماذا ؟.. هناك جيشنا الثاني و جيشنا الثالث يحتلانالمسافة من السويس الي بورسعيد أي حوالي ١٨٠ كيلو هناك " مفصل بين الجيش والمفصلدائما هو نقطة ضعف فجاء اليهود و ركزوا علي المفصل و فتحوا فيه مسافة ستة كيلومترات . و لم يتزحزح الجيش الثاني أو الثالث بوصة واحدة الي الوراء . و لم يستطيعوا انيحتلوا السويس . و تحولوا بعد وقت قليل الي " سندوتش " بين الجيش الثاني و الجيشالثالث
ان الثغرة كانت بطلب من امريكا لتحسين وضع اسرائيل في أي مفاوضاتوتمت بمساعدة القمر الصناعي الامريكي و بالأسلحة الامريكية الجديدة ، كما ان جولدامائير قالت لقائدها اليعازر >نحن في القاع < الحقونا بأي عمل ، و قامت الثغرةالفاشلة والتي كان يمكن تصفيتها من البداية لولا خطأ رئيس الاركان في ذلك الوقت فقدكان اولادي في الجيش قد وصلوا الي موقع الثغرة و لكن رئيس الاركان اعطاهم امرابالرجوع الي الوراء... و هذا خطأ
و مع ذلك فان الصاعقة و المظلات و القوات الخاصة في الجيش المصريجعلت من الثغرة " وادي الموت " بالنسبة لليهود . و كنت قد نبهت في المجلس الأعليللقوات المسلحة جميع القادة - اولادي - في القوات المسلحة . الي الحركات المسرحيةالتي تعودت اسرائيل ان تقوم بها ، وطلبت عدم الانزعاج من هذه الحركات أو الخوف منها، لقد كان هدفهم هو ان يقولوا انهم علي بعد ٩٠ كيلو من القاهرة و هذا هو نفسه ماكان يقوله المجنون معمر القذافي حيث جاء الي القاهرة في فترة الثغرة و هو " لابسمظلة " جاء لينقذ القاهرة .. " ما هم اصحاب العقول في راحة " لقد كانت الثغرة مادةللدعاية الاسرائيلية و مادة للحاقدين و الانهزاميين .. و مع ذلك فلم تكن الثغرة شيء .. كانت عذابا لليهود .. و قد عرف اليهود هذا الأمر وحاولوا الاستيلاء علي السويسليعوضوا خيبتهم و لكنهم فشلوا تماما .. تصفية الثغرة لم تكن تستغرق ساعات قليلة
سؤال : و لماذا يا سيادة الرئيس لم تتم تصفية الثغرة ؟
الرئيس : كان عدد دبابات اليهود في الثغرة اربعمائة دبابة و استطعتأن أجمع لحصار هذه الثغرة ٨٠٠ دبابة .. طلبت من تيتو ان يرسل بعض الدبابات فارسلهذا الزعيم المناضل علي الفور ١٤٠ دبابة بالذخيرة و الوقود .. الرئيس بومدين ارسل ١٥٠ دبابة فورا و كان هنا ١٠٠ دبابة اخري وضعها معمر القذافي في مرسي مطروح اخذتهاعلي الفور رغم انف القذافي
و كان الرئيس بومدين قد دفع للسوفيت ١٠٠ مليون دولار اثناء المعركةثمنا ل ٤٠٠ دبابة . وصلتني ايضا و اصبح عندي ٨٠٠ دبابة تقريبا بفضل الرئيسين تيتو وبومدين . عندما احس اليهود بهذا الرقم من الدبابات اسقط في ايديهم و اضطربوا اشدالاضطراب . وكان القرار هو تصفية الثغرة . وكانت تصفية الثغرة ممكنة تماما و سهلة
و في يوم ١١ ديسمبر ٧٣ جاءني كيسنجر و قال لي " اذا حاربتم من جديدفاننا - امريكا ستقف الي جانب اسرائيل . نحن نعلم انك تستطيع تصفية الثغرة و لكنناسنقف ضدك و نضرب مع اليهود ... و الحل هو ان نعمل فض اشتباك و يعودوا هم الي الشرقبدون قتال
قلت له : متي يمكن ان يتم هذا ؟
قال : في يناير ١٩٧٤
كان هذا الحديث في ١١ ديسمبر .. و لانني بدأت اثق بكيسنجر - الذياثبت لي دائما،، انه رجل شريف و صريح .. فقد وافقت علي ذلك
و مع ذلك لم اسكت .. عينت قائدا للثغرة هو مأمون " محافظ مرسي مطروحالآن ، وكان قبل ذلك قائدا للجيش الثاني في وقت العبور و
هو عسكري رائع وممتاز ،ثم اعددنا خطة تصفية الثغرة و صدقت عليها يوم ٢٤ ديسمبر ١٩٧٣ .. و كل ذلك حتي أكونمستعد لأي مفاجأت . وسافرت اسوان انتظر كيسنجر . و لو فشل كيسنجر كانت هناك كلمة سرواحدة اقولها للمشير احمد اسماعيل لتهدأ المعركة علي الفور وننتهي من العملية
