- حسناً .
عدنا ثم نزلت و قبل أن تذهب قلت لها :
- سارة.
- نعم ؟
- أنا أحبكِ .
انسابت الدموع من عينيها ثم قالت:
- إلى اللقاء .
- إلى اللقاء .
أغلقتْ النافذة و تركتني أفكر و قررت ماذا سأخبرها عندما ألاقيها في المساء ً.
و في مساء ذلك اليوم قلت لها :
- إن كنتِ حقاً حزينة , إذا خذي العلاج فجميعنا نحبكِ و يؤلمنا أن نراكِ تتألمين و العلاج سيقلل من الألم .
- ماذا ؟ علاج .. و لكن أنا لا أريد العلاج .. أريد أن ألقى ربي .. إني مشتاقة إليه و لا أستطيع الصبر على رؤيته .. و لكني أخشى أن تحول ذنوبي دون ذلك ..
- اذا كانت هذه هي مخاوفكِ إذا لديكِ التوبة و بين يديكِ الحل و هو كما قلتُ لكِ سابقاً قراة القرآن كما لديكِ السنن كصلاة الحاجة .
- أعلم و لكن ماذا إن لم يغفر لي ربي ذنوبي ؟ ماذا سأفعل حينها ؟
سكتت برهة ثم قالت :
- قبورنا تبنى و نحن ما تبنا يا ليتنا تبنا من قبل أن تبنى .. اللهم اقبض روحي و أنا ساجدة لك .. اللهم آمين .
- رددت بعدها آمين .. لا تخشي شيئاً إن كانت توبتكِ صادقة و ندمتِ حقاً فإن شاء الله تعالى سوف يقبلها منكِ .. و من يتقِ الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب و من يتوكل على الله فهو حسبه.. فتوكلي عليه تعالى في كل أموركِ.
- اللهم توكلت عليكِ في جميع أموري .
- يقال:اذا ابتليت .. فثق بالله و لا تجزع و اذا عوفيت .. فاشكر الله و لا تقطع واذا وقف بك أمر .. فلا تيأس و لا تطمع و فوض أمرك إلى الله .. فنعم المرجع فإذا فعلت .. فقد فزت بخير الدارين أجمع , عزيزتي اذكري الله في كل وقت فما تحسر أهل الجنة على شيء كما تحسروا على ساعةٍ لم يذكر فيها اسم الله .
- بسم الله .. سبحان الله .. الله أكبر .. الحمدلله .. لا إله إلا الله .
صمتت فترة من الزمن و عندما نظرت إليها رأيتها تنظر إلى الفضاء سألتها :
- فيمَ تفكرين ؟
- فيما سأقوله لربي عند لقائه .
- و هل وجدتِ شيئاً ؟
- حتى الآن جملة واحدة .
- ما هي ؟
- تعاظمني ذنبي .. فلما قرنته بعفوكَ ربي .. كان عفوكَ أعظماً .
- أحسنتِ قولاً .
- أتوب إليكَ رباه عما .. جنيتُ فقد تكاثرت الذنوب .... هل سيتقبلها ربي مني ؟
- هو وحده أعلم .
سكتنا فترة من الزمن ثم ابتسمت فسألتني سارة أو بالأحرى قالت لي :
- يقال اذا ابتسم صديقك فعليه أن يذكر لك السبب .. أما إذا بكى فعليكَ أنتَ أن تكتشف السبب .. لمَ تبتسمين ؟
- الآن فهمت لمَ لا تريدين العلاج .. لأن من أحب الله رأى كل شيء جميلاً و هذا حقيقي .
- يسعدني انكِ فهمتي أتعلمين أنكِ الوحيدة التي تعلم لمَ أنا سعيدة رغم علمي بأن موعد موتي قد اقترب .
- لا, لازلتِ لستِ متأكدة .. أتضايق عندما تتكلمين هكذا .
- حسناً سأحاول ألا أفعل .
- بل لا تفعلي .. و إلا سأغضب.
قلتها بحزم , فنكست رأسها و قالت :
- إن شاء الله .
شعرتُ بالضيق من تصرفي و لكني فضلت أن أبقى صامتة .
- علي أن أذهب الآن .
قالتها بصوت مليء بالحزن و الألم .. و لكن فيه أمل .
- حسناً يا حلوتي .
- لا تنسيني من دعائك.
