11- المؤاخذة بالمعصية :
كل من عصى الله سبحـانه وتعالى فهو تحت المؤاخذة إلا أن يغفر الله ذنبه، والمؤمن قد يؤاخذ بمعصيته في الدنيا، ويحصل له من البلاء ما يطهر ذنبه، ويعلي درجته، وقد يؤاخذ الله بعض أنبيائه في الدنيا بسبب معصية صغيرة تقع منهم ومن ذلك.
أ- آدم عليه السلام ومعصيته للأمر الإلهي:
فآدم عليه السلام الذي لم تكن معصيته إلا أنه خالف الأمر الإلهي بأكله من شجرة نهاه أن يأكل منها، ومعصية آدم بالأكل من الشجرة فإنها -والله تعالى أعلم- لم تكن فاحشة في ذاتها ولا إثمـاً لولاً المعصية. فقد أباح الله لآدم الأكل من كل أشجار الجنة، فليس الأكل من هذه الشجرة مذهباً للعقل، ولا ضاراً في النفس أو البدن، ولا تعدياً على حق مخلوق، ونحو ذلك مما هو من تعليل الإثم. وإنما كانت معصية آدم فيما أخبرنا الله به –والله تعالى أعلم- في أنه أطاع الشيطان الذي حذره الله من طاعـته، وأنه عصى الله فيما أمره به. قال تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجـد له عزما، وقال تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} (الأعراف:22)
ومع ذلك كان من آثار هذه المعصية آلاماً طويلة في الدنيا منها: خروج آدم وزوجه من الجنة، وتعرضه هو وذريته لما يتعرضون له من البلاء في هذا الدار.. وإلى يوم القيامة!!
ب- نوح عيه السلام ووعظ الله له:
وهذا نبي الله نوح عليه السلام سماه عبداً شكوراً، وكان من أولي العزم من الرسل، وقد قام في عبادة الله سبحانه وتعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً يتحمل في أثنائها الكرب الطويل والأذى البالغ. قال تعالى:{ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} (الصافات:75-76)
ولما دعا نوح ربـه قائلاً: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} (هود:45) أجابه الله سبحانه: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} (هود:46)
فقال العبد الصالح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} (هود:47)
فاعترف عليه السلام بذنبه، وأنه قد قال قولاً لا علم له به!!
ج- يونس عليه السلام والسجن في بطن الحوت:
وهـذا يونس عليه السلام عاقبه الله لأنه ترك قومه الذين كذبوه وآذوه، دون أن يأذن الله له، فسجن في بطن الحوت إلى أن تداركته رحمة الله بالخروج، ضعيفاً مريضاً. قال تعالى:{فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات:143-144)
وقال تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين* فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} (الأنبياء:87-88)
د- الوعيد بالعذاب لقبول الفداء من الأسرى:
ونبينا صلى الله عليه وسلم عاتبه الله سبحانه بعد قبوله فداء الأسرى ويقول: [لقد عرض عذابكم أدنى من هذه الشجرة]!!
فقد روى الإمام أحمد قال: حدثنا عبدالله بن أبي ثنا أبو نوح أنبأنا عكرمة بن عمار ثنا سماك أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمـر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [لما كان يوم بدر قـال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: اللهم أين ما وعدتني؟ اللهـم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبداً].
قـال: فما زال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأخذ (أبو بكر) رداءه فرداه ثم التزمه من ورائـه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. وأنزل الله عز وجل {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.
فلمـا كان يومئذ والتقوا، فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً، وأسر منهم سبعون رجلاً، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما ترى يا ابن الخطاب]؟ قال: قلت والله ما أرى رأي أبي بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان -قريباً لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان -أخيه- فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هــوادة للمشركين. هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم!! فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلتُ، فأخذ منهم الفداء.
فلما أن كان من الغد قال عمر رضي الله عنه: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعـد وأبو بكـر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان!! فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما!! قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلـم: [الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، لقد عُرِض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة] لشجرة قريبة، وأنزل الله عز وجل {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}.
ثم أحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رَبَاعِيَّته وهُشِّمَت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: {أو لما أصابتكم معصية قد أصبتم مثليها} الآية بأخذكم الفداء] (رواه أحمد)
12- الرسل عليهم السلام يخافون ذنوباً لو كانت لأحدنا لعدها من الطاعات:
الرسل عليهم السلام يخافون ذنوباً لو كانت هذه الذنوب نفسها لأحدنا لعددناها من الطاعات والقربات.. فمن منـا لا يتمنى أن يكون صنع ما صنع إبراهيم عليه السلام من كذبه على قومه عباد الأصنام عندمـا قال لهم: {إني سقيم} (الصافات:289) وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} (الأنبياء:63) حتى يحطم أصنامهم، ويرجعهم إلى عقولهم ورشدهم؟! ومن منا لا يتمنى أن يقول عن زوجته هي أختي ينقذها ونفسه من جبار كافر أراد أن يقتله ويستحوذ على زوجته!! ومع ذلك يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة معتذراً عن التصدر للشفاعة خائفاً من معصيته!! [وإني قد كذبت ثلاث كذبات!!] (رواه البخاري)
وهذا نبي الله موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم والرسل، يقتل نفساً قتلاً شبه عمد وليس عمداً، ويقتله بغير قصد قتله، يقتله دفاعاً عن مظلوم، وهذا الفعل منه كان قبل الرسالة ومع ذلك يقول:{رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} (القصص:16)، ومع ذلك يظل موسى خائفاً من فعلته هذه إلى يوم القيامة ويقول: [إن ربي قد غضب اليـوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله وإني قد عصيت ربي فقتلت نفساً لم أومر بقتلها]. (رواه البخاري)
ومن منا لا يتمنى أن يكون صنع ما صنع موسى في دفاعه عن مظلوم من قومه!!
