شدّد مدير المدرسة الأسبوع الماضي على المتابعة الأسبوعية لتصويب الكراسات ، لابد من التأكد أن الإجابة القويمة في حوزة كل طالب استعداداً للتقويم الشهري.
أمر ليس بعسير من وجهة نظر المدير ، ما على رئيس القسم سوى إحضار قائمة بأسماء الطلاب و التأكد أن كل كراسة مصححة بشكل منهجي ، و أن الدروس مدونة بتواريخ معينة ، سؤالاً و إجابة.
لماذا أمر الرجال يسر لا تعرقله تلك الحواشي التي تعترض طريقي؟
تلك السيطرة التي يلقون بها أوامرهم في ثقة على ناصية وقتي توحي لي بضخامة حجمهم إلى حجمي الضئيل!
طيب ، ليكن .
عودة إلى ساحة العمل لتنفيذ الخطة المطلوبة ، أحصل على قوائم بأسماء الطالبات و أصمم ورقة للمتابعة بالشكل المطلوب و أكتبها على الحاسب و من ثم للطابعة ، أجمع الكراسات كي أقوم بتنفيذ المهمة المطلوبة فيصدني الكثير:
في كل كراسة رسالة من صاحبتها : أنا مميزة فلا تتجاهلي وجودي لأنك قررت أن الأمور كمالها ما هو متناول يدك يا مدرستي مهما يكن حالي!
و هناك من تستعين بالكتاب الخارجي للمذاكرة ، لماذا إذاً عناء الكتابة؟
و من تغيب لأجل البطولات الرياضية ، الزمن الحالي له متطلباته و تراكم ما مضى ليس أحد مسؤلياته!
و تلك التي لا تحب المدرسة ، تغيب لشتى الأعذار فيجد أحدهم من الطب لها عذراً للبقاء في المنزل ، هناك حيث برنامج دراسي لا يتوافق مع ذاك المدرسي و إن كان يصب في مجرى الإمتحان في النهاية .
أما المدرسات فحدث و لاحرج ، لا يملأ عمل الكراسات الميكانيكي عقولهن ، يشغلهن الحديث عن أبنائهن. تركن أبناءهن في المدرسة و أحضرن القلق على مستقبل الأبناء إلى العمل!
و هناك من المدرسات من تسرّي عن نفسها بالمزاح و لابد أن تشارك المرح من حولها!
ثم إن الوقت لم يكفِ لتسجيل أسماء صاحبات الكراسات المتقنة . و إذ تعود الكراسات للطالبات ، تغيب الكراسة الناقصة في غياهب الكراسات الكاملة ، يلتحف البعض بالبعض ، تشابهت من أفلحت مع من لم تفعل.
و كلما اتفقنا أن نوجه رسالة تحذير لمن لم تكمل دروسها من الطالبات ، ظهرت من المدرسات من تلتمس من الأعذار ألوانا كي تنقض الإتفاق.
المدرسة التي تصحح الكراسات كيفما اتفق ، لن تتابع الطالبات كما اتفقنا ، أقوى المطروح في سوق الأعذار هذه الأيام هو عدم إغضاب الطالبات و إثارة إستيائهن بذكر الكراسة المنقوصة.
عذر تلتحف به بعض المدرسات تخففاً من أعباء التصحيح المملة و التفاتاً لما هو أكثر إثارة و ربح : حلم الغنى بتدريس الثانوية العامة . أمر يلتهم الوقت المخصص لتحضير دروس الفصول الإعدادية بشكل أكفأ ، يتململ منه البعض رغم أنه عملها الذي أحضرها صباحاً لهذا المكان.
أما المشاعر و الحديث عنها فهي صلب كل المواضيع يستقطع من الوقت نصيباً وافراً و حين يحضر العمل يجد من الوقت فتات ، يطعمه على استحياء فيأتي العمل هزيلاً لا يسمن و لا يغني من جوع!
هذا فقط بعض ما يغل يدي و هي تسجل وجود خلل في الكراسات من ناحية بعض الطالبات و خللاً مماثلاً في متابعتهن من جانب مدرساتهن.
خللاً يعكس فرجة في العلاقة بين البشر جعل لهم خالقهم ملكات مختلفة فوحّد تعليم اشتراكي بينهم بطريقة مخلة ، آخى بينهم الإسلام و جعلهم عدول لكنه أمر بفرز ملكاتهم المختلفة كي يسلك كل منهم طريقه الخاص.
النظام المتهالك يعطيهم جميعاً جرعة غير مشبعة من علوم محددة ، تعمى أعين الجميع عما عداها. أقله لا يلتفتون للمتغيرات الجديدة .
ليس أقله تعليم خاص يبني اقتصاده من مال أولياء الأمور، وفق ميزانية مشفرة حيث الشفافية أخفى الأشياء ، وحدها البلاطة تعرف كل الأسرار.
و لأن راتب المدرس حقاً من جيب ولي أمر الطالب فقد أشبه الأمر التجارة حيث زبون يدفع مقابل خدمة يتسلمها لذلك يحق له أن يوجه دفة الأمور كما يرى.
و لأن البشر يحشرون الكرامة في كل خلاف فقد أسر لي الجميع ، طلبة و مدرسون و أولياء أمور أن المال أساس مشاكل المدارس الخاصة ، إليكم مثال : ولي الأمر الذي يتذرع بالشد مع أبنائه لتربيتهم ، يطالب المدرسات باستخدام الشدة معهم إذ يصيرون طلاباً و ذلك الذي يحل مشاكل أبناءه بالمال إذ تظهر في البيت ، يطالب المدرسة بالتشجيع المادي و المكافآت المالية ، إذ تهبط الروح المعنوية و روح الإنجاز عند أبنائه.
ذاك الذي اعتاد أن يربي بالحرمان يود لو نحرم أبناءه مما يمتعهم و هناك كل ألوان التربية في البيوت و كل اقتراحات التربية من أولياء الأمور.
و لعل بعض الحق في ما يقولون ، لكن ما يجعل حساباتهم إلى الخلل أقرب هو طبيعة النظام المغلق الذي يمثله التعليم. و النظام المغلق كما تعلمون يمتص الطاقة التي تزوده بها، تضيع بين جنباته بلا أثر !
لماذا يشغلني ما سبق؟ يكفي أن أؤدي متابعة غاية في السطحية و أن أستل نفسي منها كما الشعرة من العجين.
- لأنني في بوتقة الخلاف أُصهر فيها كل يوم .
بين أنحاء ذاتي ، حين أصير إليها وحدها ، أسألها لم أذنت للخلل بالدخول؟
طاقة من حولي تشد الحبل تجاه وجودهم و تسوقني في طريقهم فلا يسعني سوى التنحي حتى لا تهترىء يداي و أنا أشد في اتجاه مغاير.
- تفسير سطحي ، غير مقبول ممن اعتادت أن تصنع التغيير.
- قولي إذاً أنك اكتفيتِ .
- لا لم أكتفِ