ولكنني كنت اضع في اعتباري موقف امريكا و خطورته علي اهلي ووطني .. كما كنت أضع في اعتباري ان الاتحاد السوفيتي لن يساعدني أبدا في هذه المعركة .. بلسينتظر ضربي ليفرض شروطه من جديد .. وجاء كيسنجر
ونفذ وعده بفض الاشتباك ورحلت قوات اليهود و انتهت تمثيلية الثغرةسؤال: أود ان أسأل سيادتكم بعد هذه الرحلة الطويلة معكم حول ٦ اكتوبر عن رأيكمباعتباركم كاتبا و مثقفا كبيرا - في الأدب العربي .. هل عبر أدبنا بصدق عن اكتوبر ؟ثم ما هو رأيكم فيما قدمته السينما المصرية من أفلام عن حرب اكتوبر؟
الرئيس : ان أدبنا لم يعبر حتي الآن عن معركة اكتوبر . ان حرباكتوبر ليست حدثا محليا وانما حدث عالمي و العالم بعد اكتوبر يختلف تماما عن العالمقبل اكتوبر ،
سياسيا : تأكد مركز العرب كقوة سادسة في العالم بعد اكتوبر . ولنترك ما يبدو علي السطح من زوابع و خلافات فتلك لعنة مكتوبة علي العرب ان يجتمعوافي أيام المحنة ثم يتفرقوا و يتمزقوا ،، و لكنني علي يقين بان الجوهر سليم و نقي .. لقد اصبح العرب بعد اكتوبر قوة رهيبة
اقتصاديا : امتلك العرب ، لأول مرة بترولهم بتأميم شركات البترولبالكامل و استطاع العرب لأول مرة أيضا ان يحددوا انتاج البترول .. و انتقصت الكويتمليون طن من الانتاج .. وارتفع ثمن البترول ثلاثة اضعاف ثمنه قبل اكتوبر . و الغربكله الآن يقف موقف الرعب من العرب ،
عسكريا : دخلت دروس حرب اكتوبر في تعديل تصميمات السلاح ، و قدالتقيت منذ فترة قريبة ببعض - الاوروبيين الذين يعملون في صناعة الأسلحة ، و قدقالوا ان تصميمات الأسلحة تغيرت بعد حرب اكتوبر كما تغيرت المفاهيم العسكرية فيالعالم كله ،
هذه الاثار الضخمة لحرب اكتوبر تنعكس حتي الآن في أدبنا وربما يحتاجالأمر الي بعض الوقت كما يحتاج الي ازالة آثار الانهزامية التي سيطرت علي بعضالادباء .. وبعدها اعتقد ان من الممكن ان نجعل ادبنا ادبا يعبر عن اكتوبر خير تعبير
بالنسبة للافلام التي ظهرت عن اكتوبر بعضها افلام جيدة . لكنني انويان تقوم مصر بعمل فيلم طويل علي غرار فيلم . اطول يوم في التاريخ - و هو الفيلمالذي صور غزو الحلفاء لنورماندي - هذا الغزو الذي كان بداية انهيار هتلر . و قدتكلمت مع عمر الشريف عندما قابلني في امريكا عن مشروع هذا الفيلم . و ارجو ان يحشدهذا الفيلم جميع الممثلين الكبار عندنا . كما حشد فيلم " اطول يوم في التاريخ " جميع الممثلين في كل بلاد الغرب
ان جبهتنا طولها ١٨٠ كيلو متر و عندنا خمسة رؤوس كباري و تفاصيلالمعارك كثيرة جدا في الجو و البر و البحر .. و هذا يجعلنا نحتاج الي اكبر حشدسينمائي عرفته السينما العربية لانتاج هذا الفيلم الهام
سؤال : هذه التجارب الضخمة و الذكريات العديدة النادرة . لماذا لاتقومون بتسجيلها في كتاب يكون دليلا حيا للأجيال الجديدة ،، و يتعلمون منه العلومالكثيرة عن وطنهم و تاريخهم بكل قائد له خبرتك و تجربتك و مواهبك ؟
الرئيس : قبل نهاية السنوات الست الأولي من رئاستي للجمهورية شعرتبانني لابد ان أكتب مثل هذا الكتاب فهناك حقائق لابد ان يعرفها الشعب و لا يجوز انيكون حولها خلاف بعد ذلك - خاصة و قد لاحظت ان البعض للأسف بدأ يكتب و يشوه أو يصورالحقائق من زاوية واحدة فيها كثير من النقص . ومن أجل هذا اعددت كتابا تحدثت فيه عنسنواتي الست السابقة في الحكم و عن معركة اكتوبر وعن حياتي في القرية .. انه كتابكبير يشمل الكثير و قد اتفقت مع ناشر امريكي علي اصدار هذا الكتاب و سوف يصدرالكتاب في طبعته الانجليزية العالمية في الربيع القادم ان شاء الله في اوربا وامريكا و العالم كله ،
وقد تبرعت بدخل هذا الكتاب كاملا بحيث يذهب نصف دخله لاعادة بناءميت ابو الكوم والنصف الآخر للوفاء والامل .. انا لا أريد من دخل هذا الكتاب شيئالنفسي