حدس
الخلاف بين المدرسات و طلابهن على أشده اليوم فنهاية الأسبوع تجمع الثارات التي لم يحكم فيها شيخ القبيلة و تقسمها بين المتناحرين بالعدل ، ضرباً و شجاراً و زهقاً .
أما الساحة التي اعتادت الفتيات انتظار آبائهن فيها بعد انتهاء اليوم الدراسي فقد تغير نظامها و صار روادها طلاب المرحلة الإبتدائية من البنين. كمية الإزعاج الذي يمر به الأولاد في الدقائق التي تسبق انطلاقهم للبيت يعادل كم الضجيج الذي مر بهم طوال اليوم!
أمام مدرسة أبناء أختي ، أرى منظراً مشابهاً لما مر خلال عقلي في مدرستي. لكن الدقائق العشرة التي تفصل المكانين كانت كافية لوضع خطة ما.
الآن إذ يحط الولدين ركابهما في سيارتي ، و انطلق بهما عودة للبيت ، أشغلهما بمسابقة :
الذي يحزر منكما أين أمكما الآن ، له مني خمس جنيهات!
يعمل ذهن الكبير بسرعة فيقول : ذهبت تجدد رخصة سيارتها ، دقيقة ثم يتردد و يلقي في مسمعي باختيار ثاني ربما هي في السوق التجاري فليان طلبت منها أن تتنزه فيه البارحة فوعدتها بالذهاب اليوم.
أو هي في السوق تشتري احتياجات البيت .
إجابة الصغير الساذجة قرينة الأكبر: أقول ما قال يوسف!
إذ تجافى عن عقله منطق الأمور ، لم يجد إجابة سؤالي، عقل يلقي أحكاماً في أي اتجاه و لا عليه إن لم تصب هدفاً. ذاك ما تعوده مدارس اليوم الطلاب. المعلومات المفرومة في عبوات صغيرة مجردة من معناها و سلسلة الأحداث إذ تتفكك ، يضيع السياق. و لا عليه إن لم يحفظ فأسئلة الإمتحان توحي بالإجابة و كثيراً ما لا يفهم الطالب التلميح !
أقترح أن يعيد النظر فيما قال ، و أن يتمهل قليلاً قبل أن يجيب ليتوج نجاحه بالجائزة.
أخبره عن الحدس ، ما هو و كيف يعمل و كيف ينفع صاحبه و يرزق به خيراً عميماً.
ثم أعيد السؤال و أسأله أن يستحضر الروية قبل الإجابة.
أساعد أفكاره للوصول لصواب الإجابة ، أسأله في صوت يوحي أنه مخطىء : لماذا تظن أن أمك تجدد الرخصة؟
- لأنك جددتِ رخصتكِ ، تبادر الأمر لذهني سريعاً.
يعيد النظر فيسألني كم مدة رخصة السيارة
- تمتد ثلاثة سنين .
- متى جددت أمي رخصة السيارة ؟
- العام الماضي .
يستبعد خياره السابق و يلغيه.
استمر في تفنيد إجاباته : كثيراً ما تطلب ليان الذهاب لمركز التسوق كي تلعب في قسم خاص بالألعاب فيقال لها غداً إن أذن الله كي تهدأ و تكف عن البكاء .
الآن يلغي الإختيار الثاني فقد فهم أنه لا يكون.
الصغير يوافق أخاه مرة أخرى.
الآن وصولاً للإختيار الثالث:
- اشترت أمي ما يلزم البيت من طعام البارحة لذلك فإنها لن تذهب للسوق اليوم.
إذاً من المتوقع أن تكون في البيت تجهز طعام الغذاء كعادة معظم الأيام في هذه الساعة.
أما الصغير فيقترح حلمه المثالي لهذا الوقت : أن تكون أمه مع ليان في الحديقة يلعبان بالأرجوحة .
في البيت ، يجريان بسرعة ، يتحققان من وجود السيارة في الموقف و غياب البشر عن الحديقة و الأرجوحة.
أجل هو السجن المؤبد الإنفرادي : المطبخ ، عفواً ليس انفرادياً فهو يعج بالبصل و الخضار و خيرات المولى ..الخ.
بالطبع قبض مني الخمس جنيهات فوراً.
|