مصطفی اسماعيل؛ جمال الصوت وروعة الأداء
طهران - وكالة الآنباء القرآنية العالمية(iqna): تستشعر وأنت تستمع إلى الشيخ مصطفى إسماعيل أن الرجل لا يقرأ الآيات بل يمضغ الكلمات ويفسر المعانی ويتدبر دلالاتها الشرعية والإيمانية. فيه قدر واسع من جمال الصوت، وحسن الوقف وروعة الأداء وجودة مخارج الحروف.
نشأ شيخنا محبا للقراءة، رغم ثراء والده، وتعلق بالكتاب وجو الريف المصری المحب لدينه.. والتحق بالإذاعة مبكرا، فبلغت شهرته الآفاق. وسافر إلى معظم دول العالم يجالس الملوك ببركة القرآن ويجتذب قلوب العامة بحسن الترتيل. ومع الشيخ مصطفى إسماعيل نتعرف الى بعض جوانب حياته المديدة مع القراءة والتلاوة.
المولد والنشأة
فی "ميت غزال" بمحافظة الغربية، ولد الشيخ مصطفى إسماعيل يوم "17 يونيو/ حزيران سنة 1905" فی أسرة كان حظها جيدا من الثراء، حيث كان جده لوالده يمتلك مئات الأفدنة، وقد اشتهر بالسخاء والكرم فلما جاء الحفيد كان الذی تبقى من الثروة القديمة قد صار شيئا قليلا.. ومع ذلك بقيت هذه الأسرة كريمة. تميزت قرية ميت غزال بكثرة الكتاتيب التی يحتشد فيها الراغبون فی حفظ القرآن الكريم وتجويده، وكان يتخرج فی تلك الكتاتيب كل عام حوالی 100 طالب يحفظون القرآن الكريم منهم من يتجه إلى الأزهر للعلم.
قضى الشيخ مصطفى طفولته بين والديه وكان أهل القرية وأسرته يمتهنون الزراعة، غير أن جده وجهه إلى الكتاب ليحفظ القرآن ويتعلم القراءة والكتابة وفن ترتيل القرآن الكريم. وأول شیء لفت الطفل الشيخ “مصطفى” جمال أصوات الباعة فی الموالد، حيث كان يتحسسهم ويمشی وراءهم يستمع إلى نبرات أصواتهم الندية حتى كان فی أحيان يضل طريق العودة إلى منزل أسرته.
يقول الشيخ عن نفسه
"أنا بكر والدی، لی أخوة إناث وذكور، قضيت طفولة سعيدة بين أهلی وعشيرتی، كان يضمنا منزل كبير يتسع للعائلة كلها". ألحقه والده وهو فی السادسة من عمره بكتاب القرية الذی يديره "الشيخ عبد الرحمن أبو العينين"، فمكث فيه عامين وتعلم القراءة والكتابة وحفظ ربع القرآن الكريم.. وبعد ذلك انتقل إلى كتاب "الشيخ عبد الله شحاتة"، وفيه أتم حفظ القرآن كاملا وقد تعلم نوعا من فنون التلاوة والترتيل. أقبل الشيخ مصطفى على تلاوة القرآن الكريم وهو طفل لم يبلغ بعد العاشرة، حتى صار له شهرة فی قريته، وحدث أن سمعته جدته وهو يرتل ففرحت به وأخبرت والده وقد استحلفته بالله أن يبذل ما فی وسعه ليتم الطفل دراسة علوم القرآن وبالفعل تعهد "الشيخ محمد أبو حيش" الطفل الصغير.
وقد سئل الشيخ مصطفی اسماعيل: "هل يلحن القرآن الكريم موسيقياً؟" فقال:"فی رأيی ألا يلحن القرآن، فقراءته تكفی طربا،وحرام أن تصاحبه موسيقا، لأن القرآن ملحن جاهز، ولكن بلا موسيقا"
طفل موهوب
عاش الشيخ مصطفى إسماعيل حياته الأولى وفق الظروف التی كانت سائدة آنذاك فی بلدته، فكان يحفظ القرآن الكريم على ضوء لمبة جاز نمرة خمسة لا يكاد يرى بضوئها حروف المصحف الشريف. كان يستيقظ فی الصباح الباكر ليراجع ما حفظه ثم يذهب إلى "سيدنا" ويتلقى جزءا آخر ليتم حفظه، كما انتقل الشيخ مصطفى إلى دراسة علم القرآن على يد الشيخ إدريس فاخر حيث كان هذا الشيخ موضع احترام القرية كلها، وكان مفتشا على كتاتيب القرية. فلما سمع صوت الشيخ مصطفى قال: "هذا طفل موهوب يستحق الرعاية"، وقرر أن يعلمه التجويد والقراءات.