13- ازدياد الخوف من الله مع زيادة الإيمان، ونقص الخوف مع نقص الإيمان:
كلما تبلـد الشعور، وزاد البعد عن مصدر النور، زال الإحساس بالذنب، فالكفار يكفرون ويجرمـون ويفسقون وهم يضحكون. والفاجر والمنافق يرى ذنبه كأنه ذباب يحط على أنفه لو أشار إليه بيده رده، والمؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يسقط عليه، وكان أنس بن مالك يقول وكان قد عمـر زماناً بعد النبي صلى الله عليه وسلم: [أنكم تعملون أعمالاً كنا نعدها من الكبائر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في أعينكم أصغر من الشعر]
14- ألوان وأنواع العقوبات لعصاة المؤمنين:
كل ذنب داخل في الحساب إلا ما يغفره الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} (الزلزلة:7-8)
وبعض العصاة من الموحدين قد يعذبون في النار، أو في القبر، أو في الحشر في صغائر من الذنـوب، وفي كبائـر يظنها بعض الناس صغائر، فامرأة يراها النبي في النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً. وقتيل مع الرسول ظنه الصحابة شهيداً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [كلا. إني رأيته في النار في بردة غلها] (رواه مسلم)، ولم تكن هذه البردة تساوي أربعة دراهم!!
والرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار سبعين خريفاً.
ونساءٌ كثيراتٌ كثيراتٌ من أهل التوحيد يدخلن النار لأنهن يكثرن اللعن، ويكفرن العشير!!
ورجـال يحبسون في النار في ردغة الخبال، ووسط عصارة وصديد أهل النار لأنهم تكلموا في إخوانهـم المسلمين بغير حق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قـال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال] (رواه أبو داود)
والوعيد الشديد لعصاة أهل التوحيد يشمل المعاصي كلها صغيرها وكبيرها، فقاتل النفس عمداً يقول الله فيه: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93)
وآكل الربا يقول الله فيه: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:275)
والكنّازون مانعي الزكاة يقول الله في وعيدهم: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة:34)
وفي هـذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار]. (رواه مسلم)
والذي يقتطـع حق امرئ مسلم بيمينه -ولو كان هذا المقتطع شيئاً يسيراً ولو عوداً من أراك - فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة. قال تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (آل عمران:77)
وفي هـذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة] فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: [وإن قضيباً من أراك]. (رواه مسلم)
ورأي النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحابه لبس خاتماً من ذهب، فاقتلعه النبي من أصبعه، ورمى به قائلاً: [يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده]!! (رواه مسلم)
وامرأة كانت من أهل النار لأنها تؤذي جيرانها بلسانها!! وفقير من فقراء المهاجرين، عذب في قبره لأنه مات وكان عليه ديناران لم يسددهما!! وظل يعـذب حتى تصدق عليه أبو قتادة وسدد عنه دينه!!
ورجل يعذب في قبره لأنه كان لا يستنزه من بوله، وآخر يعذب لأنه يمشي النميمة بين الناس، وقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يدخل الجنة قتات] (نمام)، و[لا يدخل الجنة قاطع]!! و[لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر]!! و[ان الكبر بطـر الحق وغمط الناس].. وكم يقع مثل هذا!!
اللهم أني استغفرك لذنبي، وأعوذ بك من شر نفسي وسيئات عملي.
ومما قصه النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب عصاة المؤمنين قوله: [إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهمـا قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائـم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فَيَثْلَغُ رأسه، فيتهدده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه، حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به كما فعل به المرة الأولى.
قال: قلت لهما سبحان الله!! ما هـذان. قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مُسْتَلقٍ لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكُلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شِقَّي وجهه، فيشرشر شدقه إلى قفـاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما يفعل في المرة الأولى.
قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة!! وإذا هم يأتيـهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا.قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق!!
قـال: فانطلقت فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبـح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فَيَفْغَرُ له فاه، فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق!!
فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة أو كأكره ما رأيت من راءٍ رجلاً مرآة، وإذا هو عنده نار يَحُشُّها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمـة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدانٍ رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظـم منها، ولا أحسن. قال: قالا لي: ارْقَ فيها فارتقيت فيها، قال: فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خَلْقِهم من أحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راء. قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: إذا هو نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهَذَاكَ منزلك، فسما بصري صعداً، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالا لي: هذاك منزلك؟
قلت لهما: بارك الله فيكما فذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله.
قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟! قالا لي: أما إنا سنخبرك أما الرجـل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.
وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشَرْشَرُ شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.
وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فهم الزناة والزواني.
وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلْقَمُ الحجارة فإنه آكل الربا.
وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم.
وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم.
وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة.
وفي رواية البرقاني: [ولد على الفطرة]، فقال بعض المسلمين: يا رسـول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين!! وأما القـوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم]. (رواه البخاري)
|