عرض مشاركة واحدة
  #130  
قديم 10-06-2010, 09:45 AM
الصورة الرمزية محمد رافع 52
محمد رافع 52 محمد رافع 52 غير متواجد حالياً
مشرف ادارى متميز للركن الدينى ( سابقا )
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 19,444
معدل تقييم المستوى: 37
محمد رافع 52 will become famous soon enough
افتراضي


ثانياً: إنما سميت القدرية بهذا الاسم لأنهم نفوا القدر، فنُسبوا إِلَى الشيء الذي نفوه.


وقد جَاءَ رجل من الأعراب فيه ذكاء وذهن وقاد إِلَى عمرو بن عبيد ، وكان المعتزلة يعظمونه ويقولون: هذا يضرب به المثل في العبادة والزهد في الدنيا والتقشف والتقلل؛ لكنه كَانَ عَلَى عقيدة منحرفة لا تغني ولا تنفع صاحبها أبداً، مثل أحبار اليهود والنَّصارَى، يتعبدون ويخشعون ولكن لا ينفعهم ذلك، فالأعرابي -مسكين من أهل البصرة - سرقت ناقته فلم يجدها فاحتار، فَقَالُوا: اذهب إِلَى هذا الولي العابد الزاهد، واطلب منه أن يدعو الله ليرد لك ناقتك، فذهب إِلَى عمرو بن عبيد وشكا إليه الحال، وقَالَ: إن الناقة قد سرقت، وإني أرجو أن تدعوا الله أن يرد إلي الناقة، فرفع عمرو بن عبيد يديه وقَالَ: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقة هذا الأعرابي، اللهم فارددها عليه! فَقَالَ الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك!! ما دام أنه أراد أن لا تسرق فسرقت، فأخشى أن يريد أن ترجع فلا ترجع.


فالفطرة السليمة عندما تكون حاضرة وحية في النفس، تعرف بالذكاء أن هذا المذهب مذهب باطل.


فمذهب المعتزلة : أن الخير ينسب إِلَى الله، والشر يخلقه ويفعله العبد، والله تَعَالَى لم يرد وقوعه، وتطور هذا المذهب إِلَى أن صار مذهب عامة المعتزلة وفرقهم عَلَى اختلافها.


سبق في موضوع التمثيل والتشبيه أن الشيعة كانوا مشبهة ، ثُمَّ غَلب عليهم التعطيل لما دخلوا في مذهب الاعتزال واعتنقوه.


وذكرنا السبب الذي جعل الشيعة يصبحون معتزلة وقدرية ، فـالشيعة الزيدية والشيعة الغلاة الرافضة كلهم يجمعهم أنهم عَلَى مذهب الاعتزال في القدر.


وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رد عَلَى الشيعة بكتاب منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لأن الذي سمى نفسه بـالمطهر ألف كتاب منهاج الكرامة وقَالَ: إن مذهبنا -مذهب القدرية - إنما أخذه عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء عن أبي هاشم أخي الحسن بن مُحَمَّد بن عَلَى بن أبي طالب الذي يسمى مُحَمَّد بن الحنفية ، وهو ابن لـعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ، ولكن ليس من فاطمة -رضي الله عنهم أجمعين- وأمه من بني حنيفة.


فمذهبنا في نفي القدر صحيح؛ لأن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تتلمذا على أبي هاشم ، ولذلك رد عليهم شَيْخ الإِسْلام ابْن تَيْمِيَّةَ فقَالَ: هذا الكلام غير صحيح، فإن أبا هاشم لم يكن من المعتزلة ، والمعروف عن مُحَمَّد بن الحنفية أنه لم يكن معتزلياً، ولو أن أحداً من ذريته أثرت عنه بدعة، لما كَانَ حجة في أن تتبع ويخالف ما كَانَ عليه النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، لكن الشيعة اختلفوا سنداً لنفي القدر لا ينتهي إِلَى عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الذين هم أساس الاعتزال؛ لأنه لو قيل إنهم أخذوا القدر عن معبد وغيلان وعن تلاميذهم، لكان هذا عاراً ومسبةً، فجعلوا كل علومهم وأديانهم متلقاة عن آل النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك أتوا بهذا السند وَقَالُوا: أخذوا عن أبي هاشم بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب عن أبيه عن جده عن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا كذب صراح؛ لأن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينكر القدر والعياذ بالله.


وهناك فرقة أخرى تسمى القدرية ؛ لأنها تثبت القدر إثباتاً مطلقاً، فيقولون: كل ما يفعله الإِنسَان فإن الله قد قدره عليه، والإِنسَان ليس له إرادة مطلقاً، فلا يختار الخير ولا الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، فهَؤُلاءِ يسمون القدرية للغلو في إثباته، لكن اسمهم المشهور هو الجهمية ؛ لأن أول من قال بهذه المقالة في الإسلام هو الجهم بن صفوان .


وأشهر ما يسمون به الجبرية ، وأعظم ما يستدلون به حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، وهي فكرة قديمة موروثة أخذوا يتلمسون ويبحثون لها عن حجج واهية، أو متشابه من الكتاب والسنة يفهمونها فهماً خاطئاً ثُمَّ يدعون أنها بينات.


فهاتان الفرقتان -الذين غلو في نفي القدر، والذين غلوا في إثبات القدر- يسميان القدرية ؛ ولكن أحدهما: قدرية نفاة، والأخرى جبرية .