أتم الشيخ مصطفى إسماعيل تلاوة وتجويد القرآن وقد حل على الأسرة شهر رمضان عام ،1917 فطلب مكافأة من جده عبارة عن "طربوش وزعبوط ومركوب" والتحق الشيخ مصطفى بالمعهد الأزهری "بطنطا" وارتدى الزی الأزهری وأتم دراسته على إجازة شيخه قارئا وعالما. لمع نجم الشيخ مصطفى إسماعيل وعلا صوته قبل أن يذهب إلى القاهرة، وقد سمع نصيحة "الشيخ محمد رفعت" الذی سمعه فی سرادق عضو بمجلس الشيوخ يومها حيث قال له: ستكون لك يوما ما مكانة كبيرة فی دولة التلاوة، لكن عليك أن تعيد القراءة مرة ثانية فی الجامع الأحمدی لتتمكن من التجويد وتتقن أحكام التلاوة.
استجاب الشيخ مصطفى لهذه النصيحة الغالية من الشيخ محمد رفعت فازداد إتقانه وتجويده وإلمامه بفنون القراءة ولمع نجمه ليصل معظم محافظات مصر. وفی سنة 1927 التی توفی فيها الزعيم سعد زغلول أقيمت الاحتفالات لتأبينه فی جميع المحافظات ودعی الشيخ لإحياء التأبين بمدينة "دمياط"، وفيها تعرف إلى زوجته التی كانت له نعم المعين وقد أنجبت له الذرية الصالحة.
فی القصر الملكی
ارتحل الشيخ مصطفى إسماعيل فی بداية الأربعينات إلى القاهرة ليطرق باب الشهرة وفی طريقه لمح لافتة كتب عليها "رابطة تضامن القراء" فدخلها لينضم إليها، وعندما هم بدفع رسم الاشتراك توقف أحد الشيوخ وسأله: "أنت مصطفى إسماعيل اللی بيحكوا عنك؟ اقرأ لی" فقرأ وأجاد، ومن حسن الصدف أن يصطحبه الشيخ إلى القراءة فی "مسجد الحسين" ويشاء القدر أن تنقل هذه القراءة على الهواء فی الإذاعة المصرية مباشرة، وكان من المفترض ان يحيی تلك الليلة "الشيخ عبدالفتاح الشعشاعی" الذی اعتذر لمرضه.
جاءت الفرصة مواتية للشيخ مصطفى إسماعيل فسمعه الملك فاروق الذی طلب من سكرتيره الخاص"محمد بك سالم" أن يدعو الشيخ مصطفى لإحياء ليالی رمضان فی القصر الملكی. وبدأت نجاحات الشيخ مصطفى تعلو وتزداد فی سماء المقرئين فأصبح له مكانة وشعبية كبرى بين المصريين، بل امتد هذا النجاح إلى جماهير الأمة الإسلامية والعربية، حيث ارتفع صوته عبر الإذاعة المصرية يطرق أسماع المسلمين فی كل أرجاء المعمورة.
ولكن طريق الشيخ مصطفى إسماعيل إلى القاهرة لم يكن مفروشا بالورد، فقد صادفته أيام عصيبة كادت ترجعه إلى قريته مرة ثانية كما أتى، فها هو يخطئ فی أول تلاوة فی إحدى ليالی القاهرة مع "الشيخ محمد سلامة" الذی كان يقرأ الليلة الكاملة، غير أنه لم ييأس وظل صابرا حتى جاءت الليلة الثانية، فصعد إلى المنصة وبدأ يقرأ فجذبت الآيات الأولى التی قرأها أسماع الحاضرين، وكلما توغل الشيخ مصطفى ورفع صوته توافد إلى السرادق جمهور جديد حتى قال أحد الشيوخ الأزهريين وقد سمعه يومئذ: "هذا صوت جديد وأداء جديد ومقرئ جديد لا يقلد أحدا من سابقيه".
سئل الشيخ عمن علمه المقامات: "لقد التقطت اذنای كل ما سمعته طوال حياتی واستنبطت منه طريقتی فی الأداء بالفطرة"، حتى قال "الشيخ الحريری" عن هذه الفطرة إنها أقوى وأصح من كل الدراسات
وقد كان يحضر تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل "الشيخ درويش الحريری" عالم المقامات الملحن المعروف آنذاك، والذی تتلمذ على يديه كبار مقرئی هذا العصر، ويقول الشيخ مصطفى عندما سئل عمن علمه المقامات: لقد التقطت اذنای كل ما سمعته طوال حياتی واستنبطت منه طريقتی فی الأداء بالفطرة، حتى قال "الشيخ الحريری" عن هذه الفطرة إنها أقوى وأصح من كل الدراسات، ولا يمكن لأی معهد فنی بأكمله أن يصل إلى ما وصلت إليه فطرتك التی وهبها الله لك.
حفاوة ودموع
بدأت الدعوات تنهال على الشيخ مصطفى بدءا من وزارة الأوقاف المصرية ليتلو فی الاحتفالات التی تقيمها الوزارة، ثم من البلاد العربية والأجنبية. وقد سافر الشيخ مصطفى إلى لبنان لإحياء ليالی رمضان فی عام 1965 بناء على دعوة من رئيس وزرائه، ويومها منح وسام "الأرز"، الذی يعد أرفع وسام تمنحه دولة "لبنان" للشخصيات البارزة، وفی العام ذاته منح أول وسام يناله قارئ فی مصر فی "عيد المعلم" وتسلمه معه فی ذلك الوقت الدكتور "طه حسين"، ثم سافر إلى تركيا عام 1973 وهناك استقبله الشعب التركی بحفاوة كبيرة، ودعاه الرئيس التركی لمقابلته فی القصر الجمهوری بأنقرة وجلس إليه ومعه وزير الثقافة التركی وفی نهاية الزيارة أهداه الرئيس التركی مصحفا مكتوبا بماء الذهب.
وفی عام 1977 استدعاه الرئيس "أنور السادات" ليصحبه معه فی الزيارة التی قام بها إلى "القدس". ولم يكن الشيخ قد زار القدس من قبل. فزار "المسجد الأقصى" وقرأ به القرآن الكريم. حتى إنه لما شاهد منظر المسجد الأقصى فاضت عيناه بالدموع.. وبكى معه المشايخ الفلسطينيون، وقرأ الشيخ فی المسجد الأقصى عبر الأقمار الصناعية وصوته يصدح بكتاب الله فی الأقصى أولى القبلتين ثالث الحرمين.
كما سافر الشيخ مصطفى إسماعيل إلى "سوريا" لتلاوة القرآن الكريم، وكانت الدعوة من أحد الأغنياء السوريين، فأحيا الليالی هناك ومن شدة إعجاب السوريين به كانوا يطلبون منه الرقية تبركا بالقرآن الكريم. ومع هذا الصوت الملائكی الذی له القدرة الفائقة على الإبحار فی أنغام القرآن الكريم وموسيقاه، لم يسع إلى الشهرة، بل إنها سعت إليه. فقد طاف بلدان العالم لينفخ الله بصوته قلوبا صدئت عن ذكر الله فقرأ القرآن فی "كوالالمبور" و"كراتشی" ودول آسيا والدول العربية والافريقية والتی بها جاليات إسلامية.
وقد سئل ذات يوم: "هل يلحن القرآن الكريم موسيقياً؟" فقال: "فی رأيی ألا يلحن القرآن، فقراءته تكفی طربا، وحرام أن تصاحبه موسيقا، لأن القرآن ملحن جاهز، ولكن بلا موسيقا". قال هذا الكلام استنادا لعلمه وبحوثه فی مجال القراءات. رحل الشيخ مصطفى إسماعيل وعمره 73 سنة بعد جهد طويل فی خدمة القرآن الكريم، رحل الصوت الذی عانق عنان السماء. باستخدامه مقامات الموسيقا العربية وبراعة إعجازه، وسكت صوته فی "ديسمبر/ كانون الأول 1978". رحمة الله عليه.