أسباب الضلال في القدر
والسبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءاً من الحقيقة وعمي عن جزء منها ، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانبي الشيء ، ولا يرى الجانب الآخر ، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا : إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي ولا يحبها ولا يرضاها ، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي .
والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء ، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبّه ورضيه .
وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها ، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين ، ونفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها .
فهم يقولون : " إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً ، فهو لا يحبها ، ولا يرضاها ولا يأمر بها ، بل يبغضها وينهى عنها " .
وهذا قول السلف قاطبة ، فيقولون : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال : والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله ، وإن كان واجباً أو مستحباً .
ولو قال : إن أحب الله ، حنث إن كان واجباً أو مستحباً .
والمحققون من أهل السنة يقولون : الإرادة في كتاب الله نوعان :
إرادة قدرية خلقية ، وإرادة دينية شرعية .
فالإرادة الشرعية هي المتضمنة المحبة والرضا ، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات .
فالإرادة الشرعية كقوله تعالى : (
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة :185 ] ، وقوله : (
ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) [ المائدة : 6 ] (
يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم - والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً - يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) [ النساء : 26 - 28 ] وقوله : (
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) [ الأحزاب : 33 ] .
فهذا النوع من الإرادة لا تستلزم وقوع المراد ، إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة ، وهذه الإرادة تدل دلالة واضحة على أنه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر ، ولا يأمر بها ولا يرضاها ، وإن كان شاءَها خلقاً وإيجاداً .
وأنه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية ويرضاها ويثبت عليها أصحابها ، ويدخلهم الجنة ، وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين
(1) .
وهذه الإرادة تتناول جميع الطاعات حدثت أو لم تحدث
(2) .
والإرادة الكونية القدرية هي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات ، التي يقال فيها : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وهذه الإرادة مثل قوله تعالى : (
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) [ الأنعام : 125 ] . وقوله : (
ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم . إن كان الله يريد أن يغويكم ) [هود : 34 ] . وقوله : (
ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) [ البقرة : 253 ] . وقوله : (
ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) [ الكهف : 39 ] .
وهذه الإرادة إرادة شاملة لا يخرج عنها أحد من الكائنات ، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله ومشيئته هذه ، وهذه يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر ، و أهل الجنة وأهل النار ، وأولياء الله وأعداؤه ، وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه ، ويصلي عليهم هو وملائكته ، وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم اللاعنون
(3) .
وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث منها
(4) .
والمخلوقات مع كل من الإرادتين أربعة أقسام :
الأول : ما تعلقت به الإرادتان ، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة ، فإن الله أراده إرادة دين وشرع ، فأمره وأحبه ورضيه ، وأراده إرادة كون فوقع ، ولولا ذلك ما كان .
والثاني : ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة ، فعصى ذلك الكفار والفجار ، فتلك كلها إرادة دين ، وهو يحبها ويرضاها وقعت أم لم تقع .
والثالث : ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط ، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي ، فإنه لم يأمر بها ، ولم يرضها ، ولم يحبها ، إذ هو يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
والرابع : ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه ، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي
(5) .
والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد الله به تشريعاً ، والعبد الشقي من أراد الله به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً ، وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله وحق الفقه ، ولم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، علموا أنَّ أحكام الله في خلقه تجري على وفق هاتين الإرادتين ، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً ، ومن نظر إلى الشرع دون القدر ، أو نظر إلى القدر دون الشرع كان أعور ، مثل قريش الذين قالوا : (
لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء ) [ الأنعام :148 ] . قال الله تعالى : (
كذالك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قُلْ هَلْ عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) [ الأنعام : 148 ]
(6) .
--------------------------------
(1) راجع شرح الطحاوية : ص116 . ومجموع فتاوى شيخ الإسلام: 8/188 ، 58 .
(2) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/ 198 .
(3) راجع : شرح الطحاوية : ص 116 ومجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8 /198 ، 58 .
(4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/198 .
(5) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/189 .
(6) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/198 .