- لن أفعل أبداً .
جلستُ أبكي و أبكي حتى غلبني النوم استيقظت صبيحة اليوم التالي في الساعة الحاية عشر هذه أول مرة أنام كل هذا الوقت , شعرتُ بصداعٍ رهيب لم أستطع الذهاب إلى العمل قررت البقاء في المنزل , عندما حان موعد لقائنا أي الساعة الثامنة و النصف تقريباً جاءت سارة و هي تبكي سألتها :
- ما بكِ صغيرتي ؟
- أنا مصابة بهذا المرض الخبيث .
- ماذا تقصدين ؟
- عندما دخلت المنزل أمس و عندما صعدت السلم رأيت نور غرفة والداي مضاءً اقتربت من الباب سمعت والدي يقول لأمي الحبيبة : لمَ غيرتِ طريقة تصرفكِ ستشعر أن هناك شيئاً ما .. تصرفي كما كنتِ من قبل , فعرفت أن الأمر حسم .. سوف أموت .
نزلت الدموع من عيني و أنا أقول :
- قلت لكِ أكثر من مرة لا تقولي هذا الكلام لستِ الوحيدة المريضة .
صرخَت قائلة :
- مريم .. مابكِ لقد حسِمَ الأمر إنها أنا , أنا المريضة و سوف أموت قريباً .
- لا لن تموتي .. لا تقولي هذا توقفي .
لم أستطع الاحتمال أغلقت النافذة و جلست أبكي وحدي سمعتها تصرخ من الخارج :
- أنا لست خائفة , و لست حزينة أريد لقاء ربي , ألا يمكنكِ أن تسعدي من أجلي ؟ ألا يمكنكِ على الأقل التظاهر بذلك فقط ؟ أجيبيني .. هيا ..
لم أرد عليها و تركتها هكذا تصرخ وحدها .
و في اليوم التالي عندما قابلتها كانت عيناها محمرتانِ من البكاء و قالت لي :
- لقد فكرت كثيراً و أعلم بأنني أتصرف بأنانية مع أحبابي و لكن ألا يتصرفون هم بأنانية أيضاً .. فكل واحدة منهم تعيش حياتها و هي تعلم أن هناك من يحبها في هذه الدنيا .. أما أنا فأستيقظُ كل يوم و أنا أعلم أن لا أحد يحبني و لا أحد يرغب برؤيتي .. صدقيني هذا شعور مؤلم .. مؤلم جداً .. لقد تحدثت إلى والدتي سألتها لمَ تعاملينني بهذه الطريقة لم ترد علي قالت لي: اصمتي لا أريد التحدث إليكِ . قلت لها : لماذا ؟ قالت: لا يعجبني أسلوبكِ . قلت لها : ما به أسلوبي حتى أغيره ؟ قالت : لا يعجبني . أجبتها : أعلم و لكن ماذا تريدينني أن أفعل ؟ لقد سئمتُ معاتلكِ هذه لي .. إن كان في قلبكِ ذرة حبٍ لي فعامليني بطريقةٍ حسنة كما تعاملين أخواتي و أخي , لكن أتعلمين بمَ ردت علي ؟
- ماذا ؟
- قالت لي أخرجي لا أريد رؤيتكِ أبداً .. مريم هذا ليس بالشيء السهل الذي يمكنني احتماله .. أمي لا تحبني ما أصعبُ من ذلك .. أنتِ لم تسمعي حتى الآن ما الكلام الذي تقوله لي حتى إنني قلت لها : أتعلمين أن معاملتكِ هذه تجرحني , نعم إنها تفعل أرجوكِ عامليني كشخصٍ له قلب و مشاعر يحس و يُجرَح , لم ترد علي ..
- سارة .. حبيبتي هدئي من روعكِ ..
- اتصلتُ بزينب و أخبرتها بما حدث فلم يبقَ لي أحدٌ سواها أثقُ به غيركِ طبعاً .. قالت لي هذا بلاء من الله .. و الله لا يبتلي إلا من يحب .. إذا فالله يحبكِ ألا يكفيكِ حب الله ؟ كنت أردي أن أقول : بلى يكفيني و يزيد عن حاجتي .. لكن لم أستطع ذلك ..
- إنها محقة فيما تقول .. لكن لمَ لم يبقى لكِ أحدٌ غيرها ؟