ثالثاً: حكم القدرية :


أما من ينفي علم الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بالأعمال قبل أن تقع سواء كانت أعمال الخير أو أعمال الشر ويقول: إن الله لا يعلمها حتى تقع؛ فإنه كافر خارج من الملة؛ لأنه نفى صفة من صفات الله -عَزَّ وَجَلَّ- ورد إثباتها في مواضع كثيرة من القُرْآن والسنة.


فالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عليم بكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فمن ظن أنه يعزب عن علم الله شيء من ذلك، وأن الله لا يعلمه فقد كفر.


بل اللوح المحفوظ الذي ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كتب فيه مقادير كل شيء، كماجاء في الحديث الصحيح: {أول ما خلق الله القلم، فَقَالَ له: اكتب. فكتب مقادير كل شيء} وهذا كَانَ قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ولذلك قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ألستم عرباً تقرؤون؟! إنما يكون النسخ من كتاب، وهذا كَانَ قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ولذلك قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ألستم عرباً تقرؤون؟! إنما يكون النسخ من كتاب، وهذا في قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [الجاثية:29] فالملائكة الذين يكتبون ما يعمله كل إنسان، يستنسخون من اللوح المحفوظ، فما يفعله الإِنسَان يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ ويعرض عليه، ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، فهذا مستنسخ من اللوح المحفوظ وهو مطابق لما سيفعله.


ونجد أن أول ما خلق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آدم -عَلَيْهِ السَّلام- أخذ من صلبه ذريته، فكان كل منهم كالذر، وقال هَؤُلاءِ في الجنة ولا أبالي، وهَؤُلاءِ في النَّار ولا أبالي، كما سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في شرح آية الميثاق [الأعراف:172].


وكل واحد من بني آدم عندما يكون في رحم أمه، بعد أن يأتي عليه أربعون ليلة، أو اثنتان وأربعون ليلة، أو مائة وعشرون ليلة -على اختلاف الروايات، والأرجح -والله أعلم- أن رواية الثنتين والأربعين نص في ذلك- يأتيه ملك، فيؤمر بكتب أربع كلمات، وهذا هو القدر الشخصي للإنسان، والذي كتب لما خلق الله القلم هو القدر الكوني العام، ولما خلق الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- آدم كتب قدر البشرية جميعاً، فهذا التقدير مكتوب معلوم عند الله -سبحانه تعالى- عَلَى مستوى الكون كله، وعلى مستوى العالم الإِنسَاني، وعلى مستوى الفرد البشري يعلمه الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ويكتبه.


وأما من قَالَ: إن الله يعلم ذلك، لكن لا نثبت أنه أراد ذلك؛ تنزيهاً له -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عن إرادة الشر، فهَؤُلاءِ عَلَى بدعة خطيرة وضلالة كبيرة، ولكن لا يكفرون، وإنما تقام عليهم الحجة الدامغة، فلعلهم يرجعون ويهتدون، ونجادلهم بقضية العلم، ثُمَّ نثنّي عليها بآيات الإرادة، ونبين لهم معنى الإرادة وأنها نوعان.


وأما الجهمية الذين قالوا: إن الإِنسَان لا إرادة له مطلقاً، وأنه كالريشة في مهب الريح، فإن هَؤُلاءِ يكفرون، وقد سبق الكلام في الجهمية ومن كفرهم من العلماء مثل: وكيع ، وابن المبارك ، والإمام أَحْمَد ، وسفيان بن عيينة ، وإسحاق بن راهويه -رضي الله عنهم أجمعين- وهي ليست من فرق الأمة الثلاث والسبعين.


قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:



[ولا يكون إلا ما يريد].


قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:


[هذا رد لقول
القدرية والمعتزلة ، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من النَّاس كلهم، والكافر أراد الكفر، وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة، والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان -إن شاء الله تعالى-.


وسُموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضاً، والتسمية عَلَى الطائفة الأولى أغلب.


أما أهل السنة ، فيقولون: إن الله وإن كَانَ أراد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها، ولا يأمر بها، بل يبغضها، ويسخطها، ويكرهها، وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء عَلَى أن الحالف لو قَالَ: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كَانَ واجباً أو مستحباً، ولو قَالَ: إن أحبّ الله، حنث إذا كَانَ واجباً أو مستحباً. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان:


إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية: هي المتضمنة للمحبة والرضى. والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.


وهذا كقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] وقوله تَعَالَى عن نوح عَلَيْهِ السَّلام: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34] وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253] وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:26] وقوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء:27، 28] وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] وقوله تَعَالَى عن نوح عَلَيْهِ السَّلام: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34] وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253] وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:26] وقوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء:27، 28] وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6] وقوله تعالى:
[الأحزاب:33]، فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول النَّاس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.


وأما الإرادة الكونية، فهي الإرادة المذكورة في قول الْمُسْلِمِينَ: ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن. والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل. فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلاً فهذه الإرادة المعلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلاً، فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تَعَالَى إذا أمر العباد بأمر، فقد يريد إعانة المأمور عَلَى ما أمر به، وقد لا يريد ذلك، وإن كَانَ مريداً منه فعله] ا.هـ

__________________
رد مع اقتباس