تفسير سورة الضحى
للشيخ عائض القرني
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالضُّحَى) (الضحى:1) هذا قسم من الله تعالي بالضحى و صفائه ، وحسنه و بهائه ، و روعته في سمائه، و جماله و استوائه.
(وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (الضحى:2) إذا أرخى سدوله و أستاره، و أخفى نوامه و سماره، إذا أطبق جناحيه على العالم، و غطى بجلبابه كل يقظان و نائم، إذا زحف بظلامه الكثيف، و أقبل بشخصه المنيف.
( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى:3) ما أبعدك بعد ما أدناك، و ما كرهك بعد ما أحبك و اصطفاك ، و ما هجرك بعد ما اختارك و اجتباك، فأنت إلينا حبيب ، و نحن منك قريب، خصصناك بالخلة، و غفرنا لك الزلة ، و نصرناك بعد الهزيمة، و أغنيناك بعد العيلة و القلة.
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (الضحى:5) و الله، لنكر من مثواك، و تالله، لنرفعن في الجنة مأواك، و نخصك بالوسيلة، و نتحفك بالدرجة *
(الم يجدك ينيما فَآوَى) (الضحى:6) أما فقدت الأبوة و الأمومة ، و لم تجد الخؤولة و العمومة ، فاويناك في كنف الحنان ، و أدخلناك في ولاية الرحمن، لاحظناك بالرعاية، و حميناك بالولاية، حتى صرت للعالمين آية، اويناك إلى ركن لا يرام، و الى كنف لا يضام.
(وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) (الضحى7) كنت في الحيرة العمياء ، لا سنة و لا كتاب ، و لا هدى و لا صواب، فهديناك صراطا مستقيما، و ألهمناك دينا قويما، و أوحينا إليك ذكرا حكيما، و جعلناك للعالمين إماما كريما. فالهدى ما جئت به، و الحق ما أنت عليه، و الصواب ما قصدت إليه، الخير فيك، و اليمن معك، و البركة لك.
( وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) (الضحى:8) كنت من المال فقيرا، و عشت للجوع أسيرا، وولدت مع اليتم كسيرا، فرزقناك و حبوناك، حتى صرت تعطى عطاء من لا يخشى الفقر، و توزع الغنائم على البدو و الحضر، فصرت أجود بالخير من الريح المرسلة، و أصبحت بالبر من الغيوث المنزولة.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى:9) كما كنت يتيما فأرحم الأيتام ، فأنت نبي الرحمة من الملك العلام، لا تكسر قلب اليتيم ، و كن في مكان أبيه الرحيم، أمسح رأسه حنانا، و أمسح دمعته إحسانا ، أشبع جوعته امتنانا، أقل عثرته لطفا و عرفانا، و جئت لرفع الظلم و جبر القلوب المنكسرة، و نصرة المستضعفين في الأرض ، و إغاثة المنكوبين في العالم، و إسعاد المحرومين في الدنيا.
(وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (الضحى:10) لا ترد سؤال الفقير، و لا تكسر خاطر الضعيف الكسير، و لا تخيب المحتاج إذا قصدك، و لا ترفع صوتك على المسكين إذا استنجدك، أحمد ربك على أنك لست مكانه، لأن ربك منحك إحسانه.
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11) اعترف بالفضل لمن أسداه، و أنسب الجميل لمن هداه، أذع المعروف و لا تكن جحودا ن و أعلن البر لا تكن كنودا، حدث الخليقة بفعل الخالق، و أخبر البرية برزق الرازق، لا تكتم فتحرم، لا تنكر فتظلم، أنشر الثناء للمستحق جل في علاه، و أكثر الحمد لمن هو أهله لا اله إلا إياه، إذا ذكرتنا بالجميل فقد شكرتنا و إذا مدحتنا بالفضل فقد عرفتنا.
من كتاب: (( العبر في بعض قصار السور)) للقرني
ولسوف يعطيك ربك فترضى فأعطاه الله جل ثناؤه ألف قصر في الجنة، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. وعنه قال: رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. وقاله السدي . وقيل: هي الشفاعة في جميع المؤمنين. وعن علي رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يشفعني الله في امتي حتى يقول الله سبحانه لي : رضيت يا محمد؟ فأقول يارب رضيت) . وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص:
أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [ إبراهيم:36]وقول عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك [المائدة:118] فرفع يديه وقال
اللهم أمتي أمتي) وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: (اذهب إلى محمد- فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) وقال علي رضي الله عنه لأهل العراق: إنكم تقولون إن أرجي آية في كتاب الله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [الزمر:53] قالوا : إنا نقول ذلك. قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: ولسوف يعطيك ربك فترضى وفي الحديث.
لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار)
قوله تعالى: ألم يجدك يتيما فآوى
عدد سبحانه مننه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ألم يجدك يتيما لاأب لك قد مات أبوك. فآوى أي جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق. وعن مجاهد : هو من قول العرب: درة يتيمة، إذا لم يكن لها مثل. فمجاز الآية: ألم يجدك واحداً في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك.