صلة الأرحام
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمدة ونستعينه ونستغفرة، ونعوذ الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد:
فبين يديك أخي القاري جملة من الأحاديث والأقوال والفتاوى الشرعية فى أهمية صلة الأرحام ووجوبها وثمراتها، والتحذير من قطيعتها.
قال تعالى: {وَاتَقُوا اللهَ الَّذي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رَقِيباً} [سورة النساء: 1].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَصِل رَحِمَه» [متفق عليه].
من هم الأرحام؟
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: من هم الأرحام وذوو القربى حيث يقول البعض إن أقارب الزوجة ليسوا من الأرحام؟
فأجاب سماحته: الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك، وهم المعنيون بقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال والأحزاب: {وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أولَى ببَعْضٍ في كِتَابِ الله} [سورة الأنفال: 75]، وأقربهم الآباء والأمهات والأجداد والأولاد وأولادهم ما تناسلوا، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سأله سائل قائلاً: "من أبر يا رسول الله؟"، قال: «أمك»، قال: "ثم من؟"، قال: «أمك»، قال: "ثم من؟"، قال: «أمك»، قال: "ثم من؟"، قال: «أباك، ثم الأقرب فالأقرب» [خرجه الإمام مسلم في صحيحه] والأحاديث في ذلك كثيرة.
أما أقارب الزوجة فليسوا أرحاماً لزوجها إذا لم يكونوا من قرابته، ولكنهم أرحام لأولاده منها، وبالله التوفيق
(فتاوى إسلامية).
بأي شيء أصل أرحامي؟
صلح الرحم تكون بأمور متعددة، فتكون بزيارتهم، والإهداء إليهم، والسؤال عنهم، وتفقد أحوالهم، والتصدق على فقيرهم، والتلطف مع غنيهم، واحترام كبيرهم، وتكون كذلك باستضافتهم وحسن استقبالهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أحزانهم، كما تكون بالدعاء لهم، وسلامة الصدر نحوهم، وإجابة دعوتهم، وعيادة مرضاهم، كما تكون بدعوتهم إلى الهدى، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، يقول ابن أبي حمزة: "تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء".
وقال النووي: "صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك".
صلة الرحم واجبة وإن قطعوك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: "يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كنت كما قلت فكأنما تُسفُّهم الملل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» [رواه مسلم].
ثمرات صلة الرحم:
صلة الرحم سبب لمغفرة الذنوب:
* عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: "إني أذنبت ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك من أم؟»، قال: "لا"، قال: «فهل لك من خالة؟»، قال: "نعم"، قال: «فبرها» [ رواه الترمذي وصححه الألباني].
صلة الرحم سبب لزيادة الرزق وطول العمر:
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سرّه أن يُمَد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله، وليصل رَحِمَه» [ضعفه الألباني] .
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه» [رواه البخاري ومسلم].
صلة الرحم من أحب الأعمال إلى الله تعالى:
عن رجل من خثعم قال: أتيت النبي وهو في نفر من أصحابه، فقلت: "أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟"، قال: «نعم»، قال: قلت: "يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟"، قال: «الإيمان بالله»، قال: قلت: "يا رسول الله، ثم مه؟"، قال: «ثم صلة الرحم»، قال: قلت: "يا رسول الله، ثم مه؟"، قال: «ثم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر»، قال: قلت: "يا رسول الله، أي الأعمال أبغض إلى الله؟"، قال: «الإشراك بالله»، قال: قلت: "يا رسول الله، ثم مه؟"، قال: «ثم قطيعة الرحم»، قال: قلت: "يا رسول الله، ثم مه؟"، قال: «ثم الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف» [صححه الألباني].
صلة الأرحام سبب لدخول الجنة والنجاة من النار:
عن أبي أيوب رضي الله عنه أن أعرابياً عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، فأخذ بحطام ناقته أو بزمامها ثم قال: "يا رسول الله -أو يا محمد- أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار". قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه. ثم قال: «لقد وفق أو لقد هدي»، قال: "كيف قلت؟"، قال: فأعاد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة» [رواه مسلم].
صلة الرحم ليست من باب المكافأة:
من الناس من يصل أقاربه إن وصلوه ، ويقطعهم إن قطعوه، وهذا في الحقيقة ليس بواصل، وإنما هو مكافئ للمعروف بمثله، وهو حاصل للقريب وغيره، فإن المكافأة لا تختص بالقريب وحده. والواصل حقيقة هو الذي يصل قرابته لله سواء وصلوه أم قطعوه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» [رواه البخاري].
عقوبة قاطع الرحم:
قاطع الرحم لا يدخل الجنة:
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قاطع»، قال سفيان: "يعني قاطع رحم" [رواه البخاري].
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر» [قال الألباني صحيح لغيره] .
قاطع الرحم لا يقبل عمله:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم» [حسنه الألباني في صحيح الترغيب] .
منع الزوجة من صلة رحمها:
سئل فضيلة الشيخ صالح الفوزان: هل يجوز للزوج أن يمنع الزوجة من صلة رحمها، وخصوصاً الوالدة والوالد؟
فأجاب فضيلته: صلة الرحم واجبة، ولا يجوز للزوج أن يمنع زوجته منها؛ لأن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، ولا يجوز للزوجة أن تطيعه في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل تصل رحمها من مالها الخاص، وتراسله وتزوره؛ إلا إذا ترتب على الزيارة مفسدة في حق الزوج؛ بأن يخشى أن قريبها يفسدها عليه؛ فله أن يمنعها من زيارته، لكن تصله بغير الزيارة مما لا مفسدة فيه، والله أعلم