عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 26-01-2010, 05:09 PM
الصورة الرمزية خالد مسعد .
خالد مسعد . خالد مسعد . غير متواجد حالياً
نـجــم الـعـطــاء
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
المشاركات: 5,554
معدل تقييم المستوى: 23
خالد مسعد . will become famous soon enough
افتراضي

وهذا فرعون الذي تظاهر بإنكار الصانع وتجاهله كان مستيقنا بالله في الباطن كما قال له موسي u} لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَل َ هَؤُلاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا { (الإسراء: 10)، وقال تعالى: } وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ { (النمل/14) ([1]) .
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن هؤلاء المتكلمين المتأخرين الذين خلطوا الفلسفة بالكلام كثر اضطرابهم وازدادت شكوكهم وحيرتهم بحسب ما ازدادوا به من ظلمة هؤلاء المتفلسفة .. وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون، وهم مع هذا يعبدون غيره، وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، وأن يعبد الله وحده لا يشركون به شيئا فيكون الدين كله لله، ولا يخاف إلا الله ولا يدعى إلا الله، ويكون الله أحب إلى العبد من كل شيء فيحبون لله ويبغضون لله، ويعبدون الله، ويتوكلون عليه ([2]) .
ومن ثم فإن توحيد الربوبية والأسماء والصفات في عرف السلف من قبيل الوسيلة وليس من قبيل الغاية، فمعرفة المعبود والإقرار بأن الله U خالق كل شيء وأنه ليس للعالم صانعان هو حق لا ريب فيه، ولكن ذلك وسيلة إلى توحيد العبادة وتحقيق الغاية من خلق الإنسان، فمعني لا إله إلا الله عند السلف الصالح لا معبود بحق إلا الله، وعند الخلف معناها لا خالق إلا الله .
أما عند غلاة الصوفية فإنها تعني لا موجود إلا الله، حيث ذهب فريق من الصوفية يتزعمهم محي الدين بن عربي الأندلسي (ت:638) إلى أن الله هو هذا الوجود بعينه وهو ظاهر في أشكال متعددة وكثرة متنوعة وأنه لا موجود إلا هو .
أما الكثرة المشاهدة في العالم من أنواع المخلوقات فهي على زعمهم وَهْمٌ يحكم أصحاب العقول القاصرة وهي في حقيقتها مظاهر لله فقط، أو مرآة ويري نفسه فيها ويتعين للآخرين من خلالها، أو أثواب يلبسها ويخلعها وقتما يشاء، فهو السماء بما فيها من شمس وقمر ونجوم، وهو السحاب الذي نراه بين السماء والأرض عند الصفاء والغيوم لا فرق بين الأنداد والأضداد، ولا فرق بين الرب والعباد، فالعابد عندهم هو المعبود والذاكر هو المذكور، كما يقول ابن عربي: (ما في الوجود مثل ما في الوجود ضد فإن الوجود حقيقة واحدة والشيء لا يضاد نفس) ([3] ويقول أيضا:
فإنا أعبدٌ حقا وإن الله مولانا:
وإنا عينه فاعلم إذا ما قلت إنسانا
فلا تحجب بإنسان فقد أعطاك برهانا:
فكن حقا وكن خلقا تكن بالله رحمانا ([4]) .
ويزعم هؤلاء أنه كلما فنيت صورة من وجود الله وخلعها عن نفسه لبس صورة أخرى، وكذلك يظل يلبس صورة ويخلع أخرى بلا انقطاع، وهذا حكم منه اقتضاه لظهور هذا الوجود، لكي لا يكون موجود إلا هو .
ويلزم على هذا المذهب الخبيث تأليه جميع الأشياء وعبادتها فلا مانع عند ذلك أن يكون المعبود إنسانا أو وحيوانا أو ملكا أو شيطانا حجرا، ولذا يري هؤلاء الزنادقة أن الأديان كلها حق، وأن المجوس عابدي النيران والمشركين عابدي الأوثان والنصارى عابدي الصلبان وغيرهم من أهل الشرك ليسوا كفار ضلالا، بل مذاهبهم هي عين التوحيد والإيمان، لأنهم حين عبدوا النار والحجارة والصلبان ما عبدوا إلا الله U تعالى الله عن قولهم، فتلك المعبودات عندهم تجليات ظهرت بها الذات الإلهية .
والتوحيد في زعمهم أن تعبد جميعا وأن تعظم جميعا، والشرك الضلال عندهم أن تخصص بعض هذه المظاهر بالعبادة دون بعض، فالكفر عندهم ليس هو عبادة غير الله، ولكنه ستر حقيقة المعبود بتخصيص بعض مجاليه بالعبادة دون البعض الآخر . وحكم هؤلاء الزنادقة أيضا بأن إمام الموحدين هو فرعون، لأنه كان يشاهد عين الحقيقة حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولم يكن كاذبا في دعواه أنه هو الله، بل كان في أعلى مقامات التوحيد، وقد أغرق في البحر تطهيرا له من الشرك عندما هم بالإسلام في لحظاته الأخيرة وتوهم الغيرية، وزعموا أيضا أن موسي u لم يلم قومه على عبادة العجل ولم ينكرها عليهم ([5] ومعلوم أن تلك العقيدة كفر صريح بآيات القرآن التي نطقت بموت فرعون على الكفر، وأنه لم ينفعه إيمانه حين أدركه الغرق، وأن الله إنما نجاه ببدنه ليكون عبرة ماثلة للأجيال من بعده .فهؤلاء الغلاة من الصوفية لما شهدوا ألا إله إلا الله وضعوها على معنى الخبيث فيغتر الجاهل بشهادتهم ويظن أنهم يقصدون ما قصده أصحاب محمد بن عبد الله e ومن سار على دربهم.

(1) انظر السابق ص 77 .

(2) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية 3/288 بتصرف، وانظر أيضا تحقيق هذه المسألة في مجموع الفتاوى لابن تيمية 1/136 3/100، 2/11.

(3) فصوص الحكم لابن عربي شرح عبد الرزاق الكاشاني ص 92 .

(4) السابق ص 143.

(5) انظر المزيد عن عقيدة الصوفية في وحدة الوجود: ابن تيمية وفلاسفة التصوف للدكتور محمد سليمان داود، وابن الفارض والحب الإلهي للدكتور محمد مصطفي حلمي وانظر أيضا مصطلحات ابن عربي وأصحاب وحدة الوجود في المعجم الصوفي للدكتور محمود عبد الرازق الرضواني، تحت الطبع .
رد مع اقتباس